بيان السيد مقتدى ليس رداً على الضربة الأمريكية بل امتداد لها

صائب خليل

في هذه الأجواء المفعمة بالغضب الشعبي من الضربة الأمريكية وعدم وجود رد حتى شكلي من حكومة الخاضع عبد المهدي (او عبد الهادي)، ضجت وسائل الاعلام بعنوان ناري: "الصدر يطالب بغلق السفارة الأمريكية في العراق ويحذر من استهدافها"!(1) وضجت وسائل التواصل الاجتماعي بترديد صدى القنبلة بحماس شديد ودهشة. كذلك قام وزير الخارجية البحريني بإطلاق اكثر من تويتر يهاجم به الصدر بقسوة، وخلال ساعات من صدور البيان وكأنه كان ينتظره على تويتر!
تتوقع أن شيئا ما قد حدث، وأن التيار الصدري ربما عاد فعالا بعد ثمان سنوات من السبات. لكننا حين نقرأ البيان نصاب بصدمة! البيان قبل كل شيء ليس له أية علاقة بالضربة الأمريكية ولا يأتي على ذكرها أبداً! ما هو سبب هذه الهبة إذن بعد طول رضوخ شامل للأحداث بلا رد فعل؟ 
.
نقلب على عجل، الكلمات التي ملأت صفحتين كاملتين، باحثين عن النص الخاص بالمطالبة بإغلاق السفارة، فنجدها في "خامساً"، ولكن بالشكل التالي: "غلق السفارة الأمريكية في العراق في حال زج العراق في هذا الصراع"! أي صراع؟ هل نسمي قصف الشرطة بالصراع؟ وزج من، وهم يقصفوننا؟ تقرأ فتدرك عندئذ أن هناك لعبة وأن هذا البيان قد لا يكون الا قنبلة صوتية كما خلت من قبله بيانات القنابل الصوتية منذ نهاية العقد الماضي!
دعونا نقرأ بقية البيان ونحلله بهدوء وننقي منه ما يحتوي مادة وما كان حشواً. من البيان لفتت نظري النقاط التالية (ويمكن القارئ قراءة البيان كله من الرابط المرفق). 
.
بدءأً، يؤكد السيد مقتدى في النقطة الثانية على موقفه القديم من السعودية، والذي افترضنا انه يجب ان يكون قد تراجع عنه بعد الجرائم المتتالية للسعودية في اليمن وفي قنصليتها، وخاصة بعد الإعدامات الأخيرة التي لم تجف دماء ضحاياها بعد. ونقصد به موقفه حين قال: "السعودية اب الجميع ويسعى الى السلام"، والذي نتذكره بألم عند كل اعتداء سعودي على أطفال اليمن او صيادي السمك فيها او إعدامات تقوم بها. لكن السيد مقتدى لم يشر إلى أي من هذه الأمور بل تحدث عن "السعودية التي تريد تقاربا مع الدولة العراقية"! وحتى حين نلاحظ مقارنة السعودية بإيران تحيزاً للأولى. فمقتدى يتحدث في الخاتمة عن "توقيع اتفاقية بين العراق وايران على احترام السيادة لكل من الطرفين" وكأن بين الطرفين حالة حرب او اعتداءات وخلاف على الحدود. أما حين يضيف السعودية ضمن المقترح فهو "لإضفاء أجواء السلام"! لا تغيير اذن في موقف مقتدى من السعودية رغم كل الجرائم! 
.
في البند الرابع يريد السيد مقتدى تشكيل حماية للحدود من "الجيش والشرطة حصراً"!! وماذا يفعل الجيش المهول الذي نملكه حاليا إذن؟ ولماذا هذه الـ "حصراً"؟ لا افهم منها الا استبعاد الحشد الشعبي وابعاده عن الحدود! ونزداد دهشة حين نتذكر ان الحشد يخوض صراعاً مع القوات الأمريكية حول التواجد على الحدود وقد حدثت حالات توتر عديدة خلال الأشهر الأخيرة، وقبل ضربة كركوك الامريكية. 
.
البند السادس اعجب البنود طراً، يتخذ فيه السيد مقتدى سلطة لا تملكها لا الأمم المتحدة ولا مجلس الأمن ولا اكبر قوة عظمى في العالم، فيطالب بوقف الحرب في ثلاث دول فوراً وتبديل حكوماتها فوراً ايضاً!! من هذه الدول اثنتان، تسعى أميركا وإسرائيل والسعودية بكل حماس لاستبدال حكامها منذ سنين دون جدوى، فسوريا واليمن تصمدان بوجههم، فلماذا يطالب السيد مقتدى بتحقيق ما يسعى اليه هذه الخندق الشرير "فوراً"؟ ولماذا أضيفت البحرين وليس فيها أي حرب، الا اللهم ما تشارك به من العدوان السعودي على اليمن؟ إنني لا أرى سبباً إلا لذر الرماد في العيون لكي يبدو البيان "متوازنا" فلا يظهر مطالباً بإزالة الحكومتين التي تسعى اميركا لإزالتهما بكل السبل، بكل ادواتها الخليجية. أما "وقف الحرب" فأميركا والسعودية اعلنتا مرارا وتكرارا انهما مستعدتان لوقف الحرب في اللحظة التي يتم فيها تبديل الحكومات، أي ان موقف السيد مقتدى، إن استبعدنا البحرين المضافة بشكل مفتعل، لا يختلف شعرة عن الموقف الأمريكي السعودي من هذه القضية! 
.
البند السابع هو مطلب امريكي سعودي أيضاً، فهو يطالب نصاً بـ "انسحاب الفصائل العراقية المنتمية للحشد الشعبي وغيرهم من سوريا ورجوعهم إلى العراق فوراً وبلا تأخير"!!! اليس هو ذات المطلب الذي يحرص عليه كل سفير امريكي وسعودي وكل ممثل للأمم المتحدة في العراق وهم جميعا يتم انتخابهم من بين أصدقاء إسرائيل كما تدل صحائفهم الشخصية؟ 
يكمل البند السابع حديثه عن الحشد، فيقول "... فوجودهم يعني زج العراق بأتون الصراع أعلاه"! 
إذن فالحشد هو من سيزج العراق "بأتون الصراع" ولن يكون ذنب السفارة الأمريكية، ولن نحتاج إلى إغلاقها ابداً! 
.
نلاحظ أن كل المطالب المحددة والممكنة في البيان، هي مطالب الخندق الأمريكي ومشاريعه الخطيرة في المنطقة، وأن بقية الكلمات عن "الجار الإيراني اللطيف" واضافة "البحرين" مجرد حشو لإعطاء انطباع بالحيادية، بل أحيانا لإعطاء انطباع بالتحيز للخندق الإيراني أمام الخندق الأمريكي الإسرائيلي. حشو البحرين بهذا الشكل، طريقة إعلامية ناجحة بامتياز للتشويش على الموقف، استخدمت في مناسبات عديدة سابقة. فتظاهرت أميركا بمعاداة السيسي، ومطالبته باحترام حقوق الإنسان، ودفع الاعلام بعادل عبد المهدي إعلامياً إلى أحضان إيران وملاحقة الأمير محمد بن سلمان وغيرها من المحاولات السابقة. 
لكننا لو راجعنا مواقف السيسي، فلا يمكن ان نجد أي سياسي يمكن يخدم اهداف اميركا وإسرائيل بمثالية مطلقة كما يفعل السيسي، حتى في إهانته المتعمدة للشعب المصري وتنفيذ كل ما تطلبه إسرائيل عسكريا واقتصاديا واجتماعيا. وينطبق الأمر ذاته على عبد المهدي – الهادي بالنسبة للعراق، ضمن الظروف الممكنة، وكذلك محمد بن سلمان. 
فإن اردنا ان نصدق ان أميركا يمكن ان تحارب هؤلاء من اجل حقوق الانسان فهذا شأن من يصدق ذلك، وإلا فلا يوجد أي سبب او حجة لتصديق وجود تلك العداوة الخرافية.

أما ما نصدقه نحن فهو ان تلك العداوة تخدم طرفيها، وخاصة الأمريكي. فالسمعة السيئة لأميركا في العالم العربي، تجعل من المفيد لأي حاكم عربي ان يصبغ بصبغة العداء لأميركا. أما اميركا نفسها فستتمتع بسمعة كاذبة بأنها تقف مع حقوق الإنسان حتى ضد مصالحها، إضافة إلى انها لن تتحمل الكراهية التي ستجلبها اعمال عملائها على أية جهة ترتبط بهم في ذهن المواطن. لذلك كان القاء عبد المهدي على ايران ذو فائدة مضاعفة، رغم تنفيذه الحرفي للتدمير الأمريكي الخطط للعراق وخدمة ذيول إسرائيل في العراق (حكام كردستان أولا) والمنطقة (الأردن ومصر). ولا بأس من القاء بعض العظم لإيران بشكل بعض الفوائد الاقتصادية والاتفاقات، لتكون الصورة اكثر قابلية للتصديق.
وعلى هذا الضوء يمكننا تفسير حشر البحرين من قبل السيد مقتدى، رغم انه لا توجد فيها اية حرب، ولا مبرر لإدراج مطالبته بتغيير حكامها، حتى لو اعتبرنا الحرب مبرراً لمطالبته بتغيير حكومتي اليمن وسوريا. وسرعة رد الفعل البحريني على البيان مؤشر إضافي إلى هذه المسرحية. 
.
نعود إلى البند الخامس الخاص بغلق السفارة، ووضع شروط مبهمة لذلك، فيبدو أن الغرض منه تشتيت الانتباه إن النقاط السلبية المحتوى في البيان، إضافة إلى دور هذا البند الإعلامي بتقديم العنوان المناسب للأخبار ليبدو البيان ثورياً بعكس مضمونه الحقيقي، ولكي يتخلص السيد مقتدى من الاتهامات الكثيرة بعدم الجدية في الوقوف ضد اميركا، خاصة بعد التحدي الأمريكي بالجلوس تحت صوره وصور عائلته، وإعلان رئيس الحكومة الذي تباهي يوماً بترشيحه من "المستقلين" انه لا يعتبر القوات الأجنبية لها علاقة بالسيادة، وبعد اختفائه فور إعلان التحالف الحكومي النية بتقديم مشروع قانون نيابي يطلب اخراج القوات الأمريكية، وأخيراً الاحراج الذي سببه تجدد الاعتداء الأمريكي على القوات العراقية مؤخراً، وتساؤل الناس عن رد الفعل، حتى داخل التيار نفسه! 
.
لماذا البيانات المستحيلة التحقيق بإغلاق السفارة كلها مرة واحدة، ثم وضع شروط مائعة لا يمكن اثباتها لتنفيذ ذلك. لماذا لا يطلب الصدر بدلا من ذلك، ومثل الآخرين، بطلب معقول وممكن وضروري لتنجب كل الويلات المتوقعة، أي سحب الجيش الأمريكي لننتهي من هذه المشكلة؟ لماذا التهرب من الممكن إلى ما هو تعجيزي وغامض الشروط؟ السيد مقتدى يتجنب ذلك، بل يلمح إلى استحالته بسبب حاجة العراق الى كل من إيران وأميركا. فالعراق لا يستطيع ان يستغني، برأي السيد مقتدى، عن الغاز الإيراني من جهة، وأرصدة العراق والعقوبات "الرعناء" من الجهة الأخرى. ولذلك "صار العراق خاضعاً ذليلاً بين المتصارعين"! (انظر مقدمة البيان). 
ولنلاحظ هنا أولا أن السيد مقتدى يضع ايران وأميركا على قدر المساواة في إخضاع وإذلال الشعب العراقي كما يقول، وهذا تجني ما بعده تجني بين دولة دعمت العراق في حرب داعش وبين أخرى خلقت داعش ودعمته. بين دولة سلحت الحشد وأخرى قصفته مراراً. بين دولة ليس لها جيش في العراق وأخرى تحتله بشكل صريح حتى كما يرى السيد مقتدى نفسه. 
بماذا تسيطر ايران على العراق؟ بالغاز؟ اللعنة على الغاز! الف من يبيعك غازاً، فتخلص من هذا الإذلال! 
وماذا عن أميركا؟ الأرصدة والعقوبات؟ أين كانت الأرصدة والعقوبات حين قرر التيار قبل عشر سنين طرد المحتلين، ولماذا لم يكن يخاف عليها او منها؟ لا نفهم كيف يتخذ السيد مقتدى هذا الخطاب الضعيف. فإن كانت الحجج هي "التعقل" و "الواقعية" وهي الحجج المستعملة هنا عادة، فأين ذلك "التعقل" و "الواقعية" في المطالبة بوقف فوري للحرب في ثلاث دول ومطالبتها بتبديل حكامها فوراً؟ 
.
إنه خطاب غير صدري على الإطلاق، بل هو النقيض التام لما كنا نعرفه عن خطاب التيار الصدري حتى عام 2009، وكان خصومه هم من يردد هذه الحجج لمنع طرد القوات المحتلة! إنني لا افهم من هذا إلا انه تهرب من طرد القوات الأمريكية، وما وضع إيران معها إلا لذر الرماد في العيون، وأما التحجج بالحاجة اليهما فهي ضعيفة بشكل مخجل. 
.
إنها خيبة امل كبيرة أخرى، خاصة لمن كان مازال يضع آماله في التيار الصدري أو حلفائه. فبيان السيد مقتدى الصدر ليس كما كنا نرجو وكما فهم الجميع، رداً الضربة الأمريكية التي اغضبت العراقيين بشدة من خنوع قادتهم، فلم يكن هناك اية إشارة اليها. بل ان محتواه عبارة عن مطالب أمريكية أساسية وعديدة، بشكل يثير الدهشة والعجب في وضوحها. وإن افترضنا أن الضربة الأمريكية الأخيرة في كركوك تمثل بداية مبادرة عدوانية أمريكية لحسم أمور الحدود والحشد في العراق لصالحها، وإعلان حرب على معارضي الأمريكان في العراق، فسيبدو بيان السيد مقتدى اقرب إلى ان يكون امتداداً لتلك الضربة واهدافها، وليس رداً عليها.
.
(1) الصدر يطالب بغلق السفارة الأمريكية في العراق ويحذر من استهدافها
https://baghdadtoday.news/news/82489/