"مثلي لا يركب مع مثله"!

ستيفن نبيل، وأسعد البصري "في الوسط" و غيث التميمي المعمم

صائب خليل

حكاية تحكى عن بغداد بان رجلاً آجر تاكسي لإيصاله لبيته، فاعترضته امرأة قبل ان يتحرك طالبة منه ان يوصلها في طريقه. فسأل السائق المؤجر ان كان يسمح لها ان تركب معهما، فرفض. انطلق السائق وهو منزعج من انانية الرجل، حتى اوصله. وقبل ان يغادر سأله السائق لماذا رفض مساعدة تلك المرأة، فأجاب الرجل بعد تردد: "انا قواد، وهناك الكثير ممن يعرفوني في المنطقة. وإن شاهدوا هذه المرأة معي فسوف تتلطخ سمعتها"...

الكثير من الساسة وغير الساسة العراقيين أقل حرصاً على سمعتهم، من حرص هذا القواد على سمعة تلك المرأة الغريبة عنه. إنهم، يلقون بأنفسهم على “القوادين” وهم يعرفونهم، ويعرفون ان الناس يعرفونهم!

ربما تصوروا أن "لا اخلاق في السياسة" مبدأ متطور، وأن تشويه سمعتهم بصحبة سيئي الصيت، لن يكلفهم شيئا؟ لننظر...

 

حين القى الحزب الشيوعي بنفسه تحت قيادة رجل الاستخبارات الأمريكية اياد علاوي بحجة الحصول على مقعدين في مجلس النواب، قلت لأحد أصدقائي الشيوعيين معاتبا ومحذراً: انتم لستم كالأحزاب الأخرى المتعللة بالطائفية او العشائرية أو التي نفحها الاحتلال بالملايين لتشتري ناخبيها. أنتم "سمعتكم" هي كل رأسمالكم فيجب ان تنتبهوا لها وتحموها جيدا، بدلا من هذه الخطوة الحمقاء، وإلا لن يبق معكم احد"!

كما توقعت انزلت تلك الخطوة الرعناء بالحزب ضرراً كبيراً، ودفع ثمن ذلك ثلثي مصداقيته، ونصف مؤيديه.

وحين جاءت الخطوة التالية الأشد، احتضان الحزب عميل إسرائيل العلني مثال الآلوسي رغم أنه كان قد فشل في الحصول على مقعد واحد لنفسه في الانتخابات السابقة – حينها علمت أن الموضوع اكبر من مجرد "حماقة" من اجل المقاعد، وأنه اختراق الى اعلى القيادات وأن الكوارث قادمة على هذا الحزب. وبالفعل وصل الحزب اليوم أن قيادية برلمانية تتغزل بكل صراحة بحرية السوق والاستثمار، ويقضي زوجها وقته في الدفاع عن إسرائيل بكل صراحة! 

لو كان "علاوي" أو "مثال الآلوسي" قواداً شريفا كصاحبنا، لقال لهم: لا تركبوا معي، فأنا سمعتي سيئة وستلوثكم. لكن الجماعة لم يكونوا بحاجة لتلك النصيحة، فهم يعرفون "مهنة" علاوي والآلوسي، ورغم ذلك "ركبوا".. ومازالوا "يركبون".. وترك الصادقون مع انفسهم منهم، حزبهم، الذي سقط فريسة لكل من هو مضاد لمبادئهم التي ضحوا بشهدائهم (عبثاً كما يبدو) دفاعاً عنها، فذبحت امامهم دون ضجيج.

 

قبل أسبوع كان هناك نقاش حاد ضمن دائرة أصدقاء الحشد، مفاده اقدام مجموعة "الحشد الإعلامي" على إقامة لقاء مع شخصية مثيرة للتقزز، طالما هاجمت الحشد والشيعة وكل مقدساتهم بأبشع العبارات، واسموها "الإعلامي العالمي".. انه ليس سوى اسعد البصري!

احد المدافعين المتحمسين (سأحتفظ بالأسماء لثقتي بمعدنها، رغم الخطأ)، اعتبر الهجوم افضل دفاع فبادر باتهام من اعترض بأنه "يتصيد في الماء العكر". فاعترف أن "اسعد البصري كان معاديا للحشد الشعبي و صحفي عند ماكينات اعلامية مأجورة وخبيثة" ... لكنه فجأة "استبصر الحقيقة ورأى حقيقة الحشد واضحة كالشمس".. "اذا ما الضير من استضافته في مؤسسة الحشد الإعلامي؟"

ولا يعجز هؤلاء لتبرير "الركوب مع القوادين" ان يأتوا بأمثلة من القرآن او السيرة النبوية أو من مقولات لشخصية مقدسة أو من تصرفاتها، فيقتبس احدهم من القرآن "فاصفح الصفح الجميل" ويتساءل إن لم يكن علينا "أن نتبع اخلاق القران واهل البيت في التعامل مع الأعداء".. ثم يشير الى ندم "الحر الرياحي" والتحاقه بالإمام الحسين، الذي غفر له!

 

يتناسى المدافع أن "القرآن حمال أوجه" رفض الإمام علي ذاته استخدامه كأداة محاججة. وأكثر منه حملاً للأوجه، التاريخ! ليس لأنهما خطأ، بل لأنهما تعاملا مع حالات مختلفة ولسنوات طويلة، وليس كل نص أو حدث صالح لكل حالة. وما يفعله "الراكبون" هو تقليب القرآن والتاريخ للبحث عن حالة اتخذ فيها موقف مشابه لما يريد، فيلصقها عنوة بلا تمحيص لظروفها او أسباب نزولها، ويصور من يرفضها على أنه "لا يتبع أخلاق القرآن وآل البيت"! هكذا صار استقبال واحترام احط البشر، ممثلا لـ "اخلاق ال البيت"، ورفض الحثالات "ابتعاد عن اخلاق آل البيت"!

يختتم الأخ دفاعه بعبارة "لكن البعض تعودنا على تزييفه للحقائق وتصيده بالماء العكر"!! مهاجماً شلة من اخلص المدافعين عن الحشد ولسنوات طويلة، لمجرد محاولة تبرير عملية "غسيل اخلاق" لشخص عرف بسفالته وانحطاطه وليس عدائه فقط!

اعلامي حشدي آخر كان أكثر حذراً في مهاجمة المعترضين فيسميهم "بعض الشباب الغيارى" لكنه يستعين ايضاً بقول للإمام علي، ليؤكد أن "احتواء" أمثال أسعد البصري هو أمر يُحسب للحشد لا عليه.. ويؤكد ضرورة الاستفادة من "الخبرات والتجارب".. متحدثا عن "دراسة العدو" ويصف البصري بأنه "كاتب عتيج".. "عايف مليارات الامارات وجاي يگولك آني صحيت وجاي اريد أساعد".. الخ.

وطبعا كلام الأخ غير دقيق فلا اسعد البصري "كاتب عتيج"، بل كاتب تافه، اختصاصه الشتائم البائسة، وأمثاله لا يحصلون على "المليارات" من اسيادهم بل يستخدمون كورق تواليت رخيص، وقد يكلفون بتغيير ادوارهم في اية لحظة تتطلبها الخطة.

كيف تغير أسعد؟ قيل انه خاض نقاشاً عسيراً لمدة سنتين مع احد قادة الحشد ليغير له رأيه! ولا افهم ما الذي يحتاج لسنتين لتغيير "رأي" شخص يصف زيارة الكاظم بأنهم عشرات الآلاف يأتون كل عام ليتغوطوا عند المرقد! هل تمت مناقشة "خطأ" هذا، أم أعاد ذلك الحشدي تربية مثل هذا الساقط؟

في مكان آخر يتم الحديث عن "الجانب الأمني الاستخباراتي" وكأننا حصلنا على شخصية كانت قيادية في الخندق المقابل وانها ستطلعنا على "خطط العدو" وتكشف لنا اسراره، وليس جربوع اعلامي متخصص بالشتائم!

لكن اغرب ما جاء به الأخ هو ان الهدف من هذه الاستضافة هو "مساعدة شباب سنة العراق من أصدقاء أسعد، واللي كانوا يعتبرونه مثلهم الأعلى طوال سنوات".. !!

هذه مغالطة مؤسفة حقاً، فانا مثلا لم اسمع بشباب سنة يعتبرون هذا الاخرق "مثلهم الأعلى"! وكيف يكون مثلهم الأعلى وهو المتخصص بشتم شخصيات يحترمها السنة مثلما يحترمها الشيعة؟ اكيد ان هناك بعض الشباب السنة من المتخلفين أو ذوي الاخلاق المنحطة بما يكفي لتعجب بهذا، لكن السؤال والعتب، لماذا يعتبر الأخ هؤلاء ممثلين لشباب السنة، ويهمل الشباب الذين احتقروا اسعد كما تفرض الأخلاق، والذين عانى بعضهم من مواقفهم المبدئية دفاعاً عن وحدة العراق ووحدة الإسلام، والذين سيشعرون بأنهم طعنوا في الظهر لهذا الموقف؟ لماذا قدم الحشد انتصاراً مجانياً لخصومهم؟

 

افتراض "ندم" الحثالات يحتاج الى الف برهان. والحديث عن هذه المكاسب التافهة والمشبوهة يتطلب أيضا حساب الخسائر الأكيدة والقيمة. فمنشور باهت هنا او هناك لتبرير ما جرى، لن يقنع احد من "الشباب الغيارى" الغاضبين لأن لهؤلاء أسباب قوية، وهم يتبعون عقولهم وضميرهم الذي ارشدهم لموقفهم السليم، ولا يستطيعون اليوم ان يقلبوه ليتواأموا مع تقلب مواقف الحشد غير المفهومة. لقد خسر الحشد الكثير بهذا، والدفاع المستميت عن الخطأ، ومهاجمة من يرفضه، لن يزيد الطين إلا بلة ولن يزيد الشق الا اتساعاً والخسارة عمقاً.

 

ما يثير استغرابي هو هذا الإحساس بالضعف وعدم احترام الحشد الإعلامي لقدرات من وقف معه، ونظره إلى الحثالات دون غيرهم على انهم ذوي قدرات إعلامية متفوقة الخ، تماما كما فعل قادة الأحزاب التي تخلت عن مبادئها ومخلصيها مقابل مقاعد ثم مقابل لا شيء.

طيب أنا آتيكم بتحد لكي نكون على بينة: هاتوا أقوى مقالة لأسعد البصري أو أي من الشخصيات التافهة المذكورة في هذا المقال، تعجبون بها وبتأثيرها، وانا اتعهد بكتابة رد يمزقها! فإن لم انجح، فاذهبوا اليهم كما تشاؤون، واترك الحكم لكم تماما!

أما إن كان تأثير هؤلاء من تأثير المال الذي تطبع به تلك المقالات وتعاون صفحات التواصل الاجتماعي الموالية لإسرائيل معهم، فهذا لا علاقة له بقدراتهم الإعلامية، ولن يستطيعوا تعليمكم إياه، فهم لن يمنحونكم المال أو الواسطة!

 

المكاسب والخسائر من "كسب" الحثالات".

 

الحديث عن "المكاسب" من مدح من لا تحترمه، يذكرني بحدث صغير، حين قيل للفيلسوف اليساري الكبير جومسكي أن نيويورك تايمز مدحتك واعتبرتك أكبر مثقف على قيد الحياة، ضحك وقال: نعم سمعت بذلك وتساءلت، ما هو الخطأ الذي فعلته لكي يمتدحونني!

رغم أنه يفترض بمجموعة تدعي الانتساب لمؤسسة عقائدية مثل الحشد، ان القيم والمبادئ ونظافة السمعة على الحسابات، دعونا نفكر بحساب الخسائر المكاسب إن كانت هناك مكاسب.

ما الذي يمكن ان تكسبه حين يمتدحك شخص كريه؟ حتى ما أورده أحد الأخوة عن كسب "شباب السنة"، لا صحة له اطلاقاً.  فتغير اسعد البصري الأساسي هو انقلابه من شتم الشيعة إلى شتم السنة! فكيف يتم كسب شباب السنة باحتضان شخص كان مرفوضاً حينما كان يسب الشيعة، وصارً عظيماً لأنه صار يسبهم؟ هل هذا المنطق العجيب مقبول من أي عقل؟!

 

سلسلة الانحدار لا تنتهي، فهناك من تحدث عن استضافة شخصيات لا تقل تفاهة عن اسعد البصري ان لم تزيد. وما يدل أيضا على التخبط الإعلامي والجهل بما يجري، انتشار منشور يشكر عادل عبد المهدي لأنه أتاح للحشد أن يشارك في مراسم استقبال وفد حكومة استراليا، المعروفة بصهيونيتها والتي كانت لتوها قد اعترفت بالقدس عاصمة لإسرائيل، واعتبار ذلك عملا "مشرفا" للحشد!

 

ولا يقتصر الانهيار على جماعة الحشد، فقد ظهر صبي أدرعي المعروف "الشيخ" غيث التميمي يتم استقباله كـ "محلل للشأن العراقي" فيتكلم بكلام متناه السطحية والسخف، مستعملا ضمير "نحن" وكأنه ممثل للتيار الصدري! وهناك التطبيل ليوسف زيدان المعروف بسرقة عدة روايات وبإنكاره لبيت المقدس، والعديد من غيرهم، فكأننا نمر بموجة احتضان للسفلة والتافهين!

ولعل هذا الانحدار قد تشجع بانحدار بدأ على مستوى القادة، فرأينا هادي العامري يجلس مع الخنجر ويعتذر من مزوري المفوضية ويحتفي ببرزاني ضاربا بعرض الحائط التضحيات ودماء الشهداء. وفعل الشيء ذاته وبأشد منه السيد مقتدى الصدر فاستقبل جحش صدام القديم واللص الذي سرق بغداد وكردستان وهدم القرى واحتل المدن ودعم داعش وسعى جاهدا لتقسيم العراق، كما يستقبل الفاتحين! ولم ننس زيارته غير المبررة وغير المفهومة للسعودية ومجالسة مجرميها.

انني لا اعتقد أن أي من تلك الحركات "البعيدة عن المبادئ" كانت ذات "فائدة" للسياسيين الذي اقدموا عليها، دع عنك أن تكون مفيدة للإعلاميين وتصوري أنه فخ ومؤامرة قد الحقت بقضيتهم الكثير من الضرر.

 

ما هو شكل ضرر ذلك النوع من المواقف، وما حجمه؟

 

إن استقبال اسعد البصري او غيث التميمي او ستيفن نبيل، او الانتماء الى كتلة عميل مخابرات يفخر بتاريخه الشائن أو ذيل علني لإسرائيل، تتشابه في كونها عملية "تطبيع" تكسر حاجزاً نفسياً اجتماعياً من الترفع عن الرذائل، وتضعف شعوراً بالفخر هو وراء كل التضحيات التي يقدمها الفرد لمجتمعه وقيمه العليا. فقبل القوانين، عرف المجتمع النبذ للأفراد سيئي الخلق ووضع حاجزاً منذ اقدم ازمان التاريخ يعزلهم كعقوبة لهم ولردع الباقين عن اتباع طريقهم. فاحترام اسعد البصري هو في الحقيقة دعوة لكل الآخرين أن يلجأون الى تقليده وبيع أهلهم ومبادئهم! ففي النهاية سيرحب بهم هؤلاء ويعتبرونهم "اعلاميين عالميين"! هذا "الحاجز" الذي لا يرى بالعين المجردة، خطير الأهمية على المجتمع في كل تاريخه.

 

ولإدراك قيمة ذلك الحاجز، لننظر إلى حجم التضحيات التي تقدمها إسرائيل في سبيل كسر ذلك الحاجز عن عملائها وتشجيع الآخرين على ذلك الطريق. فقبل حوالي سنتين قام سفير إسرائيلي بالاحتيال على موسيقار العود الكبير نصير شمه وصافحه دون تقديم نفسه، من اجل نشر حملة إعلامية بأن نصير مع إسرائيل! وقد انكر نصير ذلك بشدة واعلن دعمه غير المشروط لفلسطين وفضح إسرائيل وكذبها. فلماذا تلجأ إسرائيل إلى تلك الطرق المفضوحة والفاضحة لها؟ إنها تقدر ان كسر ذلك الحاجز خطير الأهمية بالنسبة لها، وهي مستعدة لتدفع الكثير من اجل ذلك. انها ترتب للبعض جوائز نوبل مقابل زيارتها، لنفس الهدف، وتضغط على اصدقائها من ساسة كردستان ليتصوروا مع ساسة إسرائيل وتضعهم في مواقف مهينة من أجل ذلك الهدف، وتحرج عملائها في الخليج من اجل تلك الصور املا بكسر ذلك الحاجز النفسي. بل ان التضحية بسمعة مثال الآلوسي بكشف زيارته، لم تكن الا تضحية بأحد عملائها من أجل "تطبيع" ذلك التعامل، وما التعامل مع الآلوسي إلا خدمة كبيرة لذلك الهدف الإسرائيلي، وكذلك هو الحال في استقبال عبد المهدي لنادية مراد ومنحها الاوسمة بدلا من محاسبتها وفق القانون العراقي على زيارتها لإسرائيل، وتكلم صبي ادرعي باسم سائرون لا يختلف كثيراً عن هذا.

 

إن كسر الحاجز للعبور إلى جانب الحثالات بكل انواعهم، أكبر قيمة بكثير من اية "اسرار" إعلامية يمكن ان يكشفها توافههم في العراق او غيره. وفي تقديري ان ما يجري هو اختراق كلف به هؤلاء ويستهدف ذات الهدف: تحطيم الحاجز الأخلاقي في المجتمع! وانهم تظاهروا بـ "التوبة" بعد ان لمسوا سذاجة المقابل واستعداده للتفاعل معهم.

 

لقد حقق هؤلاء مكاسب واضحة وحقق الحشد الإعلامي والكتل السياسية التي تحدثنا عنها هزائم كبيرة مقابلها. ولفريق الحشد الإعلامي أقول، إن كنتم مصرين على هذا الطريق، انكم لا تستطيعون الاحتفاظ بحماس أمثالنا لكم من جهة و "كسب" هذه الشخصيات التي نحتقرها ونشمئز منها من الجهة الأخرى. فمن يريد اسعد البصري أو غيث التميمي أو مثال الآلوسي يجب ان يحسب انه سيخسرنا نحن الذين نرى كل منهم لطخة عار على سمعة من معه، ولسان حال كل منا يقول: "مثلي لا يركب مع مثله!"