مستشار رئيس الوزراء يهيل آخر حفنة تراب على خرافة "الاتفاقية الصينية"! ج1

كتاب للبنك المركزي العراقي
6 أشهر أسبوعين ago

علاء اللامي

*أدلى د. مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء بمعلومات مهمة حول ما سمي "الاتفاقية العراقية الصينية"، والتي كثر الكلام والترويج لها في الأيام الأخيرة. وقد أكد د. صالح أغلب ما قلته حول هذه الاتفاقية في مقالتي التي نشرتها قبل ثلاثة أيام، وما قاله غيري في مقالات كثيرة. إن معلومات د. صالح التي أدلى بها في لقاء تلفزيوني مع قناة "الفرات"، وقد نشر موقع القناة أكثر من تقرير عنها سنلخص أهم ما ورد فيها على لسان المتحدث. ولكننا سنبدأ من مقالة أخرى للدكتور صالح نشرها في الشهر الماضي، وأطلق فيها على الاتفاقية المذكورة عبارة (اتفاق إطار التعاون مع الصين) وهذه العبارة قريبة من عبارة استعملها محافظ البنك المركزي العراقي الذي سماها في كتاب رسمي له / الصورة " اتفاقية إطارية "، وهذه العبارات لا تعني "اتفاقية" بالمعنى السائد للاتفاقيات بل هي مذكرة تفاهم أو مبادئ عامة للتعاون مرفقة بـ "ملاحق بروتوكولية مالية ونفطية" تم التوقيع عليها.
*يؤكد د. صالح في اللقاء التلفزيوني المذكور أن من طرح موضوع التعاون مع الصين هو حيدر العبادي في زيارته الى الصين سنة 2015 كانون الأول، وكان عبد المهدي عضوا في الوفد بصفته وزيرا للنفط آنذاك، ولكن د. صالح يبدو وكأنه يحاول أن يعطي لعبد المهدي دورا أو حصة أكبر من حجمه، علما بأنه استقال بعد تلك الزيارة من منصبه . فيقول د. صالح (في كانون الاول 2015 ذهب وفد رفيع المستوى الى الصين برئاسة حيدر العبادي رئيس الوزراء السابق وأعضائه من ضمنهم وزير النفط آنذاك عادل عبد المهدي، وقعت مذكرات تفاهم وواحدة منها مبادرة الحزام والطريق بالتشارك، ومن عمل على هذا الاتفاق عبد المهدي نضج اتفاق الذي هو أقرب الى النفط مقابل البناء والاعمار).
*واضح من هذا الكلام أن الموضوع لا علاقة له بعبد المهدي فكرة وتأسيسا ومتابعة، وأنه لا يتعلق بالاتفاقية شاملة وتامة آنذاك بل بالتوقيع على ملاحق خاصة بالاتفاقية الأولية السابقة. ويبدو أن ربط هذا الاتفاق الإطاري بعبد المهدي قام به في الأيام الأخيرة من يحاولون الإبقاء عليه في منصبه وتراجعه عن استقالته حتى إجراء الانتخابات بعد ان فشلوا بإمرار أحد رجال كتلهم الفاسدة إلى المنصب، وهذا أمر لا اعتقد انه سيتم لأن إعادة هذا الرجل إلى منصبه هي إهانة كبرى لشهداء الانتفاضة الذين يقترب عددهم من الستمائة شهيد وهو قتل جديد لهم لا أظن أن الشعب العراقي وذوي الشهداء خصوصا سيسمحون بحدوثه حتى لو حدثت ألف مصالحة وتظاهرة مشتركة بين الصدر وزعماء المليشيات التي أطلق عليها ذات يوم اسم "المليشيات الوقحة" بل سيكون واحدا منها.
*أما مبادرة الحزام والطريق بالتشارك (Belt and Road Initiative) التي ذكرها د. صالح، فهي - للعلم - مبادرة صينية أطلقتها الصين إلى العالم وخصوصا الى بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية سنة 2013، وليس اسما للاتفاق العراقي الصيني، واستلهمت الصين اسم مبادرتها هذه من اسم "طريق الحرير" القديم وبعد سنتين قررت الحكومة العراقية الدخول فيها وعقد بعض العقود مع الصين على أساسها. وحتى هذا الاتفاق الأولي الذي وقعه العبادي، لم يعرض أيضا على مجلس النواب ليصادق عليه، لأنه ليس اتفاقية عادية متكاملة بل عُرض على الحكومة وأقرته. ويضيف السيد المستشار أنه استمر شخصيا بالعمل على اتفاق المبادئ مع فريق من الخبراء العراقيين بعد استقالة وزير النفط عبد المهدي، حتى أنضجوه وأضاف (والتقينا مع الجانب الصيني الممثل بالوكالة الحكومية الصينية لضمان الاستثمار والائتمان "ساينو شور" وأصبح الاتفاق في إطار التعاون ويتضمن ان العراق يصدر كميات من النفط وتودع أموالها في صندوق خاص بالمقابل تنفذ الشركات الصينية مشاريع على ارض بالاتفاق بين الطرفين، وقد عرض هذا الاتفاق على مجلس الوزراء في زمن العبادي وتمت المصادقة عليه في آذار 2018) فماذا فعل عبد المهدي والمدافعون عنه حقا وباطلا ليستولي على جهود الحكومة السابقة ورئيسها وليلصق الاسم به ثم ليستعملوه كبعبع أخاف أميركا فتحركت لإسقاط عبد المهدي بواسطة انتفاضة تشرين التي قتلوا وجرحوا خلالها آلاف العراقيين؟ لا شيء يذكر سوى زيارته مع وفد كبير لتوقيع بروتوكول مالي ونفطي وعدد من المشاريع التي لم يكشف عن تفاصيلها هذا إذا كان لها وجود أصلا.
*في لقاء تلفزيوني آخر مع فضائية "العراقية" الرسمية، يسأل المذيع د. صالح سؤالا محددا هو " هل هذه اتفاقية أم مذكرة تفاهم؟" فيرد د. صالح بأن ما وقع في زمن العبادي هو مذكرة تفاهم واستمر العمل عليه في زمن الحكومة السابقة (حتى تحول إلى "إتفاق إطار التعاون" وهذا الاتفاق أعلى من مذكرة التفاهم الموقعة وأقل من الاتفاقية. هذا الاتفاق يحتاج إلى مصادقة مجلس الوزراء وهو يحتاج إلى ملحقين تفصيليين نفطي ومالي وهذان الملحقان تم التوقيع عليهما في زيارة عبد المهدي الأخيرة الى الصين).
*لنقرأ ما كتب السيد المستشار في مقالته المشار إليها/ الرابط 2 (في موازنة 2019 وضع بند بقيمة 1.1 مليار دولار بالاتفاق على اتفاق "ساينو شور الصينية"، ومجلس النواب اطلع على جميع المعلومات، وعند زيارة عبد المهدي الى بكين تم توقيع على ملاحق للاتفاق "ملحق حسابي ونفطي"، وتم التوقيع على الملحقين من قبل وزير المالية فؤاد حسين وشركة سومو النفطية). وهذا كلام صحيح فلم تكن هناك اتفاقية بخمسمائة مليار أو حتى بعشرة مليار دولار أغضبت واشنطن فقررت الإطاحة بعبد المهدي، بل هي ملاحق مالية ونفطية محدودة وملحقة بالاتفاقية الأولية التي وقعها العبادي ولم يعرضها على مجلس النواب كما قلنا، وتتعلق بمجموعة من مشاريع البنية التحتية التي ستنفذ بطريقة شبيه بعض الشيء بتلك التي حاول نوري المالكي عقدها مع كوريا الجنوبية وسميت بالدفع بالآجل والتي أجهضتها الأحزاب والتيارات السياسية المعادية له في "تحالف أربيل" حتى لا يربح من خلالها سياسيا على حسابهم حتى أسقطوه. أما مبلغ العشرة مليارات فهو قمة الخط الائتماني في الصندوق المشترك لمدة عشرين عاما وليس مبلغ عقود أبدا.
*أشار د. صالح إلى أن البرلمان سيصوت على الاتفاقية ولكن ليس كإتفاقية بل على مشروعين فيها تم إدراجهما في موازنة 2020 وحين يصادق البرلمان على الموازنة ربما سيعتبرون الاتفاقية الإطارية قد تمت المصادقة عليها وهذا لعب بالألفاظ واحتيال صريح لا اعتقد انهم سينجحون بتمريره ليمرروا بعده عشرات المشاريع المشبوهة والغامضة في دولة ينخرها الفساد.
*وفي حديثة مع العراقية قال د. صالح أن البرلمان كان قد صادق على مبلغ مليار ومائة مليون دولار ضمن موازنة 2019 وكانت هذه هي البداية لانطلاق المرحلة التنفيذية للاتفاق الإطار.
*العقود الجديدة وطريقة الدفع وفق "الاتفاقية الإطارية" مع الصين يشوبها الغموض، وتحيط بها الكثير من علامات الاستفهام، فطريقة التعامل والدفع والمشاركة ليست بعيدة عن طريقة التعامل مع صندوق البنك الدولي سيء الذكر وهذا ما يعترف به د. صالح في مقالته السالفة الذكر حين يقول (يشارك العراق الصين عند تحصيل القروض توفير بتمويل قدره ١٥٪ على غرار قروض البنك الدولي أو غيره، وتمول حصة العراق آنفا من حساب الاستثمار وتودع في حساب آخر ضمن الحسابات الاربع يسمى (repayment account) لقاء قرض بنسبة ٨٥٪ تقدمه المؤسسات المصرفية الصينية). ولكن د. صالح أشار في لقائه مع "العراقية" الى وجود تسهيلات ائتمانية قدمتها الصين فهل تخفف هذه التسهيلات من مخاطر ما ذكره بصدد السياسية الإقراضية الشبيه بسياسات الإقراض في صندوق النقد الدولي؟ لا جواب لدي على هذا السؤال ولهذا يبقى مفتوحا. يتبع ... الروابط في الجزء الثاني غدا.