نحو مشروع لتغيير ثوري في لبنان [1]

Submitted by alaa on أحد, 11/03/2019 - 18:29

أسعد أبو خليل

يكثر الحديث عن تغيير وعن «ثورة» في لبنان، وهناك فقر في برامج محددة للتغيير. والتحركات الاحتجاجيّة لم تولّد بعد قيادة تمثيليّة، ربما بسبب الصراعات وغياب التجانس الفكري والسياسي في ما بينها. وقد يكون ذلك لإصرار البعض على إخفاء دوره في الاحتجاجات (ماذا يفعل الثري اللبناني، روبير فاضل, في الاحتجاجات التي انطلقت ضد احتكار الثروة الوطنيّة, وهو مُروَّج له من قبل «مجموعة الأزمات الدوليّة» والإعلام الغربي؟وهل صحيح أنه كانت لـ«فرع المعلومات» خيمة في وسط البلد للتجسّس والتخريب على المحتجّين؟) والكلام على المطالب يبقى مائعاً وعاماً ما لم يقترن ببرامج تفصيليّة محدّدة, وتبقى المطالب إصلاحيّة ما لم تترافق مع قرارات ثوريّة. وشعارات الاحتجاج تفرط في استعمال مصطلح «الثورة», لكن المطالب تكون تحت سقف أدنى بكثير من طموحات «الثورة». وللشعوب حول العالم أمزجة مختلفة. المزاج الفرنسي, مثلاً, أكثر تغييريّةً, بدليل ثورة فرنسيّة هائلة وتغييرات دستوريّة وجمهوريّات خمس, فيما لا تزال المحكمة الدستوريّة الأميركيّة تناقش في المعاني الأصليّة للآباء المؤسّسين في صياغة دستور أميركي لم يتغيّر منذ التأسيس. وشعب لبنان لم يكن يوماً ذا مزاج ثوري, ربما لأن الطائفيّة تتستر أو تطمس الصراعات الطبقيّة التي يمكن أن تولّد حركة ثوريّة, كما أن النفوذ والهيمنة الغربيّين في لبنان فعلا فعلهما في التأثير على ثقافة سياسيّة ووطنيّة ارتبطت منذ البداية باقتفاء آثار المحافظة الغربيّة. وفي قرنيْن من الزمن, لم يخِف الطبقة الحاكمة أكثر من ظهور ملامح للصراع الطبقي الخالي من التجليّات الطائفيّة, وإن كانت الملامح لا تطول في الظهور بسبب محاربتها الفوريّة.

الثورة تحتاج إلى برامج محدّدة وإلى طبقة حاكمة جديدة تقطع مع الماضي. كانت الأصول الطبقيّة لـ«الضباط الأحرار» تنتمي إلى الطبقة الريفيّة الوسطى, كما فصّلها أحمد حمروش, وهي غير الطبقة التي كانت تحكم مصر قبل «الثورة». وفي لبنان, لم تطرح الحركة الوطنيّة برنامجاً ثوريّاً, بل طرحت برنامجاً سياسيّاً بورجوازيّاً إصلاحيّاً, وهو سقف الثلاثي الإصلاحي, جنبلاط وحاوي وإبراهيم (تتوقّع ثورة من توفيق سلطان ومحسن دلّول وفؤاد شبقلو؟). والذي أو التي تُراجع «البرنامج المرحلي» لـ«الحركة الوطنيّة» قد يُصدَم بقلّة البنود الاقتصاديّة فيه. وحتى الإصلاحات السياسيّة لم تكن متطرّفة, حتى إن المبعوث الأميركي الشهير, دين براون (الذي زار لبنان مبعوثاً عن إدارة فورد في ١٩٧٦) عبّر عن ذهوله من مضمون برنامج «الحركة الوطنيّة», ونُسب إليه ما معناه: هذا ما أخافَ الجبهة اللبنانيّة؟ هذا برنامج ليبرالي, ليس إلاّ. وكان براون على حق. طمح قادة الحركة الوطنيّة إلى تمثيل سياسي أوسع من خلال نظام انتخابي جديد, على أساس لبنان دائرة انتخابيّة مع النسبيّة, وهذا لم يكن سيطيح الطبقة الحاكمة, لكن كان يمكنه أن يوصل عدداً أكبر من النوّاب لجنبلاط, وربما أوصل شيوعيّاً أو اثنيْن, أو بعثيّاً أو اثنيْن. والإصلاحات في البرنامج المذكور كان يمكن أن تُضاف إلى إصلاحات الشهابيّة التي هدفت إلى إنقاذ الدولة الرأسماليّة من مخاطر الثورة والتفسّخ. وفي الشق الطائفي, ابتدعت «الحركة الوطنيّة» «إلغاء الطائفيّة السياسيّة», كأن هناك أصنافاً من الطائفيّة (السياسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة والزراعيّة, الخ), من دون طرح العلمانيّة بحجّة أن المفتي لم يكن يقبل بها. أما خفض سن الاقتراع إلى ١٨ سنة أو تمثيل النساء، فهذه إصلاحات تقبل بها أحزاب السلطة اليوم (وحتى مشروع لبنان دائرة انتخابيّة واحدة تحوّل إلى مشروع «أمل»).
لكن هناك إمكانيّة لتحقيق تغيير ثوري لو أراد الشعب ذلك. لكن بوادر ذلك لم تبدُ بعد. كما أن الأكثريّة البادية في التحرّكات تطرح علامات استفهام حول سقف التغيير (لأن الثورات الجذريّة لا تجذب إلا أقليّات, وهي حتماً لا تجذب رئيس الجامعة الأميركيّة وأساتذتها). وعندما ينضم أشرف ريفي ونجيب ميقاتي ووليد جنبلاط و«القوّات اللبنانيّة» و«الكتائب» وإعلاميّو الحريري وإعلاميّاته (أي نفس هؤلاء الذين واللواتي أفنوا سنوات في الترويج للبرامج الاقتصاديّة التي أدخلت لبنان في الكارثة) إضافة إلى الاعلام السعودي, تتساءل إذا كان هؤلاء يعبّرون عن طموحات ثوريّة أو أن جيش الثورة المضادة تسرّب لتعطيل إمكانيّة التغيير. لو تحقّقت الثورة, فإن هؤلاء يفرّون—أو يجب أن يفرّوا—من أمام جماهيرها, ولو أنها ثورة بحق لما تجرّأ دعاة الفاسدين والطغاة, مثل مارسيل غانم وعلي جابر وعمرو أديب, على مناصرتها. عندما تأتي الثورة, تسارع المحطات الثلاث («إل.بي.سي.» و«إم.تي.في.» و«الجديد») المملوكة من أصحاب الملايين إلى محاربتها, وتعاطف هؤلاء معها—أو تصنّعهم التعاطف—يشير إلى ارتياحهم إلى المسار الحالي. عندما تأتي الثورة, سترى عراة الصدور في طليعتها لا «بيروت مدينتي» (ألا يذكرونك بفؤاد السنيورة في مرحلة التسعينيّات, عندما كان هو ذروة التكنوقراطيّة؟)
وطروحات الأحزاب والحركات المشاركة في الاحتجاجات تفتقر إلى المطالب المحدّدة. واحد يطالب بقاض شريف وآخر ينتظر «هيئة نزيهة» والأكثرية تتكلّم عن حكومة تكنوقراط, كأن هؤلاء منزهون حكماً. ألم يكن رياض سلامة وفؤاد السنيورة وحتى حسن السبع (ما غيره) من التكنوقراط؟ ومعظم الأحزاب اليوم تستعين باختصاصيّين, والاختصاص ليس المشكلة. والوزير يستعين بفريق من الاختصاصيّين حتى لو لم يكن مختصاً, لكن المشكلة في مكان آخر. المشكلة تكمن في ظروف عمل الوزارات وطبيعة النظام السياسي واستشراء الفساد والثراء في الحكم. تغيير كل هذا يتطلّب الشروع في وضع برنامج عمل ثوري للتغيير, حتى لا نبقى ندور في سياق "ضرورة استرداد المال المنهوب" الذي ينتظر على قارعة الطريق كي يُسترد ويُعاد إلى أهله. لكن يمكن بسرعة تحقيق تغييرات ثوريّة تلبّي الرغبة عند الذين يرفعون شعار الثورة, ويعنونونه. هذه بعض المفاصل:
أولاً, الانتخابات. إن شعار انتخابات عاجلة شعارٌ غير ثوري أو تغييري, وهو شعار يرفعه كل عناصر التيّارات السياسيّة المُشاركة في الاحتجاج, بمن فيهم العناصر اليساريّون. لكن الثوريّة تكون في تأجيل الانتخابات قدر المستطاع من أجل تشكيل مجلس تأسيسي من خارج المجلس النيابي كي يُبطَلَ عمله. لا يزال هذا المجلس الحالي يمثّل الطبقة الحاكمة، والظنّ أن انتخابات عاجلة في غضون أشهر, أو أقل, يمكن لها أن تعيد تشكيل الطبقة الحاكمة ليس إلا أوهام. إن إنتاج طبقة حاكمة جديدة لن يكون عملاً ديموقراطيّاً. لو أن عبد الناصر انتظر نتائج الانتخابات لكان الباشوات ظلّوا يحكمون مصر، ولكانت قناة السويس بقيت تحت السيطرة الأجنبيّة لسنوات طويلة. الحزب البلشفي لم يصل إلى السلطة بالانتخابات (قلة تتذكّر أنه كان هناك انتخابات بعد الثورة ولم يفز البلاشفة فيها بالأكثريّة). في لبنان, يمكن إعادة تشكيل الطبقة الحاكمة والقضاء على الزعامات الفاسدة برمّتها, لكن ذلك يقتضي إجراءات جذريّة غير مطروحة من أحد حاليّاً.
يمكن مثلاً تشكيل هيئة تأسيسيّة لعقد مؤتمر دستوري يعيد صياغة الدستور, ويتجاوز اتفاق الطائف. يمكن للحركة الاحتجاجيّة, لو تطوّرت بشكل ثوري (وهذا ليس بالمحتمل)، أن تعمل على تشكيل مجالس محليّة في أماكن الاحتجاج-السكن, كما يمكن إحياء النقابات بعد طرد (واعتقال في حالة الفاسدين) القيادات الحزبيّة منها وإجراء انتخابات فيها، على أن يُستبعد منها ممثّلو الأحزاب. والهيئة الجديدة يمكن أيضاً أن تحوي أسماءً معيّنة, كي يتم تمثيل فئات مهمّشة وفقيرة, لأن بعضها يجد صعوبة في الحضور اليومي في أماكن الاعتصام والاحتجاج, وهذا الإصرار على تعيين فقراء ومعدمين من شأنه إحداث ثورة في التمثيل السياسي في لبنان (وشعار الاختصاصيّين يُخيف, لأن ذلك يضمن استمرار احتكار السلطة من قبل الميسورين متخرّجي الجامعات الأجنبيّة والخاصّة).
والمجلس أو الهيئة التأسيسيّة الجديدة تضع دستوراً جديداً من دون انتخابات. إن أي انتخابات جديدة, في غضون أشهر أو سنة, ستعيد إيصال الممثّلين أنفسهم إلى السلطة, مع حدوث خروق هنا أو هناك. هذه الطبقة الحاكمة تمرّست في لعبة الانتخابات. هي تستطيع, كما أثبتت, أن تتأقلم مع نظم انتخابيّة مختلفة, ومع تغييرات طفيفة للغاية, مقعد أو مقعدين أكثر أو أقل لهذه الجهة أو تلك. وتستطيع هذه الطبقة أن تتأقلم أيضاً مع أكثر النظم الانتخابيّة تطوّراً, أي النسبيّة على مستوى الوطن, وهو طرح «الحركة الوطنيّة». لكن حتى في هذا النظام الانتخابي, تستطيع السلطة أن تعود من خلاله إلى الحكم. يستطيع «المستقبل» أن يتحالف على مستوى لبنان مع جنبلاط و«القوّات», كما أن حزب الله يستطيع أن يتحالف مع «التيّار» ومع «أمل» وحلفاء من طوائف أخرى. وهذه المواجهة ستكون متقاربة مع التمثيل الحالي, وإن كانت حظوظ المعارضة أكبر في الاختراق لو توحّدت جميعها في قائمة واحدة، لكن هذا من المستحيلات. ستحصل خروقات بالتأكيد: بعض المقاعد ربما للحزب الشيوعي, لو تحالف مع «مواطنون ومواطنات», لكن الحزازات الشخصيّة والخلافات العقائديّة نسفت إمكانيّة التحالف في الانتخابات الأخيرة, ومن المستبعد أن يتغيّر ذلك. والقانون النسبي على مستوى الدائرة الواحدة في كل لبنان بات مُعتنقاً من حركة «أمل»، وهو—في ضوء الثقافة الطائفيّة السائدة—سيكرّر تجربة الحريريّة في توكيل أمر اختيار الممثّلين المسيحيّين إلى المسلمين (على افتراض أن القائمة ستكون «مسلم-مسيحي» للحفاظ على المناصفة المقدسة, والتي ستتضارب مع الأرجحيّة الاسلاميّة الاقتراعيّة), وهذا سيزيد من الاحتقان الطائفي. والبطريركيّة لن تقبل بهذا القانون.
لأحزاب السلطة ماكينات انتخابيّة متطوّرة وعصريّة وهائلة في نطاق عملها, وهي—بسبب طول سنوات التمثيل—باتت تُقارن بالماكينات الانتخابيّة في الدول الأكثر تقدّماً منا تكنولوجيّاً وسياسيّاً. وهناك اعتماد على استطلاعات الرأي وطرق التعبئة والتجييش وحتى لمراقبة احتساب الأصوات. كيف تقارن ذلك بأحزاب أو حركات ستتمثّل للمرّة الأولى؟ ثم أين الثوريّة في الإصرار على انتخابات في غضون شهور من دون طرح تصوّر ثوري للإنفاق الانتخابي، مع رفض تسليم إدارة الانتخابات لشخص واحد (أي لوزير الداخليّة: والطريف أن اسم زياد بارود يُطرَح عند البعض كممثّل لأطراف الاحتجاج, بالرغم من فشله في الانتخابات الأخيرة, وبالرغم من قربه الحميم من البطريركيّة المارونيّة, وبالرغم من فشله في السيطرة على أشرف ريفي في زمن وزارته, وبالرغم أيضاً من إشرافه على أكثر انتخابات نيابيّة فساداً في تاريخ لبنان حيث فاق الإنفاق السعودي والغربي مليار دولار. كما أن بارود تجاهل مخالفة البطريرك الماروني صفير للقانون الانتخابي بضرورة الالتزام بالصمت قبل ساعات من إجراء الانتخابات). لهذا, فإن عمليّة إدارة الانتخابات يجب أن تُسحب من يد الوزير, لتصبح في عهدة لجنة خبراء من غير السياسيّين.
تصبح الانتخابات شعبيّة بحق لو أن رسم التسجيل الانتخابي يُلغى بالكامل, لأن المبلغ—حتى لو كان متواضعاً بالنسبة إلى الميسورين—فهو يمنع أبناء وبنات الطبقات الشعبيّة من الترشّح. والحد من الإنفاق الانتخابي عمليّة صعبة، لأن الإنفاق يكون من الداخل ومن الخارج, ولهذا فإن التغيير الثوري يجب أن ينتظر حتى تُسنّ قوانين إلغاء السريّة المصرفيّة وتوضع ضوابط على تحريك المال وإنفاقه من قبل السفارات (خصوصاً تلك التي لها باع طويل في الإنفاق الانتخابي في لبنان). والمال الانتخابي أعطى الميسورين والأحزاب المنتفخة التمويل (الداخلي والخارجي) أفضليّة كبيرة في قدرتها على شراء الوقت على الشاشات وزرع لوحات إعلانيّة في كل لبنان. هذا الإنفاق يجعل من الانتخابات ظالمة بحق الفقراء والأحزاب التي ليس لها تمويل داخلي أو خارجي, أو حتى خبرة في الإعلان الانتخابي.

القضاء على الزعامات يسهل عندما يترافق ذلك مع ثقافة حزبيّة سيشجّعها (على المدى الطويل) القانون الانتخابي النسبي


ولبنان بلد صغير, وحجّة البطريركيّة أن الشعب يجب أن يتعرّف على ممثّليه باطلة. وكان البطريرك صفير يستعمل هذه الحجّة من أجل تضييق الدائرة الانتخابية كي تصبح ملتصقة بالطائفة في محلّة صغيرة, لأنه قال إن ذلك يضمن معرفة الناخب بالمرشح. لكن الناخب في لبنان يعرف المرشحين في دوائر أخرى بسبب حجم مساحة لبنان. والإعلان الانتخابي يجب أن يتساوى عبر فتح الشاشات مجاناً أمام كل الأحزاب والتكتّلات المرشحة (يُستحسن فرض الأحزاب العابرة للمناطق والطوائف, لكن هذا مستحيل في وقت قصير, لأن ذلك يتطلّب بناء ثقافة حزبيّة علمانيّة، وهي غير متوافرة اليوم إلا عند الحزب الشيوعي والحزب القومي وبعض الأحزاب اليساريّة والناصريّة الصغيرة. لكن من حسنات الانتخابات النسبيّة على مستوى كل لبنان أنها تسهم في بناء ثقافة حزبية عابرة للمناطق والطوائف, لكن قطف ثمار هذا القانون يحتاج إلى سنوات طويلة). والتساوي في مساحة الإعلام الانتخابي, المطبوع والمرئي والإذاعي, يزيل الحظوة التي يتمتّع بها الأثرياء.
كما أن القانون الثوري يمكن أن يمنع كل من تفوق ثروته مستوى دخل الطبقة الوسطى (ويمكن تحديد ذلك بواسطة خبراء)، وعندها يصبح المجلس التمثيلي للشعب ممثلاً حقيقيّاً عن الشعب, وتزول سيطرة الأثرياء على مقدّرات الحكم. لكن ذلك يجب أن يترافق مع إجراءات لمحو الزعامات من لبنان كليّاً, وذلك يكون بمنع كل من كان أبوه أو جدّه أو أبو جدّه, أو عمّه, أو أي قريب له (بدرجة أو اثنيْن من قرابة أبناء العمومة) من الترشّح إلى الانتخابات. كما أن تحديد مدة النيابة (بولايتيْن أو ثلاث) يمنع تربّع نوّاب على مدى عقود طويلة, كما حصل في حالة عبد اللطيف الزين الذي لم ينقطع عن تمثيل الجنوب من انتخابات ١٩٧٢ (وهو كان نائباً قبل ذلك). وإزالة الزعامات أو السلالات الطائفيّة تغيّر من بنية الطبقة الحاكمة, وتمنع احتكار التمثيل من قبل عائلة واحدة كما حصل في الحالة الجنبلاطيّة على مدى أكثر من قرن من التمثيل النيابي. وهذا المنع هو وحده الكفيل بالقضاء على مفهوم الزعامة, لأن النيابة تصبح خدمة عامّة لا تدوم ولا تُورَّث. طبعاً, إن انتظار انتخاب مجلس جديد لسنّ قوانين في هذا الصدد ساذج, لأن المتحكمين في مقدّرات المجلس الحالي (أو حتى التالي) سيمنعون ذلك من الحدوث, لكنّ مجلساً معيّناً ممثلاً للاحتجاجات يمكنه أن يسن قوانين كهذه. والقضاء على الزعامات يسهل عندما يترافق ذلك مع ثقافة حزبيّة سيشجّعها (على المدى الطويل) القانون الانتخابي النسبي (على أساس دائرة انتخابيّة واحدة) لأن الصراع يتحوّل بين شخصيّات إلى صراع بين ايديولوجيّات.
ثانياً, الفساد. تحوّل شعار مكافحة الفساد إلى فولكلور ويكاد يقارب شعبيّة دبكة الحائط في عزّها. السنيورة يريد مكافحة الفساد كما برّي, أي إن الفساد بات يتيماً لا يُعترف به، ويمكن أن تُسجَّل جريمة الفساد اللبنانيّة الكبرى ضدّ مجهول. وخطاب الاحتجاج وبيانات الحركات المشاركة فيه وتصريحاتها لا تحلّ المشكلة. على العكس, هي تعطي الطبقة الحاكمة فسحة إضافيّة من أجل أن تلملم صفوفها وتعيد توطيد دعائم حكمها الذي أصابه الخلل في أكثر من موقع. وحل مشكلة الفساد يتطرّق دوماً إلى دور عظيم لقضاة نزيهين وشرفيين (كأن المشكلة هي في إيجاد صفات وفضائل في رجل ما, وهذا لا يوحي بالثقة بالمؤسّسة التي يعمل فيها هذا القاضي—السعي دوماً في برامج حركات الحراك هو في العثور على «قاض نزيه» يرأس هذه اللجنة أو تلك, من دون معرفة كيفيّة العثور على هذا النزيه, وبناء على أيّ معايير). والرؤية الثوريّة للدولة اللبنانية هي في الحكم عليها بأنها فاسدة وأن هناك حاجة إلى بناء دولة جديدة (من هنا أهميّة تشكيل هيئة مؤسّسة لبناء دستور جديد يفصل مع المراحل الماضية). والدولة المدنيّة التي يتحدّث عنها شربل نحّاس هي شرط، لكنه ليس شرطاً كافياً, إذ إن الدولة المدنيّة يمكن أن تكون رجعيّة ومستسلمة أمام العدوّ, ويمكن أن تكون مقاومة. المدنيّة في حدّ ذاتها ليست حلاً لكل المشاكل. كثيرة الدول المدنيّة في الغرب ـــ مثل فرنسا ـــ التي ارتكبت جرائم على أراضيها وفي أراضي غيرها. ونحّاس يعتبر أن الدولة المدنيّة تحل المشكلة مع الاحتلال الإسرائيلي, لكن ذلك لا يحدث بناءً على مدنيّة الدولة، بل على سياساتها التي يمكن أن تكون معادية لإسرائيل أو متصالحة معها.
القضاء على الفساد يحتاج إلى حلول جذريّة (ثوريّة) تبدأ بوضع كل من تولى الوزارة والنيابة وكبار الموظّفين منذ عام ١٩٩٢ في الإقامة الجبريّة، وتشكيل محكمة خاصّة من قضاة لبنانيّين وعرب (يتم اختيار القضاة اللبنانيّين وفقاً لمباراة مجهولة الأسماء ومن صفوف من لم يلتزم بزعيم ومن لم يشغل منصباً في القضاء). التوليفة اللبنانيّة عن قاض نزيه هنا وقاض نزيه هناك ليست إلا محاولة للالتفاف على المطالب لمعالجة جذريّة للفساد، لأن القضاء جزء من منظومة الفساد. ومعالجة الفساد تبدأ بالتعامل مع الفساد على أنه مُعشّش في كل أجهزة الدولة وإداراتها من دون استثناء. واستشراء الفساد هو في جانب منه تعبير عن فساد القضاء بحدّ ذاته، لأنه لم يحرّك قضيّة واحدة ضد الفساد في تاريخه, إلا على صغار الفاسدين. وتحريك القاضية غادة عون لم يكن بريئاً عن الهوى، لأنها اعترفت بأن التوقيت مرتبط بالغضب الشعبي. وهل القضاء يتحرّك بناءً على غضب شعبي؟ أليست السيدة عدالة معصوبة العينيْن كي لا ترى أبداً؟
(بتبع)