كيف ولماذا هزمنا امام صدام حسين؟(18)

Submitted on Wed, 01/18/2017 - 14:36

الذين يدخلون الوعي ل"مجتمع اللادولة" وفقا لموضوعة اثيرة تقول بإدخال الوعي للطبقة العاملة من خارجها ( هي موضوعة جدلية في الماركسية لان مناوئين لها يقولون بان الطبقة العاملة يجب ان تعي ذاتها بذاتها، من دون تدخل بيروقراطي من خارجها. وكان "العفيف الأخضر" المجالسي التونسي من ممثلي الاتجاه العمالوي الذاتي في الوعي والفعل، والفكرة دخلت حيز الأفكار الدينية أيضا، فالشيخ محمد مهدي شمس الدين تلقفها من العفيف الأخضر أيام كان الأخير في لبنان، وعارض بها نظرية الامام الخميني بتبنيه نظرية "ولاية الامة على نفسها"!!!!.... ياللهول).. في العراق كان من المفترض ان يكون دور الحزب واضحا ومباشرا، بظل انقسام مجتمعي تاريخي عاد وتجدد في الحاضر، بعد زوال الحكم العثماني المباشر، واقامة حكم من اهل البلاد، كتدبير اضطر له الاحتلال البريطاني، يوم تمت فبركة اطار دولة برانية، هي في الأصل استمرار لنمط من الدول التي تركب على "مجتمع اللادولة المشاعي" من خارجه، وتبقى برانية معلقة، بلاجذور مجتمعية، وكقوة تنحصر سلطتها داخل مدن محصنة وقلاع، تمارس حلب الريع الزراعي من المنتجين في الأرض، بالغزو والحملات العسكرية، تنفذها ثم تعود لداخل قلاعها. ولم يكن مشروع الدولة "الحديثة" سوى اجراء اضطراري، فرضته درجة سعة ونوعية المقاومة المجتمعية من اسفل على الحضور الاستعماري العسكري المباشرتحديدا، وباعتباره تدبيرا الهدف منه تامين افضل الشروط الضرورية لتدمير مجتمع اللادولة. الا ان حضور الغرب في العراق لم يقتصر على الوجه الأبرز، كما تمثل في الدولة الحديثة البرانية، بل تعداه الى الفرع المضاد الآخر، الايديلوجي الحديث، مع اختلاف وتعارض الأسباب والدواعي المؤدية لتبلور وحضور كل من الحالتين او التعبيرين "المستعارين"، ولم يكن المناخ الناشيء وقتها ليبخل على القوة الجديدة المتاثرة بالغرب، وبالتطورات المحتدمه مع بداية القرن العشرين بين التكتلات الدولية الكبرى، مع مالازم تلك الحقبة من حضور كاسح للافكار الايديلوجية، بجانب المتغيرات والشروط الداخلية المؤاتية عراقيا، والتي ساعدتها بقوة على إيجاد موطيء اقدام لها لم تكن هينة ابدا، اذا ماقسنا ذلك بسرعة حضورها، واتساع فعاليتها، برغم عدم توافق طبيعتها مع الثقافة والمفاهيم المجتمعية الراسخة والموروثة. ويلاحظ في السياق نفسه، كون هذه القوى لم تواجه اية إشكالات من شانها اجبارها على التفكير خارج الاستعارة والنقل النظري والعملي التنظيمي الجاهز، فالوضع في العراق كان محتقنا للغاية، ومستوى السخط والتذمر المجتمعي العارم خصوصا في عالم مجتمع اللادولة الغالب عدديا، مع افتقاره للاطر السياسية المناسبة، والمؤهلة لتمثيل التيار الشعبي المناهض للاستعمار وادواته السياسية والمجتمعية الاقطاعية، قد سهل تماما قبول الاستعارة، او "البدل عن مفقود"، ماسيكون له لاحقا، ومع تطور وسيرورة التشكل الوطني، وتصاعد اشكال وموضوعات تجليها ومقتضياتها، اثرا كبيرا على اجمالي عملية التحقق الوطني المعاصر، الى ان ينتهي بها لمصيرها الكارثي المعاش في اللحظة الحالية. حين يحلو لبعض المتتبعين لتارخ الحضور الماركسي والشيوعي في العراق النظر من زاوية او جانب التعبير الفكري، يصاب هؤلاء بخيبة امل، لانهم وقتها يقفون امام صحراء قاحلة، هذه الحصيلة أدت أحيانا لممارسات فكرية مبتذلة، تسبغ على كتاب هم نموذج الايديلوجيين الدوغمائيين صفة "المفكرين"، منهم على سبيل المثال ايديلوجي متطابق الى الحد الاقصى مع منظومة التفكير السوفيتية، هو المرحوم "عامر عبدالله" من دون اغفال طراوة أسلوبه، المتنائي عن الخشبية اللغوية لوكالة نوفوستي ذائعة الصيت، سوى ذلك يمكن ملاحظة مجهودات زكي خيري السياسوية، وغزارة عزيز الحاج السجالية الصحافية الطابع. ولسنا بصدد الغمط من محاولات هؤلاء كمتميزين بين اخرين اقصى مايحسنونه كتابة البيان والتقرير، مما حول من ذكرناهم الى محجة ومقصد عند كل اضطرار للتعبير عن موقف مهما كان، اذا استدهى شيئا من الاقتراب من حافات "النظرية"، ولايوجد بهذا الخصوص من قاعدة قياس يشار وفقها للمطلوب، حتى مع المقارنة ببعض حيوية ابدتها بعض الأحزاب العربية في لبنان ومصر، بينما الوضع العراقي اكثر غنى ولحاحا بمالايقاس لهذه الجهة، فالحزب الشيوعي العراقي كمثال، لم يسبق له طيلة تاريخه الطويل، ان جعل دراسة تجربة "القرامطة " وهي تجربة كبرى في التاريخ العراقي والعربي، مهمة يكلف بها الى حد التفرغ، جمعا من الباحثين المختصين لاجلاء جوانب مطموسة من تلك التجربة التاريخية، بما في ذلك أفكار منظريها الكبار، واما ماكتبه فيصل السامر عن " ثورة الزنج"، او حسين قاسم العزيزعن " البابكية" فقد تاتى عن ميل فردي اكاديمي، هذا ولم يذهب الحزب مثلا لتوجية شخص مثل " هادي العلوي" وجهة كهذه، يوضع بناء عليها على راس "مركز أبحاث" لاعادة قراءة التاريخ العربي الإسلامي، وليست هذه سوى ملامح عارضة حول ماهو مهمل، او مسكوت عنه على هذا الصعيد. وكما في قضية علاقة هؤلاء بموضوع السلاح ومكانته في المجتمع الذي يتصدون للتعبير عنه، تبرز هنا قضية الخاصيات التاريخية العراقية، ومدى مسؤولية الأفكار الحديثة والمعاصرة عن التعامل معها واكتشافها، ليس من قبيل الشرط المضاد للافكار الحديثة المستعارة الاوربية، بل لغرض اثراء المفاهيم الإنسانية في علوم الإجتماع والتاريخ. لكن هل ان مجموعة المتعلمين والمنخرطين منهم في الظاهرة التي ارتبط وجودها بما يسمى ب" عصر النهضة" ـ الذي هو نمط من الانتباه للثورة الغربية الاوربية الحديثة، وهي متاخرة في العراق زمنيا، ومن حيث الكم والنوع ـ كانت قادرة وقتها، او مؤهلة لان تتعامل مع العصر من موقع تأكيد الخصيات التاريخية، وهل هي تكوينيا أصلا تنتسب عضويا لنبض التشكل الوطني الحديث المبتديء من القرن السابع عشر، واذا ما اقمنا هنا التبادل الواجب المطابق للحالة، قياسا لتوصيات الماركسية اللينينية الأصل، فهل نجد ان مجموعة المتعلمين المقصودين هم جديرون بإدخال الوعي لمجتمع اللادولة من خارجه. هذا التساؤل يفترض طبعا الاستناد لما هو واقعي، لا الى ماهو افتراضي بناء على الرؤية او السردية الاستعمارية للعراق الحديث وتشكله المجتمعي، فالعراق ليس مجتمعا "طبقيا "بل هو مجتمع انقسام عمودي بين تكوينين اجتماعيين ودولتين، وموضوع صراع الطبقات فيه مضحك، حتى مع وجود عمال ونقابات عمالية، لاسباب طارئة، وغير اصيلة من حيث موقعها ودورها ضمن البنية المجتمعية، وبالأخص وعيها، ولا يغير مظهرا مستجدا كهذا، من الحقيقة الرئيسية التكوينية المجتمعية والكيانية الأساسية. فاذا تحدث هؤلاء في الطبقات والصراع الطبقي، فان مجتمع اللادولة واعضاءه لن يفهموا المقصود، وسيترجمونه لمفهومهم كما قال لي محيسن نايف يوم كنا في الاهوارفي الستينات:"انا اللي اعرفه، أبو عمامه والاقطاعي ومعاون الشرطة والوزير طبقة /"بالغين"... واحنا الباقي كلنه طبقة" وبهذا فقد وجد أبناء المشاعات وعالمها تعابير جديده مناسبة لواقع الحال، في ظل الدولة "الحديثة" ومفاهيمها الشائعة، يعيدون عن طريقها تكريس وإعادة انتاج عالمهم، ويحصنونه ضد عملية تدميره بمختلف وجوهها. وفي واقع الحال، أي في الممارسة، يتصرف كل من طرفي هذه المعادلة حسب رؤاه، أي ان الحزب له عالمه وخيالاته واسقاطاته على الواقع، والمجتمع المشاعي له رؤاه ومحفزاته وطرائق سلوكه، وتعبيره عن نفسه، وكما ان الحزب لايشبه مجتمع "اللادولة المسلح" من حيث علاقته بالسلاح، فهو يختلف عنه في اكثرمن جانب آخر، منها مبدأ "الموت تحت عصي الجلاد" او " السلمية الاجتماعية والخوش اوادمية" اللتان هما اقرب لاخلاق الأقليات الهامشية التي يحلو لها التغني بتحديها للسجون والقضبان "ضحايا" باسم الحق والعدالة والدفاع عن المظلومين. اثرت ملامح شخصية أبناء الأقليات خلال الفترة الحديثة، على موقف وسلوك النخب الحداثية المتصدية للقضايا الوطنية، ولا يعني التعرض لهذا العنصر الهام، اننا نريد الانتقاص من دور هؤلاء بناء لانتماءاتهم الفرعية بذاتها كما تذهب عادة قوى معادية للحركة الوطنية بكل تجلياتها، مع اننا نرى الى مثل هذا المظهر كحالة واقعية، ومعطى اجتماعي، يوميء لواحدة من امراض مجتمعية كان لها انعكاسها السلبي على اجمالي حركة الحداثة، ففي حين كان أبناء الأقليات اكثر انغماسا في الشأن الوطني العام، بدافع هامشية موقعهم، وانخراطهم المبكر في التعليم، وطموحهم لتحسن موقعهم الإجتماعي، الا انهم كانوا لنفس الأسباب وذات المحركات، ماخوذين باعتماد سلوك اقلوي محدودالمبادرة متسم بالتردد وشيء من الاغتراب، محجم عن النزوع للتحدي، ناهيك عن اختلاف شروط الاضطهاد الواقعة على هؤلاء ونوعها، ماجعل لهم سردية وسمات ميزت حضورهم، ليست بالحتم متطابقة مع القيم المجتمعية، من قبيل مثلا التركيز على الصمود تحت السياط والعصيي، بجانب الاحتماء بالزخم الشعبي الدافق واستعماله ضمن معادلة ليست متطابقة مع الاليات الفعلية التاريخية. ولايتوقف اثر هذا الوضع السلبي على مجرد الامتناع عن التماهي مع المثل المجتمعية وبالذات ل" مجتمع اللادولة" وتثويره، بل يصل أيضا، وفي حالات ليست عرضية، الى التصادم مع الجموح المجتمعي الثوري، وهو ماحصل خلال ثورة تموز 1958، وأيضا خلال مؤتمر الحزب الثاني عام 1956 حين اعتمد وقتها رسميا "الطريق السلمي"، صدوعا لتوجهات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الروسي، وهو مااسقطته الحركة الجماهيرية بعد بضعة اشهر اثناء انتفاضة ال 56 والانتفاضة المسلحة في مدينة الحي. ذلك عدا عن الموقف اثابت اجمالا من أي نزوع عنفي، وبالذات وتحديدا، الميل لنهج الكفاح المسلح كما حصل في الستينات بعد الانشقاق، ووضع الأسس لبدء حمل السلاح، والمباشرة بذلك بالأخص في الاهوار في جنوب العراق.ِ