ج6 : صلاح الدين ينقذ الخليفة الفاطمي العاضد من وزيره المتمرد ضرغام اللخمي

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). في السنوات التي ولد فيها صلاح الدين الأيوبي كان الشرق العربي الإسلامي فسيفساء معقدة من الدويلات والإمارات الإسلامية والإفرنجية الصليبية والدول البالغة سن الشيخوخة ( العباسية والفاطمية).حتى كادت أغلب مدن ساحل الشام وداخله تتحول الى دويلات. وحين ولد يوسف بن أيوب "الملقب بصلاح الدين" في تكريت، توفي جده، فهاجر أبوه أيوب وعمه شيركو للعمل كعسكريين في خدمة الأمير الزنكي نور الدين في دمشق بعد وفاة والده عماد الدين. ( مات نور الدين بالذبحة الصدرية على فراشه، ولكن أهل الشام كرَّموه بلقب "الشهيد" لاحقا، فصار يعرف باسم "نور الدين الشهيد" وذلك لبسالته في القتال الصعب والمديد ضد الغزاة الفرنجة الصليبيين، و لكن انتصارات صلاح الدين طغت على انتصاراته ولكنها لا تقل عظمة عنها. و على اسمه بنيِّ و سميَّ الجامع النوري ومنارته الحدباء اللذان نسفهما شياطين العصر الدواعش في الموصل قبل أيام قليلة. و الزنكيون سلاجقة أتراك على المذهب السني، وإمارتهم شبه مستقلة فعليا عن بغداد العباسية ولكنها تواليها وتنسق معها و تعترف بها كخلافة وسلطة إسلامية عليا).
1-الدخول الأول لمصر: إن أغلب المؤرخين وبخاصة المشنعين الطائفيين على صلاح الدين يبدأون قصة علاقته مع الدولة الفاطمية من الحملة المصرية الثانية التي شارك فيها و قادها عمه شيركو سنة 562 لمساندة الخلافة الفاطمية ضد الصليبيين وهذا غير صحيح. فأول حملة شارك فيها صلاح الدين و دخل مصر كانت قبل ذلك بثلاث سنوات أي سنة 559. والسبب الأرجح لهذه القفزة هو محاولة المشنعين تسويغ نظرية المؤامرة العباسية الأيوبية المزعومة لإسقاط الخلافة الفاطمية عبر انقلاب غادر يقوم به صلاح الدين، وذلك بجعل الفترة بين دخوله الى مصر وتاريخ إنهاء الخلافة الفاطمية على يده قصيرة، رغم أنهم يعترفون كما يقول المتحدث التلفزيوني أن ( الدولة الفاطمية كانت تمر بأواخر أيامها، و كانت في مرحلة الشيخوخة، في مرحلة الوفاة).
وقد خاض صلاح الدين في قدومه الأول الى مصر معركة بلبيس وتعرف أيضا باسم البابين، ضد قوات ضرغام اللخمي وزير الفاطميين المتمرد عليهم، وانتصر عليه وانقذ الخليفة الفاطمي العاضد ( تولى الخلافة وهو في التاسعة من عمره وكان في العشرين أو الحادية والعشرين حين حدثت هذه المعركة ) من سطوته ودخل القاهرة وانتهى ضرغام بأن قتله سكان القاهرة في رواية وقتل في المعركة في رواية أخرى و استوزر الخليفة الفاطمي العاضد وزيرا جديدا هو شاور، وهو ليس مملوكا بل زعيم قبلي عربي اسمه شاور بن مجير السعدي ولم يستوزر الخليفة الفاطمي أحدا من منقذيه الزنكيين الأيوبيين آنذاك.
2- الدخول الثاني لصلاح الدين إلى مصر كان في سنة 562 هـ وذلك بعد أن شن الفرنجة الصليبيون حملتهم الكبيرة على مصر، وحينها خان الوزير الفاطمي الجديد شاور السعدي سيده الخليفة العاضد وتعاون معهم. وكان على شيركو أسد الدين وابن أخيه صلاح الدين ان يواجها جيشا كثيفا من الفرنجة و قوات الخائن المتغلب شاور قرب منطقة الجيزة وانتصرا عليه انتصارا عجيبا وأقرب الى الخيال. ثم حررا الاسكندرية من شاور وانسحب منها وترك فيها صلاح الدين، فاستنجد شاور بالصليبيين فأنجدوه بجيش ضخم و حاصروها لثلاثة اشهر حتى نفذت الميرة وحدثت مجاعة وتقدم منها جيش شيركو لفك الحصار عنها وعن قوات صلاح الدين ولكن قواته كانت قليلة مقارنة بقوات شاور والصليبيين فاضطر للتفاوض مع شاور على سحب قواته منها بسلام مقابل أتاوة من خمسين ألف دينار وبشرط عدم تسليم المدينة للصليبيين وعدم ملاحقة سكانها الذين رحبوا بالقوات الشامية. 
*نسجل هنا، أن الصفقات ودفع الأتاوات خلال تلك الحروب، كانت أمرا مألوفا، وكان جميع الأطراف تلجأ إليها في حالات معينة، وقد أخذ صلاح الدين نفسه أتاوات كبيرة من الصليبيين مقابل فك الحصار عن قواتهم وعن مدن يسيطرون عليها لتمويل حروبه والاستعداد لحملة حاسمة جديدة، وهذا ما اعتبره المشنعون الطائفيون في عصرنا خيانة أقدم عليها صلاح الدين وهي تهمة ساذجة وخارج السياق التاريخي كما سنشرح لاحقا. وسنستكمل هذه السيرة المكثفة في الجزء القادم من هذه الدراسة. يتبع في الجزء القادم. 
#صفحات_تراثية_معتم_عليها