تحوّلات المسألة الاجتماعية الاقتصادية قبل «الثورات» وبعدها

شهران ago

ورد كاسوحة

المآل الذي انتهت إليه الاحتجاجات الشعبية العربية في هذا العقد كان منطقياً، وهو لم يصل إلى هذه المحطّة بسبب تعقيدات الصراع الإقليمي والدولي فحسب، أو لأنّ وطأة القمع التي ووجهت بها الاحتجاجات كانت من الشدّة بحيث لا يستطيع أيّ حراك شعبي، مهما كانت جذريته، تحمُّلها. حتى في الجزائر والسودان، وهما المحطّتان اللتان استطاعتا الإفلات جزئياً من هذا المصير، بدا أنّ التسوية فيهما تحصل وفقاً لمنطق يعيد إنتاج ليس «النظام نفسه» فقط، بل أيضاً الأوضاع التي سبقت انفجاره. في معظم التجارب التي مرّت بها هذه الدول، سواء لجهة الانتقال السياسي أو لناحية الانهيار الكامل أو الجزئي للمجتمع، كان المنحى الثابت والعام هو باتّجاه المزيد من الانهيارات الاقتصادية وليس العكس. لم تحصل في أيّ دولة مرّت بهذا المنعطف الكبير، الذي بدأ في عام 2011، أي قطيعة فعلية مع أسباب التهميش الاقتصادي أو الاجتماعي التي كانت بالأساس وراء الانفجار الأول في تونس. السياسات النيوليبرالية التي بدأ تطبيقها منذ بدايات الألفية الثالثة، كبديل عن النموذج الاشتراكي، لم يجرِ فعلياً المساس بها في هذه الحقبة، وفي المرّات القليلة التي جرى التراجع عنها، كان ذلك بسبب استمرار الضغط الشعبي، حين كان حضور الطبقات الاجتماعية لا يزال أساسياً، أي في متن الفعل الاحتجاجي نفسه.
انحسار القضية الاجتماعية ــ الاقتصادية
المكاسب التي جرى تحصيلها في هذه الفترة سرعان ما تراجعت، لأنّ انتزاعها لم يترافق مع حصول تغيير سياسي يضعها في سياق محدّد، ويعتبرها أساس أيّ شرعية مقبلة. عدم حصول هذه الفئات التي قادت الاحتجاجات، في البداية، على مقابل فعليّ لقاءَ تضحياتها الكبيرة، جعلها لا تتراجع فحسب، بل تتخلّى كذلك عن القضية الاقتصادية ــ الاجتماعية لمصلحة الجهات التي لم تكن تضعها ضمن أولوياتها. دفع هذا التراجُع بالقوى المحافظة واليمينية التوجُّه، سواء في المؤسسة العسكرية أو في البيروقراطية الحكومية أو حتى ضمن التيارات الليبرالية والإسلاموية، إلى الواجهة، فأصبحت في غياب الجهة المعنية مباشرةً بهذه القضية هي المسؤولة عن تحديد الأولويات، حيث يحتلّ الوصول إلى السلطة بأيّ طريقة وبأيّ ثمن، محور اهتمام هذه الكتلة غير المتجانسة من القوى. بعد هذا الانحسار الواضح للشأن الاقتصادي ــ الاجتماعي، بدأت الانعكاسات بالظهور مباشرة، حيث لم تكن عملية الانتقال السياسي قد انتهت بعد، ولم تكن القوى التي تقود الانتقال قد اتّخذت قراراً باستئناف العمل بالسياسات النيوليبرالية المسؤولة عن كلّ ما حصل. الفوضى التي حصلت نتيجة لغياب المسوِّغ الأساسي للاحتجاج، وعدم وجود مسوِّغات أخرى تبرّر هذا النوع من الصراع بين الجيش والإسلاميين، هي التي أملَت عودة النظام القديم بالشكل الذي نراه الآن في مصر، والذي يعدّ أسوأ بكثير ممّا كان قائماً قبل عام 2011، حين كانت القضية الاجتماعية الاقتصادية تتحرّك ضمن ضوابط معروفة ومتّفَق عليها. حَسْمُ الصراع نهائياً لمصلحة الجيش، وتركيز كلّ السلطة في يده، بما في ذلك القرار الاقتصادي، لم يدع مجالاً لاستئناف العمل بالهوامش التي كانت متاحة سابقاً، والتي كانت تسمح في الحقبة السابقة بحضورٍ للفئات الاجتماعية المهمّشة اقتصادياً، عبر مروحة القوى السياسية والاجتماعية المعارضة التي كانت تمثّلها.
تجربة تونس
حتى في الدول حيث لم يحصل صراع مباشر بين الجيش والإسلاميين، ولم يتراجع فيها حضور الفئات الاجتماعية المهمّشة أو من يمثّلها، بدا أن الانتقال السياسي يميل لمصلحة القوى التي تفضِّل استئناف العمل بالسياسات النيوليبرالية. هذه القوى لم يكن حضور المركَّب الأمني العسكري غالباً عليها، كما في الحالة المصرية، وهو ما سمح بهوامش أكبر للاعتراض، لجهة التصويب على سياسات النهب والإفقار. ولكن هذا التصويب لم يُترجَم طيلة فترة الانتقال إلى فعل سياسي، وبقي في إطار التعبير عن الهامش المتاح به للاعتراض، في إشارة واضحة إلى عجز القوى التي تمثّل هذا الاتّجاه عن مجاراة الوجهة العامة للمرحلة، والتي كانت تصبّ في مصلحة تغليب السياسات النيوليبرالية على ما عداها. على أنّ التجربة التونسية تبقى هي الأفضل على صعيد معارضة هذه السياسات، فقد تميّزت عن نظيرتها المصرية وعن باقي التجارب التي حصل فيها انتقال سلمي للسلطة بحضور النقابات في المشهد العام، عبر الاتّجاه الذي كان يقوده الاتحاد التونسي للشغل. وجود هذا الجسم النقابي الصلب، والذي يعتبر بمثابة شريان حياة للفئات الاجتماعية المهمّشة هناك، نقل الحالة الاعتراضية من مستوى إلى آخر، وسمح لها أحياناً بتشكيل بديل عن قوى اليسار التي وقف ضعفها وتشتُّتها حائلاً دون تشكيلها قوة اعتراض جدية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي أفرزته مرحلة ما بعد الثورة. العلامة الفارقة لهذا الحضور كانت في استمرار الاحتجاجات الجهوية، وفي تشكيلها عامل ضغط على السلطة التي كان قد بدأ الفرز فيها يحصل لمصلحة قوتين أساسيتين («النهضة» و«النداء»)، تمثّلان بوضوح المصالح الطبقية للفئات التي ثار عليها التونسيون. التهميش المتزايد للأطراف التي انطلقت منها شرارة الثورة، كانت هي الوقود لاستمرار هذا الشكل من الاحتجاج، ولكن مع انغلاق السلطة على نحو كامل بعد اكتمال عملية الانتقال بدأت المصالح الطبقية لها بالتشعّب، إلى درجة تخطّت بأشواط ما كانت تمثّله منظومة بن علي بأكملها. حصول هذا الأمر في ظلّ هامش واسع للاعتراض والتنظيم، وفي وجود غالبية شعبية واضحة للثنائية الحاكمة، لم يساعد على انتقال احتجاجات الجهات إلى إطار أوسع للفعل السياسي، لا بل تحوّلت أحياناً مع تبنّي الثنائية لتكتيكات سلطوية انقسامية إلى عبءٍ على المعارضة. هكذا، حُمِّلت هي وليس السلطة مسؤولية «الانقسام السياسي» الحاصل، واعتُبر نشاطها الجهوي بمثابة مشاغبة واعتراض عبثي على الوضع السياسي والاقتصادي الذي تؤيّده الأكثرية بجناحَيها.

لم يعد ثمّة من يقوم بدور التحكيم وهي المهمّة التي كانت منوطة بالجيش سابقاً حين كانت الأطراف المختلفة تلجأ إليه لتسوية خلافاتها
كوابح النظام القديم
كلُّ ذلك، سواء في تونس أو في مصر قبلها، كان يمهّد لاستعادة المبادرة من القوى التي مثّلت طوال هذه الحقبة عصب الاحتجاج حين كان ثمة مسوِّغ اجتماعي ــ اقتصادي فعلي له. أُعيد بهذا المعنى إنتاج الأوضاع السابقة، ولكن من دون وجود هوامش متّفق عليها هذه المرّة، وبحضور أكبر للقوى التي كانت في حقبة النظم هي المحرّك الفعلي للدفع بالسياسات النيوليبرالية. حينها، وبخلاف ما يُعتقد، كان ثمّة كوابح لعمل هذه الفئات، وكانت النظم التي تتهيّأ لتوريث السلطة الواحدة تلو الأخرى، لا تزال تحتفظ بشرعية تمثيل الفئات المهمّشة، سواء داخل المؤسّسات أو على المستوى الاجتماعي، حيث عمل المنظمات والهيئات والاتّحادات الموروثة من الحقبة الاشتراكية. هذه الشرعية المتآكلة، هي التي كانت تعرقل حصول التحوُّل النيوليبرالي بالسرعة التي كانت تريدها الفئات التي بدأت تصعد إلى السلطة على خلفية مشاريع التوريث والإذعان غير المشروط لوصفات المؤسّسات النقدية الرأسمالية. وأحياناً أيضاً، كان المركّب الأمني العسكري في النظم يساعد في هذه العرقلة، كما كانت عليه الحال في مصر مثلاً، ولكن من دون أن يكون ولاؤه بالضرورة مستنداً إلى الشرعية ذاتها، وهي على أيّ حال كانت في طور الأفول، ولم تكن تنفع في إسباغ مشروعية على حراك الأجنحة المختلفة داخل النظم. التعجيل بمشاريع التوريث على ضوء الرغبة في حسم صراع الأجنحة لمصلحة جيل الأبناء، هو الذي أمّن لهذه الفئات الحصّة الأكبر من السلطة ــ والثروة لاحقاً. فالصراع لم يكن أمنياً عسكرياً فقط، بل كان طابعه الأمني ضرورياً لحسم الوجهة الاقتصادية تماماً، عبر إبعاد «الحرس القديم» كلّه، وبالتالي تأمين انتقال آمن تماماً من بقايا المرحلة الاشتراكية إلى الحقبة التي تقرّر أن تكون النيوليبرالية هي وجهتها الوحيدة والأساسية.
تسارع وتيرة الانهيار الاجتماعي
الأفق المتاح لمعارضة هذه السياسات بعد عام 2011، سرعان ما أُغلق مجدداً. ومع إغلاقه، أُعيد العمل بالأجندة التي كانت قد عُرقلت جزئياً قبل اندلاع الاحتجاجات، ولكن تبيّن في هذه المرحلة أنّ العمل بها سيكون أكثر جدّية، مع الاستفادة التي حصلت من انحسار الاهتمام بالمسألة الاجتماعية ــ الاقتصادية لمصلحة الصراع على السلطة بين العسكر والإسلاميين. الفئات المستفيدة من النيوليبرالية، والتي تمثّل امتداداً لمصالح طبقية كبيرة داخل الجيل الجديد من النظم، كانت تنتظر انتهاء هذا الصراع لتعرف من هي الجهة التي ستطبّق هذه السياسات، وتسهر على تنفيذها بشكل أفضل ممّا فعلت أنظمة التوريث سابقاً. لم يعد ثمّة من يقوم بدور التحكيم هنا، وهي المهمّة التي كانت منوطة بالجيش سابقاً حين كانت الأطراف المختلفة تلجأ إليه لتسوية خلافاتها بشأن اقتسام السلطة، عبر التوزيع الذي كان يتولّاه، وتحصل بموجبه التسوية، قبل معاودة اندلاع الخلاف مجدداً. ظلّ هذا الدور قائماً إلى حين انتهاء المراحل الانتقالية، وخصوصاً في مصر، حيث كان ثمة أمل ببقائه خارج الإدارة المباشرة للثروة، والتي سيضطّر بموجبها لأخذ مسافة من الأطراف التي تدفع باتجاه تبنّي السياسات النيوليبرالية على نحو كامل. انتفاء هذا الأمر على ضوء إمساكه الكامل بالسلطة، جعله يلتصق ــ ليس في مصر فقط بل في جلّ التجارب التي عرفت انتقالاً مماثلاً ــ بالفئات التي كان يقوم سابقاً بفرملة اندفاعتها نحو تبنّي سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين. هكذا، حصل تسارعٌ كبير في تنفيذ هذه السياسات، ابتداءً من أواخر عام 2014 حين اكتملت المراحل الانتقالية في هذه الدول، وبدأت نتيجةً لذلك الانهيارات الاجتماعية بالحدوث وفقاً لآلية معينة، حيث يزداد الانهيار ويتّسع نطاقه مع اكتمال منظومة الحكم، سواء كانت عبر الجيش مباشرة، أو من خلال الأحزاب المنتخبة التي تملك الأغلبية، وتمسك بالسلطة عبر الدوائر الطبقية اللصيقة بها. الإمساك بالسلطة على هذا النحو، جعل من كلّ «اللغو» الخاص بالانتقال الديموقراطي لزوم ما لايلزم. فالتمثيل الذي توسّع نطاقه بالفعل، في هذه الفترة، لم يكن بالضرورة يعني حصول الفئات الاجتماعية المهمّشة على نصيبها من الثروة، بقدر ما كان يعبّر عن طبيعة السياسات النيوليبرالية التي تقوم أساساً على الفصل بين الأمرين، عبر تقييد عمل هذه الفئات، وعزلها عن مجالات التأثير الفعلية على السياسات. وهو ما يفسر السرعة الكبيرة في إنجاز الإصلاحات النيوليبرالية، قياساً بما كانت عليه الحال سابقاً، حين كانت تركيبة النظم ومعارضاتها تحول دون ذلك، وتؤجّل لحظة الانهيار الكبير.

* كاتب سوري