إيران بين الشيطنة والتقديس

منذ قيام الثورة الإسلامية والنخب الإيرانية تتسابق مع الزمن لتقديم بلدهم كقوّة إقليمية يسعى من أجلها الإيرانيون في كل لحظة. لقد أضحت نموذجاً يثير الإعجاب من نواحٍ عدّة ؛ بنية تحتية واقتصاد متماسك إلى حدٍ كبير ومؤسسات رصينة. وتحتل القوّة العسكرية رتبة متفوقة على نظيراتها العربيات فضلاً عن تنافسها الدؤوب مع جارتها تركيا.

يتعامل المجتمع الدولي مع إيران كدولة متماسكة تتمتع بسياسة خارجية تتعامل بنديّة مع خصومها المعجبين بها! ولا زالت الدبلوماسية الإيرانية تحقق نجاحاً واضحاً في كيفية امتصاص الأزمات بفضل حنكة ساستها. إنها ذاكرة حضارية واعتزاز قومي يتميز بصلابة واعتداد بالذات وقد شهد لها الأعداء قبل الأصدقاء. ولا نستغرب حينما يفرد هنري كيسنجر عدة صفحات في كتابه "النظام العالمي"، وهو يسهب في تحليل السياسة الإيرانية ويظهر مدة إعجابه بتاريخها الحضاري الذي اندمجت فيه حضارتان قويتان: الحضارة الفارسية والعربية الإسلامية لتكوّن مزيجاً ثقافياً فريداً استثمره الإيرانيون بذكاء فريد . ولا زالت هذه الدولة المتماسكة صامدة حتى هذه اللحظة رغم التحديات الجسام التي كابدتها ولا زالت تكابدها بعناد يثير الإعجاب.

الإعجاب بالنموذج الإيراني حق مشروع لكن عن أي أعجاب نتحدث؟: بحكمة ساستها وشعورهم القومي العميق والانتماء المتأصل لأرضهم وتاريخهم. إنهم يستقتلون على حدودهم الوطنية ومؤسساتهم العريقة حتى وإن بدت تتخذ خطاباً آيديلوجيا قائم على مقولات الدين والمذهب فهو في نهاية المطاف شكل تعبيري لايمحو الشعور القومي والنزعة البرغماتية للساسة الإيرانيين. ويقول أحد المحللين ما مضمونه: إن الكفاح الإيراني يتخذ صفة العناد القومي، إنهم يستبسلون حتى آخر رصاصة وآخر جندي، فالصراع لديهم يرتبط بكرامتهم القومية.

معلوم إن هذا الإعجاب حق مشروع، ويخرجنا من ثنائية الشيطنة والتقديس تجاه إيران ، فإيران إمّا حق مطلق في عيون محبيها، أو شر مطلق في عيون أخواننا العرب الطائفيين!. يذكر أحد المهتمين بالشأن الإيراني في أحد الندوات المخصصة لهذا الأمر، إن البلدان العربية تخلو من مراكز دراسات مختصة بالشأن الإيراني!. يظهر أن الطائفيين يتمتعون بزهد لافت وغريب تجاه خصمهم اللدود " الفرس المجوس"، حتى أنهم لم يكلفوا أنفسهم لدراسات إستراتيجية تقربّهم من غريمهم الإقليمي، إنهم فرس مجوس وهذا يكفي. أو لعل مراكز الدراسات الامريكية الضخمة قد أغنتهم من هذا الصداع المؤرق لكي يتفرغوا لسمومهم الطائفية. إذا كان بعض الطائفيين العرب ينفثون سمومهم الطائفية تجاه إيران والسبب معلوم تماماً. يوجد في الجانب الآخر موالون لإيران وهذه الموالاة تتخذ نزعة تقديسية مفرطة ؛ يتوقف هذا الولاء وينحصر في حدود المذهب ، ومن ثم يعلن موته المحقق فيما لو تعدى باقي الجوانب المهمّة في مفاصل الدولة الإيرانية المتماسكة. ترى لماذا تغيب النماذج الإيرانية المشرقة فيما ينحصر الولاء بالنموذج المذهبي لدى بعض العراقيين؟. لماذا يتجسد الولاء لإيران على شكل نزعة تدميرية لايهمها ضعف الدولة العراقية بقدر مايهمها المذهب؟. لماذا لايفكر ويتأمل محبو إيران بمؤسساتها العريقة؟. هل فات على الأحزاب الإسلامية استبسال النخب الإيرانية في بناء بلدها ولا زالت تكافح من أجل هذا الأمر؟. ماذا تعلّم الموالون ياترى؟. هل ثمّة قدر حتمي أن نكون مهانين حتى في ولائنا؟

بغداد اليوم 

وسوم