الحزب الشيوعي العراقي بين احتلالين (5)

يوسف محمد طه

الحزب الشيوعي العراقي: إشكالية القادة والإرادة والأقلية1

السؤال الجوهري الذي يتبادر إلى الذهن هو هل أن هناك جدوى وإمكانية لإعادة تقييم تاريخ الحزب الشيوعي العراقي من أجل المستقبل؟ وبالتالي، هل هناك إمكانية فعلية ومستقبلية لحزب شيوعي مكافح من اجل الحقوق الطبقية للكادحين والثورة الاشتراكية والشيوعية؟ وهل الحزب الشيوعي العراقي الراهن هو حزب شيوعي بالمعنى الكلاسيكي للفكرة الشيوعية والعملية؟

لكل حزب سياسي تاريخه الخاص ومن ثم مآثره وآثاره، نجاحه وخسارته، انتصاره وهزيمته، آفاقه المفتوحة أو المنغلقة. وبالتالي لكل حزب أسبابه الخاصة في كل هذه العملية الدرامية. فما هو السبب الجوهري القائم وراء ما تعرض له الحزب من فوز وهزيمة في مسار التاريخي الفعلي.

إن السبب الأساسي في اعتقادي هو التشوه الفعلي في قيادة الحزب، الذي جعل من قوى قومية وعرقية ودينية ومذهبية أقلية التمكن من قيادته. فقد كان صعود الحزب التاريخي منذ نشوئه حتى ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958 وما بعدها مرتبط أساسا بهيمنة القوى الاجتماعية والفكرية والثقافية للجنوب والوسط العراقي، أي مصدر ومنبع ومرتع الحركة الشيوعية في العراق. وحالما جرى تغير هذه المعادلة، من خلال احتلال الأقليات في الحزب، حينذاك بدأت الهزائم. وهي ظاهرة لا علاقة لها في حالة العراق بالأكراد أو التركمان أو النصارى أو السنّة وغيرهم بهذه العملية ونتائجها، بقدر ما انها ترتبط بظاهرة هيمنة الأقلية أيا كان مصدرها ومحتواها. وهي أقرب ما تكون إلى قانون ثابت حالما نتأمل تاريخ الحركات اليسارية والشيوعية في كل مكان تعرضت فيه للهزيمة، ونجاحها في حال عدم تعرضها لهذا الخلل. بعبارة أخرى، إن إشكاليات الهزائم في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي ترتبط بوقوعه في ظل ظروف مزرية بين التعريب الوطني العراقي والتكريد العرقي. فهي الطاحونة الخفية التي طحنت قواه وكشفت عن طبيعة الخطأ التاريخي في مساره الفعلي.

لقد كانت تلك القضية ذات أهمية منذ البدايات الأولى لتأسيس الحزب. بل وما قبل ذلك عندما نضعها ضمن سياق الصيرورة التاريخية للحركة الشيوعية وشعاراتها المحلية الخاصة. فبالنسبة للعراق وضعت من قبل الكومنترن مهمة تعريب الماركسية والشيوعية. وكما ينقل لنا حنا بطاطو، فإن الكومنترن كان يوصي بتعريب الحزب الشيوعي العراقي. وبغض النظر عن أن بعض شخصياته التأسيسية الأولى من أصول اقلية مثل فهد وبعض الشخصيات اليهودية، إلا أن القوى الجارفة والعامة ما قبل فهد ومعه وبعده كانت من عرب الجنوب والوسط. وهكذا ظل الأمر حتى بداية دخول بعض الأكراد في الحزب. ومع ذلك لم تستفحل ظاهرة تكريد الحزب إلا على أيدي عزيز محمد وكريم أحمد، أي في مرحلة الهزيمة والهزائم.

إن الجذر الأعمق لإشكاليات الحزب الشيوعي، بما في ذلك العراقي، تكمن فيما وراء الظواهر التي جرى التطرق إليها. الأمر الذي يستلزم إعادة النظر بمفهوم الحزب الشيوعي نفسه، بوصفها المهمة النظرية التي يتوقف على حقيقة فهمها إدراك طبيعة المسار التاريخي للحزب الشيوعي العراقي وما تعرض له من هزائم قاتلة. 

فمن الناحية النظرية المجردة والعامة إن الحزب الشيوعي هو منظم الطبقة العاملة من أجل الثورة الاشتراكية وبناء الشيوعية، بوصفها بديلا نافيا وشاملا للرأسمالية. وقد كانت تلك الفكرة العامة عند ماركس ولحد ما عند لينين. وتكشف التجارب التاريخية للأحزاب الشيوعية بأن التوازن الحقيقي والمعتدل في شخصية وسلوك الحزب الشيوعي الماركسي تتوقف على تعادل الإرادة الذاتية والظروف الموضوعية. وعلى هذا التعادل أو التوازن تتوقف إمكانيات ونوعية وآفاق التغيير الفعلية.

فقد كانت أغلب إن لم يكن جميع الأحزاب الشيوعية التي تشكلت بعد ثورة اكتوبر في روسيا وتسلم الحزب اللينيني (البلاشفة) السلطة، نسخا متنوعة ومختلفة من حيث القوة والأصالة لهذه الطبعة الأولية. ومع صعود الستالينية أصبح أغلب هذه الأحزاب مطبوع بها بوعي أو بدون وعي. وجذر القضية هنا يقوم في أن الستالينية ليست نتاجا واعيا وأصيلا ضمن سياق المفهوم السليم للحزب الشيوعي الماركسي. فقد كان ماركس أكبر شارح وناقد للرأسمالية. إلا أن الرأسمالية أظهرت قدرة أكبر بكثير مما كان ماركس يتصوره. بينما نشأت وتطور اللينينية وحزبها السياسي في ظل ظروف تاريخية واجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى تختلف عما كان عليه الأمر زمن ماركس من جهة، والحالة الأوربية من جهة أخرى.

لقد جعلت اللينينية من الحزب قوة ما فوق تاريخية. وفي المجال الاجتماعي السياسي جعلت منه بديلاً للطبقة العاملة نفسها. بل اعتبرت الحزب هو "عقل وضمير الطبقة العاملة". الأمر الذي جعلها بالضرورة قوة إرادوية خالصة. بمعنى تغليب الإرادة على الظروف الموضوعية. فالحزب الشيوعي اللينيني أكثر إرادة من الحزب الشيوعي الماركسي. وهذا هو الجذر السياسي الفاعل وراء ظهور الستالينية في الأحزاب الشيوعية اللينينية. وقد كان تأثيرها فاعلا بدرجات وأشكال مختلفة ومتنوعة. لكنه تأثير قائم وفاعل. وقد كانت الستالينيبة بهذا المعنى استيعابا مشوها لفكرة الإرادة اللينينة. غير أن سيادتها وتغلغلها في النسيج النظري للفكرة الشيوعية الصاعدة على النطاق العالمي جعلها أيديولوجية مقبولة. لقد انتهك ستالين المبادئ والرؤية والفكرة اللينينية عن الإرادة والحزب. ومنه تعلمت الأحزاب الشيوعية الناشئة وطبقوها بأثر أسباب ولأهداف مختلفة تبعاً لظروفهم ومساعيهم وغاياتهم المحددة.

يختلف تقدير ماركس السياسي واستنتاجاته عن تقدير لينين السياسي واستنتاجاته. فقد كان الحزب الشيوعي عند ماركس يختلف من حيث البنية والتركيب والدور والوظيفة عن الحزب الشيوعي عند لينين. الحزب الشيوعي عند لينين أكثر إرادوية مما عند ماركس. وضمن هذا السياق يمكن فهم الحوافز والقوة القائمة وراء انقلاب اكتوبر عام 1917. بعبارة أخرى، لقد كانت ثورة اكتوبر، رغم الظروف الموضوعية، هي بالدرجة الأولى نتاج فكرة الإرادة السياسية اللينينية. وقد كانت تلك إرادة تاريخية جبارة. وعليها سارت احزاب لها دورها التاريخي الكبير مثل الحزب الشيوعي الصيني والفيتنامي والكوبي. وقد اثبتوا براعة وتجانسا في هذا الميدان رغم كل الثقل الهائل الذي واجهوه من جانب القوى الامبريالية الكبرى آنذاك ولحد الآن، أي على خلاف الحزب الشيوعي السوفيتي وأحزاب أوربا الشرقية الشيوعية. التي ابتعدت عن روح البلاشفة الثورية وفكرة الإرادة اللينينية. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن أسباب أخرى كثيرة لعل أهمها هنا هو نجاح الإصلاح الاجتماعي في أوربا الغربية المجاورة لأوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي. كل ذلك يكشف عن انه لا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم الماركسي قد انتصرت في أوربا الغربية، ولا الثورة الاشتراكية ودكتاتورية البروليتارية بالمفهوم اللينيني قد تحققت في أضعف حلقات الرأسمالية العالمية. وبالمقابل نرى واقع القدرة الهائلة على التكيف والتطور من جانب الرأسمالية العالمية. إذ استطاعت بمعنى ما ايجاد أساليب وطرق جديدة بعيدة تجاوزت التقديرات والاستنتاجات الماركسية أو اللينينية.

غير أن ذلك لا يعني ضياع أو خطأ الحصيلة النظرية للماركسية واللينينة فيما يتعلق بالرأسمالية وآفاق مسارها التاريخي. لقد تغيرت الظروف ومن ثم ينبغي للرؤية النقدية والسياسية الواقعية أن تتغير بالشكل الذي يجعلها قادرة على مواجهة وتحدي الوقع بما يتناسب مع إمكاناتها الفعلية المحكومة بدورها بالقيم العليا لفكرة الإنسانية والعقلانية الكامنة في الماركسية واللينينية.

فالوضع العالمي الجديد للرأسمالية يصنع إمكانيات واحتمالات متعددة. واستطاعت الرأسمالية العالمية تجاوز الكثير من الفرضيات السياسية والتاريخية للماركسية واللينينية، فضلاً عن تجاوزها للكثير من التيارات الماركسية الجزئية من ماوية وتروتسكية وجيفارية وأمثالها. كما استطاعت الرأسمالية العالمية إعادة الكثير من الدول والشعوب التي تمردت عليها إلى حظيرتها من جديد. وبالتالي فإن التحولات الكبرى في مختلف الميادين وعلى كافة المستويات تجري اساسا ضمن نظام رأسمالي عالمي ومحكومة في الأغلب بالمراكز الرأسمالية.

غير أن ذلك لا يعني استحكام الهيمنة المطلقة للرأسمالية ومراكزها القديمة والجديدة، انطلاقا من أن الرأسمالية نفسها تبقى في نهاية المطاف مرحلة من مراحل التطور التاريخي للأمم. كما أنها، شأن كل نظام اجتماعي اقتصادي سياسي، لم ولن تنف الإمكانيات الكامنة في الإرادة الإنسانية للبحث عن بدائل أفضل.(يتبع.....)

1- ان الرؤية المتكاملة عن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي تفترض المراجعة والتقييم والنقد المتعدد الجوانب والمستويات منذ تأسيسه وحتى اليوم. مما يتطلب بدوره القيام بتشكيل لجنة علمية وفكرية وسياسية متخصصة، تعرض نتائج ما تتوصل إليه على مؤتمر حزبي مخصص لهذا الغرض. وعلى هذه الخلفية فقط يمكن صياغة رؤية استراتيجية مستقبلية لانتشال العراق من المأزق التاريخي الذي وقع فيه، منذ ثورة الرابع عشر من تموز ولحد الآن.