إيران تعترف - بعد إنكار - بإسقاط طائرة الركاب الأوكرانية... وماذا أيضا؟

إسقاط الطائرة الإيرانية
شهر واحد أسبوعين ago

علاء اللامي*

إسقاط القوات الإيرانية لطائرة الركاب الأوكرانية مأساة إنسانية كبيرة ومدانة، راح ضحيتها 176 راكبا بمن فيهم طاقمها. وهي خطأ فظيع ومؤشر عملي على هشاشة المؤسسة العسكرية الإيرانية، أما إنكار السلطات للمسؤولية الإيرانية عن هذه المأساة لعدة أيام بعد وقوعها فيكشف عن خلل كبير في منظومة القيادة الإيرانية. أيا يكن المر فقد اعترفت إيران أخيرا بمسؤوليتها، ووضعت الحادث في سياق المجابهة مع الولايات المتحدة الأميركية ومغامراتها في المنطقة... وبغض النظر عن حجج إيران، التي لا تخلو من النفحة التبريرية، ولكنها لا تخلو أيضا من الصحة حين ينظر إلى هذه الحادثة المأساوية في سياق العدوان المستمر الذي تشنه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون على شعوب المنطقة، وخصوصا على العراق، وخصوصا في سياق عدوانها الأخير والجريمة التي ارتكبتها على الأراضي العراقية، والرد الإيراني عليها، فإن المراقب المنصف للأحداث لا ينبغي له أن يحجم عن نقد إيران وتحميلها المسؤولية المباشرة عما حدث، ولكنه أيضا مدعو لتذكر الكوارث المشابه التي ارتكبتها القوات الأميركية في المنطقة وضد الطائرات المدنية وأشهرها مأساة إسقاط البحرية الأميركية لطائرة ركاب الخطوط الجوية الإيرانية (الرحلة رقم 655 (، وهي طائرة نقل جوي مدني كانت تنقل نحو 290 راكبا، يوم 3 يوليو عام 1988، إلا أن القوات البحرية الأمريكية أسقطتها ما تسبب بمقتل جميع الركاب، وغرق حطامها وأشلاء الضحايا في مياه الخليج العربي.

لقد سكتت الإدارة الأميركية عن هذا الحادث المأساوي، بل ورفضت الاعتراف بمسؤوليتها عنه، فرفعت إيران شكوى إلى محكمة العدل الدولية ضد الولايات المتحدة في عام 1989، وبعد سبع سنوات، أي في فبراير 1996 وافقت الولايات المتحدة على دفع مبلغ 131.8 مليون دولار لإيران من أجل وقف الدعوى، ولم تعلن عن تحملها مسؤولية اسقاط الطائرة.

ومن المعلومات المهمة والموثقة بهذا الصدد نذكر: لقد أسقطت الطائرة الإيرانية بصاروخين من السفينة الحربية الاميركية "يو أس أس وينسس" التي دخلت مياه إيران، وأمر قائدها "ويل روجرز" بإطلاق صاروخين من طراز ستاندارد 2 نحو الطائرة، فأصاب أحد الصواريخ الطائرة ودمرها وقتل من فيها.

عللت السلطات الأمريكية ما حدث بـ "خطأ تقديري"، وقالت إن القوات البحرية الأمريكية اعتقدت أنها كانت طائرة عسكرية إيرانية من طراز "إف-14". وهذا يكشف واحد من ثلاثة أمور أو كلها معا: كذب السلطات الأميركية، أو هشاشتها العسكرية والمخابراتية أو وضاعة قادتتها الأخلاقية.

وفي فبراير 1996، وافقت الولايات المتحدة على دفع مبلغ 131مليون وثمانمائة ألف دولار لإيران من أجل وقف الدعوى التي رفعتها إيران عام 1989 ضد الولايات المتحدة في محكمة العدل الدولية. كما أعربت عن أسفها للخسائر في الأرواح البشرية، بدون أن تعتذر رسمياً عن ذلك لإيران أو لذوي الضحايا.

وبعد أقل من سنة، أي في سنة 1990، منحت إدارة جورج بوش الأب وليام روجرز قائد السفينة الحربية التي أسقطت الطائرة الإيرانية وسام الاستحقاق الأمريكي، (بسبب حسن تصرفه وتنفيذ خدمات متميزة في فترة تولى مسئوليته في وينسس بين أبريل 1987 ومايو 1989) وفي مراسم احتفال منحه الوسام، لم تتم الإشارة إلى جريمة إسقاط الطائرة الإيرانية ومقتل ركابها...

التذكير بهذه المأساة المروعة مفيد لمن يريدون فعلا تنشيط ذاكرة وحاسة الإنصاف والشعور الإنساني بالعدالة والكرامة وأخذ صورة متوازنة وعادلة عن المأساة الأخيرة وظروفها هي ومثيلاتها ووضع هذه المآسي في سياق العدوانية الإمبريالية الغربية المعادية لشعوبنا منذ أكثر من قرن وحروبها الإبادية المستمرة ضدها!