ج8: كاتب صلاح الدين ابن شداد و المؤرخ أبو شامة المقدسي يرويان نهاية الدولة الفاطمية

Submitted on Fri, 06/30/2017 - 09:35

(صلاح الدين الأيوبي بين الهجاء الطائفي والتقييم الموضوعي).
10- وهذه رواية أخرى حول حدث إنهاء الخلافة الفاطمية ينقلها الكاتب محمد الشنقيطي عن ابن شداد - كاتب صلاح الدين الخاص ومؤرخ سيرته - وعن المؤرخ أبي شامة المقدسي نلخصها في الآتي :
-يروي ابن شداد أن نور الدين زنكي لما أرسل إلى صلاح الدين من الشام يأمره بالدعاء لخلفاء بني العباس على المنابر، وهي الإشارة الرمزية إلى البيعة لهم والتخلص من منافسيهم الفاطميين، "راجعه صلاح الدين في ذلك خوف الفتنة".
-و زاد المؤرخ أبو شامة المقدسي الأمر توضيحاً بالقول: (فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم عن الإجابة إلى ذلك، لميلهم إلى العلويين - يقصد الفاطميين-). فصلاح الدين كان حريصاً على توحيد الكلمة بترفق وتلطف، ودون استعجال أو قفز على الوقائع الاجتماعية والثقافية المتراكمة على مر الزمان. ونقع هنا على إشارة ثانية وقوية تفند المقولة السائدة والتي مفادها أن الدولة الفاطمية لم تخترق المجتمع المصري فظلت غريبة عنه ومعزولة طائفيا وتؤكد أن المصريين كانوا يميلون إلى الفاطميين بعبارة المقدسي وهو مسلم سني شافعي المذهب.
-وبعد إصرار نور الدين على أن ينفذ صلاح الدين أمره، انتظر صلاح الدين حتى مرض الخليفة الفاطمي العاضد، فأقعده المرض عن حضور الصلوات وتسيير الشأن العام، فبدأ صلاح الدين في التنفيذ، ولو أراد تنفيذ الأمر في صحة الخليفة الفاطمي وقوته لفتح الباب أمام اقتتال داخلي بين المسلمين في مصر. ثم لما مات العاضد - بُعيد ذلك بمدة وجيزة - ندم صلاح الدين على استعجاله في تحويل الخطبة، وعدم التروي أكثر في الأمر. قال المؤرخ أبو شامة المقدسي: (وأما ندمُ صلاح الدين، فبلغني أنه كان على استعجال بقطع خطبته وهو مريض، وقال: لو علمت أنه يموت من هذا المرض ما قطعتها إلى أن يموت). وقبل أن يموت العاضد لم يجد أكثر رحمة وثقة من صلاح الدين ليستودعه أبناءه ويوصيه بإكرامهم، رغم بعد الشقة المذهبية بين الطرفين. ونفهم من كلام المقدسي هنا أن العاضد المحتضر أوصى صلاح الدين بذريته وأسرته حتى بعد أن قطع صلاح الدين الخطبة له فأي دلالة يمكننا الخروج بها من ذلك؟!
-يذكر أبو شامة أن أبا الفتوح بن الخليفة الفاطمي العاضد أخبره ( أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال: وأحضرَنا، يعني أولاده وهم جماعة صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا، رحمه الله). وبناء على وصية العاضد هذه ( نقل صلاح الدين أهل العاضد إلى موضع من القصر ووكل بهم من يحفظهم)، كما يروي ابن شداد.(ولما مات الحاكم الفاطمي لم يظهر صلاح الدين شماتة ولا غبطة برحيل عدوه المذهبي، بل جلس السلطان للعزاء، وأغرب في الحزن والبكاء، وبلغ الغاية في إجمال أمره، والتوديع له إلى قبره)، كما يقول ابن شداد.
-أما المؤرخ البريطاني ستيفن رنيسمان فيذكر في موسوعته "تاريخ الحروب الصليبية/ ج2 صفحة 445. الآتي ( أرسل نور الدين إلى صلاح الدين طالبا إياه بإيقاف الدعاء للخليفة الفاطمي، والدعاء بدلاً عن ذلك للخليفة العباسي في مساجد مصر. ولم يرغب صلاح الدين من الامتثال لهذا الأمر خوفا من النفوذ الشيعي في مصر. وأخذ يراوغ في تأخير الأمر. إلا أن نور الدين هدد صلاح الدين بالحضور شخصيا إلى القاهرة. فاتخذ صلاح الدين الإجراءات الشرطية اللازمة، لكن لم يتجرأ أحد على القيام بذلك. إلى أن جاء شيخ سني من الموصل زائرا - ذكر ابن كثير أن هذا الرجل عجمي وانه التقاه شخصيا من قبل في الموصل ع ل- وقام في الجامع الكبير وخطب للخليفة العباسي المستضيء بأمر الله في أول جمعة من سنة 567 هـ / سبتمبر 1171م. لتحذو القاهرة كلها حذوه.) يتبع في الجزء القادم حيث نناقش اتهام صلاح الدين بارتكاب مجازر كبرى بحق الفاطميين وإعدامه للسهروردي واليمني. شكرا لكم على متابعتكم وصبركم وتعليقاتكم.
#صفحات_تراثية_معتم_عليها