من المنتصر؟!

من حقنا أن نفرح ونشد على أيدي القوات البطلة التي أظهرت براعة قتالية فائقة ولعلها ستكون اللبنة الأساسية لبناء مؤسسة عسكرية محترفة مبنية على أسس وطنية والحلم حق! وبذات الوقت، ونحن في ذروة النصر النسبي، ينبغي أن لا نتغافل أن هناك إمبراطورية عالمية تتعامل بهمجية تجاه منطقتنا، ومن خلال الشواهد المتوفرة على الأرض يظهر أنه لا توجد حالة استقرار سواء في العراق أو غيره.

 حروب الاستنزاف لن تتوقف وستٌقتَطَع كردستان من جغرافية العراق، وعلى ما يبدو أن سنة العراق مقبلون على الحلقة الثانية، ومن العسير على الولايات المتحدة أن تسمح لهذا البلد أن يمارس الفرح للحظات. ربما سيبقى الشيعة محاطون بغرمائهم تتطاحنهم الحروب الداخلية والضغوط الخارجية.

ومكمن الحيرة: حينما تضعف إيران أين سيولي الشيعة وجوههم؟ بصرف النظر عن هذا كله نحن نمتلك كل مقومات الخراب ولله الحمد، بداية من جماعة الخضراء الذين لا يهمهم لو احترق البلد وتحول رمادا، ونهاية بالقرار الأمريكي الذي لا يطمئن له بال إلّا وهو يشاهد الحرائق والخراب يعم في كل زاوية من زوايا هذه المنطقة المغضوب عليها.

لانشك ببراعة الأمريكان وتخطيطهم الاستراتيجي المحكم وتفتيتهم الدول باحترافية عالية، فالحرب الباردة ليست ببعيدة. لقد استطاعوا طبخ العراق على نار هادئة: حرب الثمان سنوات، حرب الخليج، الحصار المنحط، سقوط نظام البعث، واستثمار التوتر الشيعي السني المتباين في أسبابه وتوجهاته؛ في حينها كانت النخب السنية تعاني الأمرّين من فقدان امتيازاتها، وكان الشيعة في طور الطبقة المستضعفة التي استولت على الحكم، والاكراد كذلك.

 لم تدرك الأطراف الثلاثة مغزى الوحدة الوطنية، وبتعبير أكثر شفافية! أنّهم كانوا مطايا التفتيت عن علم وقصد وكل شيء بثمنه، ذلك أنّهم سَبَوا البلاد والعباد ومستقبلهم مضمون في الدول الغربية. وبهذا ضغط الأمريكان على زر الطائفية الجاهز في ثقافتنا التي تغلي وتعاني من احتقان طائفي، وزر الجماعات الإرهابية المتوحشة، فتاريخ الأمريكان واضح وجلي من هذه الناحية، وطالبان خير شاهد على توظيف الجماعات الإرهابية من قبل المخابرات الأمريكية.

على كل حال، وبهذه المقدمات استطاعوا الضغط على الزر الثالث، وهو التقسيم الذي بدأت ملامحه تلوّح في كردستان، وقد أتحفنا برزاني بأعطياته الكريمة ليقول ستكون كردستان جارة طيبة و"حبّوبة" للعراق.

ولم يبقَ سوى السنة المتأهبين للتقسيم الثاني. ولكي لا ينشغل العراقيون بوحدتهم هب الداعشيون من كل حدب وصوب لإغراق البلد بحرب طاحنة.

كل شيء جاهز الآن، وينبغي لمحبي الأمريكان أن يرفعوا لهم القبعة على هذا العمل المضني! والدقيق، فقد "خلّصونا" من صدام أولاً ومن داعش ثانياً بإمدادات لوجستية مشكورين عليها .

دائماً ما يخرج العراقيون من حروب استنزاف لا ناقة لهم فيها ولا جمل. ترى لو كان قتال العراقيين من أجل وحدتهم الوطنية ماهي النتيجة؟ لكن هيهات أن نتعارك يوما ما على وحدتنا فمن يقاتل للطائفية؟ بغداد اليوم