ماضي الاستعمار وحاضره: تعدد أدوار ووحدة هدف

10 أشهر 4 أسابيع ago

رعد أطياف

ما بين الاحتلالين -البريطاني والأمريكي- ضاعت فرصة بناء العراق (فيسبوك)

"أقول وقلبي ملآن أسى، أنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل كتلات بشريه خيالية خاليه من أي فكرة وطنية، متشبعون بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميالون للفوضى، مستعدون دائمًا للانتفاض على أي حكومة كانت. نحن نريد والحالة هذه أن نشكّل من هذا الكتل شعبًا نهذبه، وندربه، ونعلمه، ومن يعلم صعوبة تكوين شعب في هذه الظروف، يجب أن يعلم أيضًا عظم الجهود التي يجب صرفها لأتمام هذا التكوين، وهذا التشكيل". الملك فيصل.

كم هو الفارق كبير بين هذه الزفرة المؤلمة التي عبر عنها الملك فيصل بهذه الكلمات أعلاه، وبين سلطة الخضراء المهمومة بسرقة المال العام وتمزيق نسيج المجتمع العراقي عن طريق تقسيمه إلى طوائف متناحرة. لقد كان الملك فيصل مهموم ببناء "الأمة"، فيما جماعة الخضراء مهمومين ببناء الثروات التي جمعوها من السحت الحرام. وعلى الرغم من أن هذه المقالة ليست مكرّسة للملك الراحل، لكن أحببت المرور، سريعًا، على شخصية سياسية كانت لديها دوافع طيبة لترسيخ الهوية الوطنية، وقد شخَصَت المشكلة، في حينها، وحاولَت أن تعمل بإخلاص لجمع العراقيين.

وبالطبع إن ذكر الملك فيصل هنا يجري خارج ثنائية الشيطنة والتقديس، وخارج رغبات الملكيين والجمهوريين، لكن ماذا لو تمت مقارنة الرجل بسلطة الخضراء؟ وهل حقًا أن التحديات التي كابدها يوم ذاك تماثل تحديات هؤلاء؟ هل كانت لديهم دوافع بناء هوية وطنية وهموم حقيقية كهموم هذا الرجل؟ فلنمر سريعًا على التحديات في ذلك الوقت.

ما بين الاحتلالين -البريطاني والأمريكي- ضاعت فرصة بناء العراق، وقد كرّس المستعمرون الأدوات اللازمة لتفتيت وحدة هذا البلد، في الوقت الذي كانت فيه الفرصة مواتية لدمج هذه "الشعوب" المتفرقة في جغرافية العراق، إذ لم تكن تجمعها مصالح مشتركة، وهوية وطنية، فهي عبارة عن ولايات لا تشعر بهويتها الوطنية الجامعة؛ فولاية البصرة كانت تجارتها متجهة نحو الخليج والهند، وولاية الموصل أسست روابط تجارية متينة بين تركيا والشام، فيما كانت بغداد معبرًا لإيران إلى الشام. فضلًا عن اختلاف المكاييل الموازين والعملات النقدية وصعوبة المواصلات بين هذه الولايات. بكلمة واحدة: لم يكن ثمّة شيء يوحي بوجود بلد موحّد وشعب متجانس.

يمكن تسليط الضوء، وبإيجاز، على الفترة الواقعة بين القرن الثالث والثامن عشر لفهم المقدمات التي أضعفت الروابط الاجتماعية، وساهمت فيما بعد قوى الاحتلال البريطاني باستثمار هذا التمزّق وتشجيعه، بعد أن كانت الفرصة سانحة لإعادة تركيب المجتمع العراقي، ليتضح، ربما، مدى التشابه بين مستعمري الأمس واليوم. والتشابه هنا، هو وحدة الهدف: إبقاء البلد ضعيفًا وتدمير هويته الوطنية وإحياء الطائفية على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وهندسة الحروب الأهلية، وتدمير بناه التحتية، وتقوية سلطة العوائل وتحويلها إلى إقطاعيات سياسية.

لا يهم اختلاف الأدوار، وإنما وحدة الهدف هي الأكثر أهمية لفهم حقيقة الدول العظمى وسياساتها التدميرية تجاه بلداننا. ولكي تفهم أجيالنا الفارق الكبير بين الرغبة الحقيقة لشعوبنا في تعميق علاقات صحية بين هذه الدول العظمى، وبين السياسات التخريبية التي تتعمدها هذه الدولة وحرمان هذه الشعوب من رفاهية الاختيار، أعني الأنظمة التي تحكمنا لا تملك حتى رفاهية الاختيار في عمالتها واستجابتها لهذه السياسات المجحفة. بل لا تمتلك رفاهية الاختيار في  أن تكون صديقة أو عدوة!، وإنما يتم تحديد هذه المعايير القوى المهيمنة.

المهم في الأمر، فلنقدم لمحة تاريخية سريعة عن وضع العراق، وعن سياسات الإنجليز في العراق يوم ذاك، في تكريس الرجعية، وتمزيق البلد، وتقوية سلطة العشائر على حساب سلطة الدولة.

  وبالاعتماد على ما جاء في كتاب "العراقلحنا بطاطو، فإن الغزوات والسلب التي قامت بها خانات المغول، والتخريب شبه الكلي لسدود الري القديمة، وغزوات تركمان الجيلار، وجماعة الخروف الأسود والخروف الأبيض، والمغول التيموريين، والصفويين، والعثمانيين، ثم الحروب التركية-الفارسية الطويلة المتقطعة، كانت هناك حقيقة واحدة، تكرر نفسها على الدوام، ألا وهي الضعف الشديد الذي أصاب المدن. وكان هذا الضعف ملازمًا، بالضرورة، إلى تقدم سلطة العشيرة.

غير أن الحياة الجديدة التي فتحت آفاقها خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ دخلت في حينها الاتصالات الجديدة والروابط الجديدة مع بزوغ العالم الرأسمالي، قوَضت هذا الاتجاه التاريخي، وكانت مقدمة مهمة في نهوض المدن مجددًا، وتحلل النظام العشائري. وخصوصًا الفترة العثمانية التي شهدت إضعاف سلطة العشيرة وتفتيتها والتشجيع على النزاعات الداخلية فيما بينها.

أراد الإنجليز تجنب الكلفة الباهظة للإبقاء على قوات احتلال كبيرة لاستمرار سلطتهم. يقول بطاطو "لم يحاولوا فقط وقف العملية المبتدئة للانحلال العشائري، أو صون سلطة رؤساء العشائر وتبريرها أو المحافظة على الحد الأدنى فحسب من التفاعل بين أهل المدن والعشائر، بل أنهم عملوا أيضًا على تدعيم الانشقاق القائم بتقوية العادات العشائرية والاعتراف بها رسميًا". وأنظمة النزاعات العشائرية التي شرّعها الإنجليز في 27 تموز/يوليو 1918 على شكل بلاغات لها قوة القانون، ولقد أصر الإنجليز، على اعتبارها قانونًا للبلاد في العهد الملكي، بموجب المادتين 113و 114 من الدستور العراقي لعام 1925.

لقد استثنى المحتلون الريف من سريان القانون الوطني عليه، محاولةً منهم تكريس الانقسام المجتمعي، وإضعاف سلطة الدولة وتهميشها، ليبقى العراق يدور في كابوس التشرذم والانقسام. إذ ما هي الفائدة المرجوّة من التركيز على البنية التحتية المادية، فيما يعاني البلد من انشقاقات اجتماعية خطيرة. كيف يمكن للبلد النهوض وهناك سلطة للمدينة وسلطة للعشائر لا تقوى السلطة في حينها بسط نفوذها على كافة أرجاء البلد. بل أكثر من ذلك، كانت العشائر مستعدة للإطاحة بالملك، لكنها لم تفعل، ليس لدافع وطني، بل لأن الملك كان مقبولًا لدى الإنجليز!. لقد كانت الحكومة أضعف بكثير من الشعب. يكفي أن نعرف أن أكثر من 100 ألف بندقية موزعة بيد العشائر، بينما لا تمتلك الحكومة غير 15 ألفًا فقط.

 بقي العراق، من الناحية القانونية، وحتى ثورة تموز/يوليو، يخضع لنظامين، واحد خاص بالمدن وآخر خاص بالريف العشائري. لقد اشتكى الوطنيون العراقيون من التغافل المستمر للإنجليز عن احتياجات الجيش الملكي ولتأخير إقرار التجنيد الإلزامي ما أمكنهم.

وجريًا على عادة أسلافهم، شجع الأمريكان،  ثقافة المحاصصة الطائفية، هذه المرة، لينقسم المجتمع العراقي، سياسيًا، إلى ثلاثة شعوب: كرد لا همّ لهم سوى سرقة المزيد من ثروات البلد ولا يشعرون بأدنى شعور وطني تجاه بلدهم، ولا يحسنون سوى سياسة الابتزاز واللعب على الحبلين، ونخب سنية فاسدة للنخاع تاجرت باسم ناخبيهم، يقفون كطوق عازل لأي عملية تقدم، ولديهم إضراب جماعي عن الفهم، وقوة تخريبية استثنائية، طالما هم ليسوا "أسيادًا" للبلد. لقد أجمعت النخب السنية على حقيقة مفادها: إما السلطة وإما العراق لا يعني لنا شيئًا.

وفي الجانب الآخر تكدّست ثروات البلد وأغلبيته الطائفية بيد شيعة السلطة، ولقد حازوا من الامتيازات ما لم يحزه الأنبياء والرسل، ولائاتهم تتوزع على أمريكا وبريطانيا وإيران، ومنهم من يتسم بصفة مزدوج الجنسية، وآخر همومهم بناء الدولة ومؤسساتها. ليس هذا فحسب؛ فأكثر من عانوا من سياستهم هم ناخبوهم، بل عمدوا إلى خطف واغتيال البعض منهم في انتفاضة تشرين، إذ تقترب أعداد الشهداء من الـ 500 شهيد و15 ألف جريحًا ومعاقًا، ليس لشيء لأن ناخبيهم طالبوهم بالتنحي عن السلطة!، وذكروهم بفسادهم وإفسادهم وطائفيتهم.

وعلينا أن نستنتج الآن هل من فارق بين سياسات احتلال الأمس واليوم، غير الاختلاف بالدرجات فقط؟ إذا تبقى الأهداف واحدة بين الأمس واليوم: تمزيق شعوبنا إلى هويات فرعية متطاحنة، وتعميق الطائفية السياسية على حساب المواطنة، وباختصار: غياب الدولة. ويمكن التأكد من هذا الكلام عبر النظر إلى السياسات الأمريكية تجاه العراق: من بداية الحرب العراقية الإيرانية حتى يومنا هذا، ماذا سيرى؟!

عراق ألترا