الانتخابات المبكرة.. بين المرجعية والدستور والجدوى

شهران ago

زياد وليد

لم تكن الانتفاضة العراقية في انطلاقتها مطلع تشرين الأول/أكتوبر واضحة المطالب، كما لم تحمل شعارًا غير عاطفي، على شاكلة "نريد وطن محترمًا .. نازل آخذ حقي" إلخ.. كانت انتفاضة غضب غير موجهة إلا صوب العملية السياسية برمتها، لكن سرعان ما عادت الموجة الثانية في الخامس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، بعد موجة من العنف المفرط ضد المتظاهرين، وترتبت أوراق المتظاهرين شيئًا فشيئًا وحُدد الهدف.

 

سرعان ما تحددت فوضى الشعارات بأربعة مطالب تتمحور حول استقالة عبد المهدي وسن قانون انتخابات عادل وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة ثم حل البرلمان وتنظيم انتخابات مبكرة بإشراف أممي

رفع المتظاهرون شعارات تُطالب بحل البرلمان والحكومة، وطالبوا بانتخابات مبكرة، فيما ذهب آخرون لتعطيل العمل بالدستور، وآخرون لحكومة طوارئ وما شاكل، وهي مطالب تُرفع على شاشات التلفاز أثناء تجول المراسلين، وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن فوضى الشعارات سُرعان ما تحددت بأربعة مطالب لخصها معتصمون عبر بيانات، كما حدث في بغداد والنجف، وعبر اللافتات، ثم استحالت إلى وعي عام، يردده المتظاهرون على شاشات التلفاز وفي مواقع التواصل وفي ساحات الاعتصام. كانت المطالب تتمحور حول استقالة عبد المهدي وسن قانون انتخابات عادل وتشكيل مفوضية انتخابات مستقلة ثم حل البرلمان وتنظيم انتخابات مبكرة بإشراف أممي.

بعد استقالة عبد المهدي، انشغل المتظاهرون بقانون الانتخابات ورئيس الوزراء الجديدة؛ لكن المرجعية الدينية في النجف أعادت في العشرين من شهر كانون الأول/ديسمبر 2019 الحديث إلى أصله: الانتخابات المبكرة.

خلافًا لكل الخطب السابقة، قالت المرجعية في الخطبة المذكورة، على لسان أحد وكلائها، إن "أقرب الطرق وأسلمها للخروج من الأزمة الراهنة، وتفادي الذهاب إلى المجهول أو الفوضى أو الاقتتال الداخلي، هو الرجوع إلى الشعب بإجراء انتخابات مبكرة، بعد تشريع قانون منصف لها، وتشكيل مفوضية مستقلة لإجرائها، ووضع آلية مراقبة فاعلة على جميع مراحل عملها تسمح بإعادة الثقة بالعملية الانتخابية".

وهذه المرة الأولى التي تُطالب المرجعية بإجراء انتخابات مُبكرة، ربما لأن قانون الانتخابات طُرح بشكلٍ جدي وتم التصويت على بعض مواده، وتأجل التصويت على المواد الخلافية، وقد أشارت المرجعية إلى "تعرقل إقرار قانون الانتخابات إلى اليوم وتفاقم الخلاف بشأن بعض مواده الرئيسة"، لذلك شددت على "ضرورة الإسراع في إقراره، وأن يكون منسجمًا مع تطلعات الناخبين، يقرّبهم من ممثليهم، ويرعى حرمة أصواتهم ولا يسمح بالالتفاف عليها"، محذرة من أن "إقرار قانون لا يكون بهذه الصفة لن يساعد على تجاوز الأزمة الحالية".

الخزعلي وتخوين المطلب

رغم الحديث السياسي عن الانتخابات المبكرة، عبر تصريحات النواب الإعلامية وبياناتهم، وكذلك تبني كتلة سائرون هذا المطلب منذ الأيام الأولى للاحتجاج، بل أن النائب عن كتلة "صادقون" أحمد الكناني صرح بموافقة كتلته على تنظيم انتخابات مبكرة، كما أيد زميله نعيم العبودي الذي تحدّث عن "توافق بين الكتل على حكومة مؤقتة تهيء لانتخابات مبكرة"، إلا أن ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي أعادوا تغريدة لزعيم عصائب أهل الحق وكتلة صادقون قيس الخزعلي في 11 تشرين الثاني/نوفمبر، قال فيها إن "مشروع الانتخابات المبكرة هو مشروع أمريكي بالأساس يُراد إحياؤه رغم أن المرجعية الدينية رفضته سابقًا عندما أكدت على الانتخابات الدورية".

 

 قال قيس الخزعلي إن "مشروع الانتخابات المبكرة هو مشروع أمريكي والمرجعية الدينية رفضته"، لكن المرجعية قالت في خطبتها الأخيرة إن "أقرب الطرق للخروج من الأزمة هي الانتخابات المبكرة"

قبل يومين من خطبة الجمعة، عاد الخزعلي للحديث عن الانتخابات المبكرة  في تصريح لقناة الجزيرة، قال فيه إن "إجراء انتخابات مبكرة في ظل استقالة الحكومة والوضع الأمني غير المستقر، مخاطرة كبيرة قد تدفع إلى حرب الأهلية".

الناشطون أعادوا هذه التغريدة والتصريح الأخير إلى الواجهة، بعد موقف المرجعية الدينية الواضح في دعوتها لانتخابات مبكرة، التي وصفتها كحل "أقرب وأسلم" لمنع انزلاق البلاد إلى حرب أهلية. واعتبر الناشطون دعوة السيستاني بمثابة إحراج للخزعلي، وتساءلوا إن كانت المرجعية مشتركةً بالمؤامرة الأميركية؟!

المرجعية تُرجّح الكفّة

بدوره، وجه السياسي المستقل غالب الشابندر، كلمة عبر تويتر للمتظاهرين، قال فيها إن "مرجعية النجف الأشرف وقفت بجانب الشعب ضد قادة في داخل العراق وزعماء متألهين في خارجه قالوا إن ما يجري مؤامرة وقالوا عنكم فوضويون لأنهم منتفعون وبسلاحهم قادرون على قمعكم".

فيما رأى السياسي العراقي حيدر الملا أن التحالف بين المتظاهرين والمرجعية "أسقطت الأجندات الإقليمية"، مشيدًا بموقف المرجعية "الداعم للمتظاهرين ولمطلبهم المتمثل بعدم تدوير الوجوه".

وحدد ائتلاف النصر، المؤيد الدائم لانتخابات مبكرة بإشراف أممي، عدة مشاكل يتحملها البيت الشيعي، وقالت المتحدثة باسم الائتلاف آيات مظفر في بيان تابعه "ألترا عراق"، إن "الكرة الآن رميت في البيت الشيعي وكتله الخمس الكبيرة". واعتبر مظفر الانتخابات المبكرة "مشكلة ثالثة" للبيت الشيعي، بالتوافق مع باقي الكتل، ولكن ليس على حساب الشارع العراقي".

كما طالب رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم، إلى الأخذ بخارطة الطريق التي رسمتها المرجعية في بيانها خلال خطبة الجمعة، لأنها "تمثل الطريق الآمن للخروج من الأزمة الحالية والعبور بالبلاد إلى بر الأمان".

الانتخابات المبكرة دستوريًا

أشارت المرجعية إلى أنها "تأمل أن لا يتأخر طويلًا تشكيل الحكومة الجديدة، التي لا بد من أن تكون حكومة غير جدلية، تستجيب لاستحقاقات المرحلة الراهنة، وتتمكن من استعادة هيبة الدولة وتهدئة الأوضاع، وإجراء الانتخابات القادمة في أجواء مطمئنة بعيدة عن تأثيرات الجانبية للمال أو السلاح غير القانوني وعن التدخلات الخارجية"، في الوقت الذي يشكك متابعون ومتظاهرون من إمكانية إجراء الانتخابات المبكرة، واحتمالية تملص الكتل السياسية من ذلك، بالإضافة إلى القضايا القانونية.

 

لا وجود لحكومة مؤقتة أو انتقالية في الدستور العراقي، لكن الأمر يتعلق بحل البرلمان، وذلك وفق المادة 64 من الدستور بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، ويتم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة

ووسط الحديث عن حكومة تُمهد للانتخابات، يقول القانوني فؤاد العايدي، إنه "لا وجود لحكومة مؤقتة أو انتقالية في الدستور العراقي"، لكن الأمر يتعلق بحل البرلمان، وذلك وفق المادة 64 من الدستور، "بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، ويتم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة"، كما يُمكن حل البرلمان، بحسب القانوني، عبر "طلب من رئيس الوزراء يصادق عليه رئيس الجمهورية وبموافقة أغلبية مجلس النواب، وبذلك ستُعتبر الحكومة مستقيلة تلقائيًا".

أوضح العايدي في حديث لـ "ألترا عراق"، أن في هذه الحالة "يُحدد رئيس الجمهورية 60 يومًا لانتخابات عامة في البلاد، كما يجب أن تعطي الحكومة إشعارًا لرئاسة الجمهورية بأنها مستعدة لإجراء الانتخابات".

في ذات السياق، يقول الخبير في شؤون الانتخابات مهند الكناني، إن "الدستور العراقي حدد آلية إجراء الانتخابات دون أن يُحدد أسبابها، وذلك من خلال حل مجلس النواب"، وفق الطريقتين المذكورتين آنفًا. ويوضح الكناني أن "في كلا الحالتين لا يجوز حل البرلمان أثناء استجواب رئيس الوزراء، وفي حال حل البرلمان تتوقف الحكومة عن ممارسة مهامها بأستثناء تصريف الأعمال اليومية، وبذلك يتوجب على رئيس الجمهورية الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة خلال مدة أقصاها 60 يومًا من تاريخ حل مجلس النواب".

يؤكد الكناني في حديث لـ "ألترا عراق" أن "في هذه الحالة فقط حدد الدستور آلية إجراء الانتخابات، وحدد السقف الزمني لإجرائها، إلا أنه لم يدخل في تفاصيل وآليات الإجراءات التفصيلية، كونه اعتبر أن القوانين الانتخابية معدة سلفًا، وأن الجهة المعنية بإدارة الانتخابات جاهزة لذلك".

شدد الكناني على "عدم جواز الدعوة إلى إجراء انتخابات مبكرة إلا بعد إكمال البنى التحتية من تشريعات وأدوات لإجرائها".

جدوى الانتخابات المبكرة

ربما كانت المطالبة بحل البرلمان كبيرة على مستوى التظاهرات والشارع العراقي عمومًا، لكنها تعززت أكثر بعد فشل مجلس النواب باستجواب عبد المهدي أو تقديم شيء ملموس للاحتجاجات. ومن هنا انطلق المتظاهرون بمطلب حل البرلمان، ترافق معه تدريجيًا مطلب الانتخابات المُبكرة.

ولعل المرجعية تعلم أن الانتخابات المبكرة بحد ذاتها لا تعني شيئًا دون التنظيم، فأشارت إلى "ضرورة أن تنظم النخب الفكرية والكفاءات الوطنية الراغبة في العمل السياسية صفوفها، وتعد برامجها للنهوض بالبلد، لكي تكون على استعداد لعرضها على الناخبين في أوان الانتخابات، وذلك فور إقرار قانونها".

 

حيدر سعيد: الانتخابات المبكرة لعبت دورًا سلبيًا في السابق، كما أن الحركة الاحتجاجية لم تفرز أي كيان سياسي وفي حال إجراء أن انتخابات فسيفوز الكيان المنظم

وتؤكد الحلقات المقربة من بيت المرجع السيستاني على ضرورة أن "يُشارك الشباب في الفعل السياسي، ولا يتركوه للأحزاب المألوفة".

لكن في ذات السياق، يرى الباحث حيدر سعيد أن "الانتخابات المبكرة لعبت دورًا سلبيًا في السابق، كما أن الحركة الاحتجاجية لم تفرز أي كيان سياسي".

ويضيف: "في حال إجراء أن انتخابات فسيفوز الكيان المنظم، أي عودة لنفس الكتل البرلمان، والانتخابات في هذه الحال ليست حلًا، بل إنها ستضفي الطابع الشرعي للكتل السياسية، كما سيصعب من الخروج عليها مسقبلًا".

عراق ألترا