مايكل نايتس باحث أم نصّاب؟ جرد بخسائر العراق إذا طرد القوات الأجنبية!

علاء اللامي

تصلح مقالة الباحث الأميركي في معهد واشنطن مايكل نايتس المعنونة "الانخراط الدولي في العراق مرتبط بالوجود العسكري في البلاد" لتكون مقطعا عرضيا نموذجيا لتشريح فن النفاق والإرهاب الفكري الذي يمارسه الباحثون المشتغلون في معاهد وجامعات الغرب وأميركا ضد شعوب العالم! هذا الباحث المُعَرَّفُ عنه (بالزميل الأقدم في معهد واشنطن والباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج) حاول جاهدا ان يجعل إخراج القوات الأميركية والأجنبية مقاربا في نتائجه لحدوث سلسلة زلازل رهيبة، حتى أن بعض المواقع العراقية المشبوهة كموقع " شفق نيوز " نشرت فقرات من المقالة بعنوان (خسائر "فادحة" تنتظر العراق بإخراج القوات الامريكية)

وبعد ان تنتهي من قراءة مقالة نايتس لا تجد أية خسائر محتملة ملموسة ومباشرة أو حتى غير مباشرة سوى عبارة فضفاضة يلوكها الكاتب باستمرار وهي أن العراق سيخسر الدعم الدولي غير المسبوق التي حشدته له واشنطن خلال حربه ضد داعش.

ولكشف تفاهات وتناقضات هذا "المقطع العرضي" من التفكير العدواني لأغلب الباحثين المشتغلين في مؤسسات ومعاهد الولايات المتحدة سأحاول هنا أن أقتبس بعض الفقرات التي كتبها نايتس وأعلق عليها:

*الفقرة 1 :(من المحتمل جدّاً أن يناقش مجلس النواب العراقي قريباً مشروع قانون يتعلق بتنظيم القوات العسكرية الأجنبية في العراق. وهذا شأنٌ عراقي، يندرج تماماً ضمن الحقوق السيادية للبلاد... والأمر الذي هو ذو أهمية قصوى أن العراق يفهم بوضوح ما هي الآثار التي يمكن أن تترتب عن أقواله وأفعاله على التحالف، وما هي المنافع غير العسكرية التي قد يخسرها العراق، إلى جانب انهيار شراكاته العسكرية).

*التعليق1: واضح جدا أن نايتس يستعمل تكتيك العصا والجزرة ببلادة، فهو يعتبر مناقشة موضوع القوات الأجنبية من قبل البرلمان العراقي شأن سيادي عراقي، ويدعو الى احترامه، ولكنه - أيضا وفي الوقت نفسه- يدعو إلى إفهام العراق (وكأن العراق أصيب فجأة بحالة "عصلجة دماغية" فما عاد يريد أن يفهم شيئا)، إفهام العراق ما سوف يترتب على قراره السيادي. وهذا إرهاب محض وتهديد سخيف بل هو يتجاوز التهديد إلى إهانة العراق كشعب وكدولة - منقوصة السيادة أصلاً- حين يقول مثلا (لم يتمتع العراق أبداً على مر التاريخ بمستويات الانتباه والدعم الدولييْن اللذين يحظى بهما منذ اجتياح تنظيم «الدولة الإسلامية» لبعض أراضي البلاد في حزيران/يونيو 2014) ثم يخلص مستنتجا بعنصرية فجة فيقول (من كان يهمّه العراق، قبل عام 2014 وبعده؟)

* الفقرة 2 (أمّن العراق ترتيباً احتياطيّاً قيمته 5.38 مليار دولار من "صندوق النقد الدولي" وتم التعهد بمبلغ 30 مليار دولار في "مؤتمر إعادة إعمار العراق" الذي نظّمه أعضاء التحالف في الكويت في شباط/فبراير 2018).

*التعليق 2: يلمح نايتس أن هذه المبالغ ستكون من ضمن خسائر العراق إذا قرر إخراج القوات الأجنبية من أراضيه. والكذبة هنا شنيعة وبائسة، فمبلغ الخمسة مليارات دولار سجلت كديون لصندوق النقد الدولي، والعراق ملزم بتسديدها سواء بقيت القوات الأميركية أو انسحبت. أما مبلغ 30 مليار دولار من مؤتمر الكويت فهو مجرد أرقام افتراضية وتعهدات لم يستلم العراق منها أكثر من 5% من مجمل المبلغ كما قال خبراء عراقيون وأجانب!

 * الفقرة 3 (بالنسبة إلى قادة الغرب، تشكّل زيارة العراق (مثل الزيارة الأخيرة لملك إسبانيا) استثماراً كبيراً للوقت والجهد والنفقات والتخطيط الأمني. لذلك، تدل هذه الزيارات على الالتزام بمستقبل العراق. ويُظهر الرسم البياني أدناه الاتجاه الرئيسي، وهو الارتباط القوي بين الاهتمام الدولي بالعراق وعلاقته بتواجد "قوة المهام المشتركة")

*التعليق 3: خسارة العراق بتوقف زيارات قادة أوروبا ومنهم ملك دستوري لا يحل ولا يربط، لن تؤثر على العراق أكثر من تأثير زخات أمطار موسمية في منخفض جوي قد يدوم ليومين! ولكن المهم في الأمر بالنسبة للسيد نايتس هو استمرار وجود "قوة المهام الخاصة" التي جاءت للعراقيين بالنصر على داعش كما يريد أن يفهمنا. فماذا بخصوص هذه القوة ؟

*الفقرة 4 ("قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب" هي الشريك العسكري الأساسي للعراق في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وهي قوة مهام عسكرية بقيادة الولايات المتحدة تشمل ستة عشر بلداً ...فلم يأبه تقريباً أيٌّ من الشركاء الحاليين في "قوة المهام المشتركة" بالعراق على الإطلاق في الفترة بين 2003 و2011، عندما واجهت البلاد محنةً رهيبةً مماثلة. وما أدّى إلى هذا التزايد الهائل في الالتزام العالمي هو الانتشار الفعلي على أرض العراق للقوات العسكرية التابعة لمجموعةٍ من الدول الأوروبية ودول "الناتو" بموجب "قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب".)

*التعليق 4 : ماذا يريد نايتس أن يقول هنا؟ هل يريد القول، إن من واجب العراق أن يبقى على هذه القوات ولا يطالب بسحبها بعد أن تحقق الهدف من وجودها لئلا يخسر جزءا من قوته الدفاعية؟ وإذا كان نايتس يعترف بأن اهتمام الدول الغربية في هذا التحالف كان بسبب وجود قواتها على الأرض العراقية وليس لأية أهداف إنسانية - معاذ الله والديموقراطية الغربية - فلماذا لا يريد نايتس ومن معه ان تُحَلُ المشكلة فتسحب هذه الدول قواتها فترتاح وتريح؟

*الفقرة 5 (العراق بحاجة إلى الدعم المستمر من "قوة المهام المشتركة". أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014، بوجود كادر قيادي غير مسيّس. ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة للتخلص من التمرد الجديد لـ تنظيم «الدولة الإسلامية» في نينوى وكركوك وديالى)

*التعليق 5 : عن أي تمرد جديد يتحدث نايتس؟ أيقصد العمليات المتفرقة التي تنسب الى فلول داعش وخلاياها النائمة والتي ليس من المستبعد أن مَن يقومون بها يتلقون الأوامر من القيادة العسكرية والاستخباراتية الأميركية؟ أم عن تمرد داعشي جديد يعرف هو والراسخون معه في العلم تفاصيله؟ في جميع الأحوال، فإنَّ  كلام نايتس  المتناقض هنا يكشف كل شيء: فهو من جهة يسجل (أصبح الجيش العراقي الآن أفضل بكثير مما كان عليه عند سقوط الموصل، بوجود كادر قيادي غير مسيّس)، ولكنه يستدرك ناسفا هذا التقييم بقوله ( ومع ذلك، تبقى القوات العسكرية العراقية و«قوات الحشد الشعبي» غير مهيأة بشكلٍ مؤسف وتفتقر إلى الموارد البشرية والتدريبات والمعدات المناسبة)!

فهل يعاني العراق من مشكلة في الموارد البشرية؟ قطعا لا، فالمجتمع العراقي مجيَّش ومسلح –عشائريا ومليشياويا -  بشكل شديد الخطورة ويفوق التصور. أم أنَّ هناك نقصا في التدريبات والمعدات وهذه يمكن معالجتها كما تعالجها جميع الدول من روسيا الى جزر القمر بشراء المعدات واستقدام مدربين من دول كثيرة أخرى غير تلك الدول ذات الماضي العبودي والاستعماري والحاضر المضمخ بدماء الشعوب!

هل هذا الشخص باحث وخبير فعلا أم هو نصاب وخبير في فن الإرهاب والتلفيق الفكري؟

رابط النص الكامل لمقالة مايكل نايتس :

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/international-engagement-in-iraq-is-tied-to-military-presence

*كاتب عراقي