السقوط الأخير لليبرالية الاقتصادية الجديدة وانكسار العولمة

شهران ago

منير الحمش

كغيري من المواطنين العرب، أتابعُ باهتمامٍ ما يجري حاليًّا في شوارع بيروت وبغداد والجزائر، وقبل ذلك في السودان، وأستذكرُ ما جرى في تونس والقاهرة ودمشق منذ نهاية العام 2010. وإذا كان الشعار حينذاك هو "إسقاط النظام،" فقد جاءت انتفاضةُ شوارع بيروت وبغداد بإضافاتٍ تحمل في طيّاتها وطأةَ الحياة المعيشيّة على نحوٍ واضح. وذهبتْ ساحاتُ بيروت، بشكلٍ خاصّ، إلى أبعد من ذلك عندما طرحتْ بصراحةٍ مسؤوليّةَ المصارف؛ فكانت تلك الوقفاتُ اللافتة أمام مصرف لبنان رافعةً شعارَ "يسقط حكمُ المصرف،" فضلًا عن وقفات اعتصاميّة أمام بعض المؤسّسات الحكوميّة ومنازلِ بعض رموز الفساد ونهبِ المال العامّ.

عندما هتف المحتجّون اللبنانيون ضدّ حكم المصرف، لم يكن المقصودُ المصرفَ ذاتَه فقط، بل النظام الاقتصاديّ والماليّ والمصرفيّ أيضًا، وهو نظامٌ تحكمه "عقليّةُ المصرف،" بما تعنيه من سياساتٍ يُصرّ المصرفُ الدوليّ والدولُ الأوروبيّة على فرضها، لقاءَ ما يقدّمه من قروضٍ جديدة و"مشوراتٍ" محكومةٍ بتوجّهات الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة وإيديولوجيّتها. فما هي قصّة الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة؟

الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة

بعد الحرب العالميّة الثانية، انتهجتْ معظمُ الدول الأوروبيّة (والولاياتُ المتحدة استمرارًا لسياسة "الصفقة الجديدة" New Deal التي خطّها الرئيسُ الأمريكيّ روزفلت في ثلاثينيّات القرن الماضي) سياساتٍ اقتصاديّةً وازنتْ بين مطالب العمّال والمنظّمات الاشتراكيّة من جهة، ومطالب رجال الأعمال والحكومة من جهةٍ ثانية. وقدّم رجالُ الأعمال تنازلاتٍ مهمّةً برعاية الحكومات. ونتيجةً لذلك، نشأتْ في تلك الدول أنظمةٌ تحت عناوينَ دالّة، مثل "دولة الرعاية أو الرفاه" و"الدولة الحانية" و"الدولة التدخّليّة." وهو ما أشار إلى انتهاج سياسات اقتصاديّة واجتماعيّة غير موالية للأغنياء ورجال الأعمال، وأكثر ميلًا إلى تحقيق العدالة الاجتماعيّة في إطار سياسات "كينزيّة" تداخليّة،[1] بدرجاتٍ متفاوتة، أمكن من خلالها تحقيقُ النموّ والازدهار على مدى ربع قرن، مستفيدةً من الدعم الأمريكيّ لأوروبا الغربيّة، ومن استخدام الطاقة الرخيصة (من النفط العربيّ خصوصًا).

لكنْ، في مطلع العام 1970، بدأتْ علاماتُ أزمةٍ تظهر في الاقتصادات الأوروبيّة والأمريكيّة، وبخاصّةٍ في إنكلترا والولايات المتّحدة. وقد عجزت الكينزيّة عن تقديم الحلول، إذ كانت الأزمة غيرَ مسبوقة بسبب "الركود التضخميّ."

هنا ساد في الساحة الفكريّة صراعٌ بين تيّاريْن: تيّار يدعو إلى تدخّل الدولة في الشأنيْن الاقتصاديّ والاجتماعيّ؛ وتيّار يدعو إلى عدم تدخّلها، بل إلى تحرير الأسواق والأسعار، وانفتاحِ التجارة الخارجيّة، وحريّةِ انتقال رأس المال. وانتقل هذا الصراعُ إلى السياسة: فتبنّى حزبُ المحافظين في إنكلترا التوجّهات الأولى وفاز في الانتخابات وأصبحتْ مارغريت ثاتشر رئيسةً للوزراء (1979)، وتبنّى الجمهوريّون (رونالد ريغان) في الولايات المتّحدة التوجّهاتِ نفسَها وفازوا في انتخابات العام 1980. ومن هنا جاء تعبيرا "الثاتشريّة" و"الريغانيّة" إشارةً إلى سياسة صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ، اللذيْن ترجماها إلى برنامج "إصلاح اقتصاديّ" طرحاه على الدول النامية شرطًا للحصول على القروض، تحت تسمية "التثبيت الهيكليّ،" وكان الهدف إحكام السيطرة الإمبرياليّة على تلك الدول.

جاءت "الثاتشريّة" و"الريغانيّة" إشارةً إلى سياسة صندوق النقد الدوليّ والبنك الدوليّ

وفي نهاية الثمانينيّات، بدأتْ تلوح في الأفق إخفاقاتُ النموذج الاشتراكيّ السوفييتيّ. فتداعتْ ثلاثُ جهاتٍ، مركزُها واشنطن، وهي صندوقُ النقد الدوليّ والبنكُ الدوليّ وحكومةُ الولايات المتّحدة، إلى وضع برنامج اقتصاديّ، جوهرُه الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة، ويهدف إلى مساعدة الدول الاشتراكيّة والدول التدخّليّة على التحوّل نحو اقتصاد السوق. وقد دُعي هذا البرنامج "وفاقَ واشنطن،" وهو يدور حول ثلاثة أمور أساسيّة: 1) حرّيّة التجارة وحرّيّة حركة الأموال. 2) تشجيع القطاع الخاصّ، المحلّيّ والأجنبيّ، لكونه ركيزةَ التنمية. ويتضمّن هذا الأمر الخصخصةَ، بما في ذلك خصخصةُ المرافق العامّة. 3) تخفيض ملموس في دور الحكومة - - وينجم عن ذلك تخفيضُ الإنفاق العامّ، وإلغاءُ الدعم المقدَّم إلى المنتِجين، وتخفيضُ الضرائب على الأغنياء والشركات الكبرى.

وهذه الأمور الأساسيّة الثلاثة تعني باختصار: سوقًا حرّة، واقتصادًا مفتوحًا، وحكومةً صغيرة. وهذا يعني بقاءَ البلد، الذي تضطرّه ظروفُه إلى الاقتراض، تحت هيمنة المؤسّسات الدوليّة ومركز الرأسماليّة العالميّة.

واستكمالًا لنهج "وفاق واشنطن،" يروِّج أنصارُ الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة الالتحاقَ بالعولمة، والاندماجَ بالاقتصاد العالميّ.

سنلقي الآن بعضَ الضوء على الأساس النظريّ لليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة، والعولمة.

1 - الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة. مع سيادة الكينزيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، تراجعت الليبراليّةُ الكلاسيكيّة. لكنّ قسمًا من أتباعها لم يقبلوا طروحاتِ كينز، فأسّسوا عام 1974، بمبادرةٍ من فردريش هايك،[2] "جمعيّة ملبران." وقد زاول بعضُ منتسبيها أعمالهَم في جامعة شيكاغو، ولذا أُطلقتْ تسميةُ "مدرسة شيكاغو" على أعمالٍ شديدةِ التنوّع، لكنْ يجمع بينها الإيمانُ الراسخُ بنظريّة الليبراليّة الكلاسيكيّة الجديدة، وبأنّ السوق الحرّة هي الآليّة الأكثر فعّاليّةً لتوفير الموارد، مع التحفّظ عن تدخّل الدولة في الشؤون الاقتصاديّة. وقد أصبح ملتون فريدمان،[3] الذي درّس في جامعة شيكاغو وعمل فيها، أشهرَ متحدّثٍ باسم هذه المدرسة في الستينيّات والسبعينيّات. وهكذا شهدتْ تلك الفترة انبعاثَ الليبراليّة من جديد، واتُّهمت الكينزيّة بأنّها سببُ تفاقم المصاعب أوائلَ السبعينيّات.

احتلّت "النظريّةُ النقديّة"[4] الصدارةَ في التصدّي للكينزيّة. كما تقدّمتْ تيّاراتٌ ليبراليّة أخرى بوصفاتٍ للاقتصادات التي تواجه المصاعب، وجرى استخدامُ الاقتصاد الجزئيّ الكلاسيكيّ الجديد للإيضاح. وتصدّى أيضًا أنصارُ "الإمبرياليّة الاقتصاديّة الجديدة" لكلّ تدخّلٍ من جانب الدولة في الشأنيْن الاقتصاديّ والاجتماعيّ.

وإلى جانب النظريّة النقديّة، برزتْ حركةٌ فكريّة ارتبطتْ بتغيّرات السياسة الاقتصاديّة الأمريكيّة أيّام ريغان، وعُرفتْ بـ"اقتصاد العرض."[5] وهي قريبة من النظريّة النقديّة، إلّا أنّها تأخذ على النقديين تركيزَهم على المعروض النقديّ لا على الإنتاج والابتكار.

2 – العولمة. مرَّت العولمة بمراحل عديدة، ولكنّ ما يميِّزها اليوم أنّها تحدث وسط ثورة علميّة معلوماتيّة سمحتْ بتواصل البشر على امتداد العالم. كما أنّها تأتي في خضمّ اقتصاد عالميّ تغْلب عليه الأفكارُ الليبراليّة الجديدة، ويميل إلى انفتاح الأسواق وإزالة الحدود بما يسمح بانتقال البضائع والأشخاص، وبتحرّك الشركات المتعدّدة الجنسيّة وتنظيمات الجريمة المنظَّمة.

وقد طُرحت العولمة بعد انهيار الاتحاد السوفياتيّ وفشل تجربته الاشتراكيّة، بشكل خاصّ. فقد صُوّر ذلك الانهيارُ وهذا الفشلُ انتصارًا للولايات المتّحدة، و"نهايةً للتاريخ،"[6] وذلك لِما تمثّله الولاياتُ المتحدة من زعامةٍ للرأسماليّة، ودفاعٍ عن الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة، وحملٍ للواء حقوق الإنسان. وهذا ما جعلها أقدرَ على نهب ثروات الشعوب.

وتحت لواء "العولمة المعاصرة" اتّسعتْ أسواقُ المال، ويجري تداولُ حوالي 2 تريليون دولار يوميًّا في أسواق العالم، وخُمسِ السلع والخدمات  المنتَجة سنويًّا. وهناك أسواقٌ جديدة للنقد الأجنبيّ ورأس المال موصولةٌ بعضها ببعض على الصعيد العالميّ، وتعمل 24 ساعة يوميًّا.

وللعولمة المعاصرة مؤسّساتُها: فهناك الشركاتُ المتعدّدة الجنسيّة، ومنظّمةُ التجارة العالميّة، وصندوقُ النقد الدوليّ، والبنكُ الدوليّ؛ فضلًا عن منظّمات غير حكوميّة وتجمّعاتٍ أخرى تتجاوز الحدودَ الوطنيّة.

وتشير الدراسات، ومنها تقريرُ التنمية البشريّة للعام 1999، إلى أنّ العولمة المعاصرة، خلافًا للشائع، أدّت إلى ركودٍ اقتصاديّ، وتنميةٍ بشريّةٍ منخفضة، وتهميشٍ لبلدانٍ ناميةٍ عديدة. ويستخلص التقرير أنّ العولمة قسّمت الاقتصاداتِ النامية، والاقتصاداتِ التي تمرّ بمرحلة انتقاليّة، إلى اقتصاداتٍ تستفيد من "الفرص" العالميّة واقتصاداتٍ لا تستفيد منها. كما يلاحِظ أنّ المناطق التي لا تستفيد من الفرص مندمجةٌ بشدّةٍ في التجارة العالميّة، أيْ أنّها لم تجْنِ من العولمة سوى الشقاء والفقر.

المفارقة أنّ "العولمة الاقتصاديّة" تنادي بفتح الأسواق والتجارة الحرّة، في حين يعلن دونالد ترامب - تحت وطأة الأزمة الاقتصاديّة في بلاده - عن سياسته الجديدة القائمة على حماية منتجات بلده. وبهذا يضرب بمعوله أهمَّ أسس العولمة الاقتصاديّة. فقد كانت التجارة الحرّة والأسواق المفتوحة مطلبًا دائمًا ورئيسًا للدول الكبرى التي تحتاج إلى أسواق خارجية لتصريف إمكاناتها الإنتاجيّة الكبيرة، في حين أنّ الدول التي تحاول بناءَ اقتصادها كانت ولا تزال تنادي بـ"الحمائيّة" لتحمي إنتاجَها من المنافسة غير المتكافئة مع المنتجات الأجنبيّة.

يضرب دونالد ترامب بمعوله أهمَّ أسس العولمة الاقتصاديّة

مظهرٌ آخر من مظاهر انكفاء العولمة الاقتصاديّة نراه في انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقات التجاريّة الجماعيّة، ومن معارضتها لمعاهدة المُناخ، ومن استخدامها العقوباتِ الاقتصاديّةَ التي تحدّ من حريّة حركة الأموال والبضائع والأشخاص بين الدول (فضلًا عمّا تسبّبه للشعوب من أضرارٍ بالغة).

وباختصار ، فإنّ البشر في عالم العولمة واجهوا العديدَ من التهديدات، لعلّ أهمَّها:

الاضطرابات الماليّة، كما حدث في شرق آسيا (1997)، وفي الولايات المتحدة (2008)، ومن ثمّ في دول أخرى.

- انعدام الأمن الصحيّ، كانتشار الأمراض المعدية، مثل نقص المناعة.

- انعدام الأمن الثقافيّ، نتيجةً لسعي الدول الغنيّة إلى نشر ثقافة الاستهلاك والترفيه، بما يهدِّد التنوّعَ الثقافيّ والتداولَ الحضاريّ للثقافات في العالم.

- انعدام الأمن الشخصيّ. إنّ تحريرَ أسواق رأس المال، وتقدّمَ تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وانخفاضَ كلفة النقل نسبيًّا، تجعل التدفّقات أسرعَ وأسهل؛ وهو ما يروِّج الجريمةَ المنظّمة، ويوسِّع من رقعة الإجرام.

- انعدام الأمن البيئيّ. ويتجلّى ذلك في التدهور البيئيّ المتزايد، الذي يهدِّد حياةَ الناس في أرجاء العالم كافّةً، بسبب إصرار الولايات المتحدة (ومعها الدولُ الصناعيّة الكبرى) على تلويث البيئة.

- انعدام الأمن السياسيّ والمجتمعيّ، الناجم عن المشكلات الاجتماعيّة التي هي من أهمّ المُخْرَجات السلبيّة للسياسات الاقتصاديّة الانفتاحيّة.

السقوط الأخير لليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة

لقد روّجت النيوليبراليّة أنها ستحقّق نموًّا اقتصاديًّا أسرع، وأنّ الفوائد سوف "تتساقط إلى الأسفل،" فيصبح الجميعُ  - بمن فيهم الأكثرُ فقرًا - في حالٍ أفضل. واشترطتْ لتحقيق ذلك أن يَقبل العمّالُ بأجورٍ أقلّ؛ كما اشترطتْ أن يقبل الناسُ عمومًا بتخفيض مستوى الخدمات الاجتماعيّة ، وتخفيضِ الإنفاق على الصحّة والتعليم وغيرِ ذلك من عناصر البرنامج الذي سبقت الإشارةُ إليه.

ولكنْ عند مراجعة نتائج هذه السياسات على مدى أربعين عامًا، يرى استجلتز ما يأتي:[7] "لقد تباطأ النموّ، وذهبتْ ثمارُه - في الأغلب - إلى حفنةٍ قليلةٍ جدًّا عند القمّة. ومع ركود الأجور، وارتفاعِ سوق الأوراق الماليّة إلى عنان السماء، تدفّقت الدخولُ والثرواتُ إلى الأعلى بدلًا من تساقطها إلى الأسفل." ونتيجةً لذلك شعر المواطنون العاديّون - بحقّ - أنّهم وقفوا ضحيّةً لعمليّة نصب.

ويتابع استجلتز في رؤيته لما يجري اليوم: "نحن نشهد الآن العواقبَ السياسيّة المترتّبة على هذا الخداع الأخير: انعدام الثقة في النخب؛ انعدام الثقة في علوم الاقتصاد التي استندتْ إليها النيوليبراليّة؛ انعدام الثقة في النظام السياسيّ الذي أفسده المال..."

 

خاتمة

مشكلتُنا مع الليبراليين الاقتصاديين الجدد أنّهم يعيشون حالةَ إنكارٍ كاملةً: إنكارٍ لشوائب نظريّتهم، وإنكارٍ للنتائج الكارثيّة التي نجمتْ عن التعسّف في تنفيذ برامجهم الإصلاحيّة.

وقد تكشّفت الأسبابُ العميقةُ لربط المشروع الأمريكيّ للسيطرة على منطقتنا بالتحوّل إلى "اقتصاد السوق." فقد حرصت الولاياتُ المتّحدة على تحوّل البلدان المستهدَفة إلى هذا النوع من الاقتصاد لكونه يخلق الظرفَ الموضوعيَّ لانضواء هذه البلدان تحت عباءة المشروع الاستعماريّ؛ فهي تريد لتحقيق مشروعها دولًا فاشلة!

هذا، وقد حدّدت استراتيجيّةُ الأمن القوميّ الأمريكيّ المبادئَ الاقتصاديّة للولايات المتّحدة في "تعزيز النموّ والحرّيّة الاقتصاديّة خارج حدود أمريكا، وستَستخدم تعاونَها الاقتصاديّ مع دولٍ أخرى من أجل تأكيد فوائد السياسات الاقتصاديّة، باتخاذ الإجراءات التالية: 1) انتهاج سياسات تنظيميّة وقانونيّة تدفع النموَّ، وتشجِّع الاستثمار والاختراعَ والنشاطَ المقاولاتيّ. 2) وضع سياسة ضريبيّة، لا سيّما معدّلات ضرائب مخفضة، تؤدّي إلى تحسين الحوافز على العمل والاستثمار. 3) تبنّي أنظمة ماليّة قويّة تسمح بالاستخدام الأكثر فعاليّةً لرأس المال. 4) التجارة الحرّة التي تفتح آفاقًا جديدة للنموّ، وتعزِّز نشرَ التكنولوجيا والأفكار التي تزيد من الفرص الإنتاجيّة." ويأتي ذلك انطلاقًا من أنّ "اقتصاديّات السوق، وليس اقتصاديّات الرقابة والتحكّم الحكوميّ، هي السبيلُ الأفضل للازدهار وتقليصِ معدّلات الفقر."[8]

وهذا ما أثبتتِ الوقائعُ فشلَه، إذ لم ينجم عن الأخذ بهذه التوجّهات سوى البطالة المرتفعة والتوزيع المتفاوت للدخول. وهاتان النتيجتان قادتا إلى تهديد التماسك الاجتماعيّ وتشجيع الاضطراب والتمرّد. وهذا ما تشهده الشوارعُ والساحاتُ في البلدان العربيّة، وفي دول أمريكا اللاتينيّة. وهو يشير في الوقت ذاته إلى سقوط الليبراليّة الاقتصاديّة الجديدة وانكسار العولمة.

دمشق

 

[1] نسبةً إلى البريطانيّ جون ماينرد كينز (1881 - 1946)، وقد أصدر سنة 1936 كتابَه الشهير النظريّة العامّة للتشغيل والفائدة والنقد، الذي دفعه إلى الصفّ الأول من اقتصاديّي العالم. تتمثّل نظريّةُ كينز، على نحو خاصّ، في دعوته إلى تدخّل الدولة في الشأن الاقتصاديّ في حالات الكساد وعند إحجام الأفراد عن الاستثمار. ونادى بزيادة الإنفاق العامّ في مجال الخدمات والأشغال العامّة لاستيعاب البطالة وخلق دخول نقديّة كي تتسنّى زيادةُ الطلب، وإنْ أدّى ذلك إلى العجز في الموازنة العامّة للدولة.

[2] فريد ريش هايك (1899 – 1992): اقتصاديّ ومنظّر نمساويّ بريطانيّ، عُرف بدفاعه عن الليبراليّة الكلاسيكيّة والرأسماليّة القائمة على أساس السوق الحرّة، وانتقد الفكرَ الاشتراكيّ وفكرَ كينز. حاصل على جائزة نوبل في العلوم الاقتصاديّة.

[3] ملتون فريدمان (1912 – 2006): اقتصاديّ أمريكيّ فاز بجائزة نوبل في العلوم الاقتصاديّة عام 1976 لإنجازاته في تحليل الاستهلاك والمعروض النقديّ، ونظريّته في شرح سياسة التوازن. بعد عشرين عامًا من ظهور الكينزيّة، اقترح إعادةَ الاعتبار إلى النظريّة الكمّيّة للنقد.

[4] تُنسب هذه النظريّة إلى جان بودان (القرن السادس عشر)، الذي كان يرى أن تدفّق الذهب والفضّة من العالم الجديد هو السبب الرئيس في ارتفاع الأسعار. ثمّ قام الفيلسوف الإنكليزيّ ديفيد هيوم في منتصف القرن 18 بصياغتها. ويعتبر هيوم أحد أكبر منظّريّ الليبراليّة الحديثة، والملهِمَ الرئيسَ لآدم سميث، وأصبحت النظريّة النقدية جزءًا أساسيًّا من النظريّة الكلاسيكيّة.

[5] يستند اقتصاديّو العرض على قانون المنافذ الذي صاغه "ساي" عام 1803، وينصّ على أنّ إجماليّ العرض يخلق الطلب. ويرى هؤلاء أنّ الطلب على النقد ينشأ عن طريق إنتاج السلع، ويعتقدون أنّ ركودَ الإنتاج ينجم إلى حدٍّ كبير عن النظام الضريبيّ الذي يقضي على المبادرة.

[6] عنوان كتاب صدر عام 1989 بعد ظهور بوادر التغيير في الاتحاد السوفياتيّ. والكاتب هو فرنسيس فوكوياما، وهو مفكّر سياسيّ اقتصاديّ أمريكيّ (يابانيّ الأصل) شغل عدّة مناصب في الإدارة الأمريكيّة، واعتبر أنّ انهيار الاتحاد السوفياتيّ انتصارٌ للولايات المتّحدة وللرأسماليّة، وأنّ ذلك هو نهاية التاريخ. وقد تراجع فوكوياما بعد ذلك عن آرائه.

[7] اقتصاديّ أمريكيّ، حائز جائزةَ نوبل سنة 2001. عمل مستشارًا للرئيس كلينتون، ثمّ رئيسًا لمستشاري البيت الأبيض. كما عمل نائبًا لرئيس البنك الدوليّ. يشغل الآن منصبَ أستاذ في جامعة كولومبيا، وكبير خبراء معهد روزفلت. والاقتباس عن مقالة له نُشرتْ في 4/11/2019 في جريدة غارديان بعنوان "نهاية النيوليبراليّة: التاريخ يولد من جديد."

[8] سلسلة قضايا استراتيجيّة، المركز العربيّ للدراسات الاستراتيجيّة، دمشق، العدد 26، أيّار/مايو 2003.

الآداب