عن الضرب في "المناطق الرّمادية"

شهر واحد أسبوع واحد ago

عبد اللطيف السعدون

يمكنك أن تسمّيه "اتفاق جنتلمان"، ذلك "التوافق" المبرمج بين خصمين يخشى كل منهما أن يبتلعه الآخر، ويسعى كل منهما إلى أن يتراجع خطوتين إلى الوراء، ويتقدّم خطوة إلى الأمام، ليس بالمعنى الذي قصده لينين، ولكن بمعنى أن كلا منهما يعرف حدوده، ويدرك مدى المخاطر التي قد تعصف به، إذا ما تعمّد أن يؤذي خصمه بشراسة ووحشية! 

هذا هو أصل الحكاية التي شغلت العالم طوال الأسبوع الذي مضى، ورفعت حرارة الرؤوس التي راقبت اللعبة التي أدارها بجدارةٍ رجال الغرف السرية في كل من واشنطن وطهران، والتي جعلت كثيرين في عالمنا العربي يسهرون في انتظار "خبر عاجل" قد يجعل من أحلامهم حقيقة أو يطيحها ويعصف بما كانوا يأملونه.
تدحرجت اللعبة فصولا، حتى استقرّت في بغداد التي لم تستطع حكومتها فعل أي شيء غير مداراة الطرفين، ومحاولة ربط الخيوط بينهما، كي لا يحدث خطأ غير مقصود من أحدهما قد يدفع الأمور إلى حافّة الهاوية. وفي خطوة هزلية، استدعت الخارجية العراقية سفير الولايات المتحدة، ثم سفير ايران، وهما الدولتان الراعيتان للعملية السياسية الماثلة، لتبلغهما "احتجاجها" على انتهاك سيادة دولة العراق، المسكينة التي ليست لها حصة في مقومات السيادة، بحسب ما هو متعارف عليه في العلاقات بين الدول، فيما نقل البرلمان الكرة في مسألة الوجود الأجنبي إلى ملعب "حكومة تصريف الأعمال" التي لا تملك من أمرها شيئا. وطريفٌ أن نذكر أن رئيس الحكومة عادل عبد المهدي أبلغ الجانب الأميركي بوجوب إرسال مسؤول مخوّل لتنسيق خطة انسحاب القوات الأميركية، وردّ الأميركيون بأنهم باقون إلى ما شاء الله، وأنهم لن يناقشوا سوى موضوع تقوية العلاقات، وإذا ما أصرّ العراقيون على الانسحاب، فعليهم أن يفكروا في التكلفة المالية العالية التي عليهم تحمّلها، وقد لا يتمكّنون عندها من الوصول إلى عوائد نفطهم، وطبعا لم يردّ أحدٌ من المسؤولين العراقيين على هذا التهديد، واكتفوا بالصمت.
واقعة مقتل الجنرال الإيراني، قاسم سليماني، التي وصفتها طهران بأنها "تعادل شن حرب" 

"ليس ثمّة ما يوحي بأن المجابهة بين الأميركيين والإيرانيين تتجه نحو التصعيد"

 سجلت نقطةً لصالح الولايات المتحدة، لكن الرد الإيراني "المزلزل" الذي وعدت به طهران لم يكن سوى ضرباتٍ في "المناطق الرمادية" التي تتحمّل الضرب المبرمج، من دون استهداف ضحايا بشرية. ومن وجهة نظر محايدة، كان "معتدلا ومتعقلا" أبلغت الأميركيين به مسبقا عبر بغداد، تاركةً لنفسها مساحة ادّعاء النصر، وحشد الشارع الإيراني وراء قيادته، واستثمار ذلك إعلاميا.
وقد أسقط في أيدي المليشيات السوداء، عندما أبلغتها طهران بألا تهاجم أهدافا أميركية، أو على الأقل أن يكون الهجوم على غرار الردّ الإيراني "معتدلا ومتعقلا"، وظهرت آثار التراجع في تنصّل مقتدى الصدر من قيادة "جبهة المقاومة الدولية" التي تبنّى الدعوة إلى تشكيلها، وألزم أنصاره بالصبر وعدم شنّ هجمات، فيما دعا الأمين العام لحركة عصائب الحق، قيس الخزعلي، أتباعه إلى "تجنب الانفعالات" إلى حين استنفاد الوسائل القانونية والدبلوماسية. أما بقية وكلاء إيران في المنطقة الذين توعدوا "الشيطان الأكبر" بشر انتقام، فقد بلعوا ألسنتهم، زاعمين "أن طهران تجنّبت الحرب معتمدة مستوى متقدما من الردع وسط تزايد الكراهية لأميركا"، وبانتظار الشروع في "حرب تحرير كبرى"، تطرد الأميركيين من المنطقة! وقد حوّل "وكلاء" إيران في العراق فائض غضبهم إلى مجرى حملتهم الانتقامية ضد شباب الانتفاضة، فأمعنوا في التنكيل بهم، وقتل واختطاف عديدين منهم، والضغط لإنهاء حراكهم الشعبي عبر الانتهاكات الفظّة لساحات التظاهر.
مع كل هذه "اللخبطة" في المشهد الإقليمي، ليس ثمّة ما يوحي بأن المجابهة بين الأميركيين والإيرانيين تتجه نحو التصعيد، حتى مع خطوة فرض عقوباتٍ على كياناتٍ وشخصياتٍ إيرانية، اذ ما هو ماثل قد يدفع نحو مواقف أكثر اعتدالا وليونة من الطرفين اللذين اذا ما أظهرا استعدادا للتفاوض حول قضايا مهمة، من بينها الاتفاق النووي و"اختراقات" إيران في المنطقة، فإن الطريق سوف يكون مفتوحا أمام تسويةٍ ما تضمن حالة "هدنة" مقننة، تقترب من أن تكون حالة "لا سلم ولا حرب"، الخاسر فيها هم العراقيون الذين علقوا آمالهم على استغلال الصراع بين الطرفين، لتحقيق بعض المكاسب في إطار إحداث تغيير في بنية النظام الحاكم في بلدهم، يستجيب لمطالب الثوار في تأليف حكومةٍ مؤقتةٍ، وإجراء انتخاباتٍ حرّة والقضاء على الفساد، وهي المطالب التي أشعلت حراكا شعبيا ظل نشيطا، على الرغم من مرور مائة يوم على قيامه.

العربي الجديد