ج7: صلاح الدين ينقذ العاضد الفاطمي من وزيره الخائن شاور السعدي حليف الصليبيين

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي). 3- حين انسحب شيركو بقواته إلى الشام خلا الجو للوزير الفاطمي شاور السعدي فسلم مصر كلها للصليبيين مقابل أن يعينوه شحنة عليها "بمثابة حاكما عاما والمفردة كانت مستعملة في العامية العراقية الجنوبية حتى الستينات من القرن الماضي فـ " الشحني" هو بمثابة الحرس الشخصي المسلح للشيخ الإقطاعي ومنفذ أوامره" عليها حتى حلت سنة 564.
4-عن أحداث هذه السنة نقرأ في كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير كما ينقل لنا العلوي في دراسته المشار إليها سابقاً ما يأتي ( وفي هذه السنة طغت الفرنج في الديار المصرية وذلك أنهم جعلوا شاور شحنة لهم وتحكموا في اموالها ومساكنها وجاء إليها أصحابهم من كل فج وناصية صحبة ملك عسقلان "الإفرنجي" في جحافل هائلة وأخذوا بلبيس وقتلوا من أهلها خلقا وأسروا آخرين و جعلوها معقلا لهم ثم ساروا فنزلوا على القاهرة فأمر الوزير شاور الناس أن يحرقوا مصر ( اسم المدينة القديمة السابقة للقاهرة)، و أن ينتقل الناس منها إلى القاهرة فنهبت البلد وبقيت النار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما. فعند ذلك أرسل الخليفة الفاطمي العاضد يستغيث بنور الدين زنكي وبعث له بشعور نسائه بقول أدركني واستنقذ نسائي من أيدي الافرنج والتزم لك بثلث خراج مصر على ان يكون شيركو مقيما بها عندهم، والتزم له بإقطاعات زائدة على الثلث) نسجل هنا أن المشنعين على صلاح الدين تكلموا طويلا عن كون الإقطاع الذي كان يستقطعه العباسيون لحلفائهم حراما ولكنهم يسكتون عن الإقطاع الفاطمي لحلفائهم.
5-وافق نور الدين زنكي على طلب العاضد وأمر بتجهيز الجيوش لطرد الفرنجة من مصر وقد استشعر شاور وصول المسلمين فأرسل إلى أحد ملوك الصليبيين في الساحل الشامي يقول له ( قد عرفت محبتي لكم ولكن العاضد والمسلمين لا يوافقونني على تسليم البلد ) فصالحهم ليرجعوا عن البلد بألف ألف دينار - كما كانوا يقولون عن المليون - فانشمر الصليبيون خوفا من جيوش نور الدين. بدأ شاور يبتز ويضطهد المصريين ليجمع منهم أموال صفقته مع الصليبيين وضاقت الحال على الناس فاستدعى نور الدين جيش شيركو من حمص الى حلب وبدأ تجميع جيوش قوية وكبيرة لحسم موضوع مصر.
6-وصلت جيوش الشام الى مصر، وكان الصليبيون قد انسحبوا منها بعد صفقتهم مع شاور، فدخلت القوات مصر دون مقاومة واستقبل الخليفة العاضد شيركو وخلع عليه ( ألبسه ألبسة رسمية دلالة على تسليمه صلاحيات الوزارة ) وبدأ الاثنان العاضد وشيركو بالتخطيط للقضاء على الخائن شاور السعدي.
7-نفذت الخطة على يد صلاح الدين الذي قتل الخائن شاور وخرجت جماهير القاهرة فنهبت داره بعد مقتله. وقد استوزر العاضد رسميا أسد الدين شيركو ولكن هذا الأخير توفي بعد شهرين من استيزاره، فاستوزر العاضد ابن أخيه يوسف صلاح الدين بموافقة نور الدين الزنكي وسوف يبتزه لاحقا بهذا السبب .
8-أبقى صلاح الدين على الخلافة الفاطمية وعلى الخطبة والدعاء للخليفة الفاطمي العاضد رغم الضغط الذي سلطه عليه نور الدين ليدفعه لإلغائها، ولكن صلاح الدين اكتفى بإزالة معالم التشيع الإسماعيلي عنها، وهو الأمر الذي قام به البويهيون الشيعة الزيديون في بغداد العباسية مع رموز الخلافة العباسية كما تقدم معنا، وبلغ درجة إزالة لقب "أمير المؤمنين" من العملة الرسمية و إدخال اسم أميرهم معه في خطبة الجمعة ولكنهم لم يجرأوا على إلغاء الخلافة تماما، خوفا من رد فعل العراقيين. وكانت مصر في عهد العاضد قد بلغت درجة من الضعف الشديد، و كان الناس في ضيق يعانون المجاعة الفعلية وأزمة اقتصادية وحياتية شديدة وكان العاضد مريضا جدا وربما سهلت هذه الظروف عملية إنهاء الخلافة الفاطمية أو انها لم تثر رد فعل شعبي قوي عليها في القاهرة والمدن القريبة منها.
9-اشتد ضغط نور الدين على صلاح الدين، وذهب أحد المؤرخين إلى أن ( جفوة حدثت بين صلاح الدين ونور الدين بعد استلام صلاح الدين الحكم في مصر. بدأت هذه الجفوة عندما تأخر صلاح الدين في الخطبة للخليفة العباسي في بغداد. حتى هدده نور الدين بالمسير إليه) وستتسع الجفوة ومعها الفجوة السياسية والنفسية بين صلاح الدين ونور الدين لاحقا، حتى أوشكا على الصدام المسلح و نسرد تفاصيل ذلك قريبا. وهنا اضطر صلاح الدين إلى اتخاذ قراره بوقف الخطبة للخليفة الفاطمي المريض وألغيت الخلافة الفاطمية.
وبعد فترة قصيرة من ذلك، توفي العاضد وهو ما يزال شاباً في الحادية والعشرين من العمر، وكان قد استخلف صبياً وله تسعة أعوام فقط كما أسلفنا، فندم صلاح الدين ندما شديدا لأنه ألغى الخلافة الفاطمية في حياة العاضد لم ينتظر وفاته. نعود فنقرأ ما اقتبسه العلوي عن ابن كثير ( وكان العاضد قد مرض واقترب من نهايته فماطل صلاح الدين في قطع الخطبة له حتى لا يؤذي مشاعره، ثم لم يجد مفرا من الانصياع لأمر قائده وأميره نور الدين فقطعها قبل وفاته "و كان صلاح الدين يتندم على إقامة الخطبة لبني العباس بمصر قبل وفاة العاضد، وهلا صبر بها إلى بعد وفاته؟ ولكن ذلك كان قدرا مقدورا/ ابن كثير" . ولما مات العاضد حزن عليه صلاح الدين وشهد جنازته بنفسه وكان يتلقى التعازي شخصيا في عزاء أقامه هو وبكى عليه في أثنائها بحرقة المفجوع. وانتظر انصرام أسبوع الحداد فأصدر أمره الرسمي بإقامة الخطبة لبني العباس بشكل دائم وأفرد لأسرة العاضد قصرا يعيشون فيه بدل قصر الخلافة وخصص لهم اموالا تكفيهم وتعوضهم عما فقدوه من امتيازات بزوال دولتهم/ ص 229 شخصيات غير قلقة / العلوي ). في الجزء القادم من هذه الدراسة سنتابع الأحداث كما يرويها ابن شداد - كاتب صلاح الدين الخاص ومؤرخ سيرته - وعن المؤرخ أبي شامة المقدسي. يتبع في الجزء القادم.