مفهوم السياسة عند صمويل هنتنجتون

شهر واحد ago

حيدر جواد السهلاني

صمويل هنتنجتون (1927- 2008) يرى في السياسة هي عالم المنافسة بين القوى الاجتماعية، وان التمايز السياسي الابرز بين الدول لا يتعلق بنمط الحكم بل بدرجة هذا الحكم، وان الفرق بين الديمقراطية والديكتاتورية هي اقل من الفروقات بين الدول التي يتجسد في سياستها الاجماع والاتفاق والشرعية والتنظيم والفعالية والاستقرار، لقد ازدادت الهوة اتساعا في السياسة، كما في الاقتصاد بين الانظمة السياسية المتطورة والانظمة السياسية المختلفة وبين انظمة الحكم المدنية والانظمة الفاسدة، هذا الهوة السياسية تشبه الهوة الاقتصادية وهي متصلة بها، لكنها ليست مطابقة لها، قد تكون لدول ذات اقتصاد انظمة سياسية ذات درجة عالية من التطور، وقد تتمكن دول في المقابل من الوصول الى درجات عالية من الرخاء الاقتصادي وهي تعاني سياسيا من الاختلال في نظامها السياسي. ويرى هنتنجتون للوصول الى مستوى عال من التطور السياسي، يعتمد على قابلية الناس على توفير اشكال جديدة من الجمعيات، فاستقرار الوضع الاجتماعي من خلال المنظمات الاجتماعية يؤسس للحكم الجيد، ويرى هنتنجتون لابد في الدولة من التركيز على القيم الشمولية في الدولة، اي القيم التي تربط الطبقات والتركيز عليها، فمثلا الانتماء الى الوطن وحمل صفة الدولة يكون عام للجميع، بدلا من التركيز على العنوان الاصغر سواء كان دينيا او قبليا، فلابد في بناء الدولة من التركيز على المشتركات بين افراد الدولة، ويرى في التنمية الاقتصادية ليس هي العامل الرئيسي في انشاء انظمة سياسية مستقرة ديمقراطية، لكن توجد عوامل مهمة من اجل التقدم السياسي والاستقرار السياسي مثل التحضر ومحو الامية والقضاء على الفقر والمرض والتعبئة الاجتماعية والمؤسسات والنمو الاقتصادي. ويذهب هنتنجتون الى ان المؤسسة السياسية نشأت من التفاعل والاختلاف بين القوى الاجتماعية، ومن التطور التدريجي للإجراءات والوسائل التنظيمية لحل هذا الاختلاف، ويؤمن هنتنجتون بدولة المؤسسات ويرى هي الافضل في حل النزاع الذي يحصل في الدولة، ويقول " ان النظام السياسي الذي توجد فيه مؤسسات سياسية متعددة ومختلفة اكثر قدرة على التكيف" ويرى ان نظام المؤسسات في الدولة هو النظام الافضل، اي بمعنى توجد اكثر من مؤسسة للإشراف والمراقبة كما متعارف عليه في امريكا، لذلك عندما جاء الامريكان الى العراق ارادوا تطبيق هذا النظام، ووضعوا اكثر من مؤسسة للإشراف والمراقبة، والنظام المؤسساتي يوافق معظم العاملين في السياسة على الاجراءات التي ينبغي اتباعها من اجل حل الخلافات السياسية، اي من اجل تعين المراكز وتحديد الخطة السياسية، اذ في الانظمة المؤسساتية يوسع السياسيون ولاءاتهم من الفئة الاجتماعية الى المؤسسة السياسية، وكلما تطورت المجتمعات كلما اصبحت اكثر تعقيدا، فلابد من وجود مؤسسات قادرة على ادارة التحديث والعصرنة، اذ من اسباب اضطراب والعنف في الدول النامية، لا علاقة له بنظام الحكم، بقدر ما هو فيه جزء كبير من التغير الاجتماعي السريع وظهور مجموعات سياسية جديدة، يصاحب ذلك ببطئ تطور المؤسسات السياسية بالتزامن مع المتغيرات الاجتماعية، وبذلك هنتنجتون لايهتم كثيرا بنظام الحكم، لكن يرى من الضروري ان تكون هناك مؤسسات سياسية، ومن الضروري ايضا احلال قادة جدد محل القادة القدماء، كمؤشر لصحة الانطباع المؤسسي، فالاشخاص الجدد لهم افكار ورؤى تطابق اجيالهم.

الدولة التي يوجد فيها حزب واحد، تكون اكثر استقرارا من الدول التي تفتقده، ويعرف هنتنجتون الحزب السياسي هو التنظيم المميز للسياسة العصرية، لكنه بمعنى اخر ليس مؤسسة عصرية تماما، عمل الحزب هو التنظيم والمشاركة وتجميع المصالح، وان يشكل رابط بين القوى الاجتماعية والحكم، ويعكس الحزب بالضرورة منطق السياسة، لا منطق الفعالية. ان الحزب السياسي، لكي يتمكن من التغلب بنجاح على صعوبات العصرنة، عليه ان يجد العصرنة السياسية، اي يشجع على الاصلاح الاجتماعي والسياسي في نشاط الدولة، في هذا السياق يعني الاصلاح عادة تغير القيم وانماط السلوك التقليدية ونشر وسائل الاتصال والتعليم وتوسع نطاق الولاء، بحيث يتعدى العائلة والفردية والقبلية ليصل الى الامة، وان الانظمة السياسية تتفاوت في قدرتها على توسيع نطاق نفوذها من خلال الاستيعاب، اي من خلال تقبلها لأنماط جديدة من الجماعات والموارد السياسية، وفي المجتمعات التي ترتفع فيها مستويات المشاركة السياسية للطبقة المتوسطة، تكون هناك ميول قوية نحو عدم الاستقرار بسبب طبيعة الطبقة المتوسطة، فإن هذا المؤسسات ستواجه بعد فترة مشكلة التكيف مع توسع الطبقة العاملة في المدن والفلاحين في الريف، ويختلف دور الحزب تماما عما هو عليه في الانظمة التي تتمتع باستمرارية المؤسسات في اوضاع مماثلة، يكون التنظيم السياسي القوي هو الخيار الوحيد في النهاية لحالة عدم الاستقرار في مجتمع فاسد او جماهيري، والحزب ليس مجرد تنظيم اضافي، بل هو مصدر للشرعية والسلطة، لأنه التجسيد المؤسساتي للسيادة القومية، او للإرادة الشعبية، ويرى هنتنجتون على الافراد في الاحزاب السياسية عندما يصلون الى الحكم عليهم ان يتخلوا عن سلوكهم وقيمهم ومواقفهم خلال عملية الوصول الى السلطة عبر المؤسسات السياسية في المجتمع، وان يتخلوا عن كثير من الامور التي تعلموها في نطاق الجماعة العرفية والطبقة الاجتماعية، وان يتكيفوا مع قواعد السلوك الجديدة، فالاحزاب السياسية التي كانت وظيفتها تعزيز الاستقلال، تواجه ازمة سياسية حين يحقق هدفه، ويتوجب عليه ان يكيف نفسه مع الوظيفة الجديدة وهي حكم البلاد، وقد يجد هذا التحول الوظيفي صعبا للغاية.

السياسة لابد ان ترافق العصرنة، والعصرنة عملية متعددة الوجوه تفترض تغيرات في كافة حقول الفكر والنشاط الانساني، والعصرنة هي:

1- تفترض العصرنة السياسية عقلنة السلطة، واستبدال عدد كبير من السلطات السياسية التقليدية والدينية والعائلية والعرفية، بسلطة سياسية قوية علمانية موحدة، وهذا الحكم يعني ضمنا ان من نتاج الانسان، لا من نتاج الطبيعة ولا هبه من الله، وان مجتمعا حسن التنظيم يجب ان تتوافر فيه مرجعية بشرية هي المقرر للسلطة النهائية، وان طاعة قوانين الوضعية تفوق من حيث الاهمية سائر الواجبات.

2- تفترض العصرنة السياسية التميز بين الوظائف السياسية الجديدة وتطوير بنى متخصصة لتنفيذ هذا الوظائف.

3- تفترض العصرنة السياسية المشاركة المتزايدة في السياسة من قبل فئات اجتماعية من المجتمع ككل، وقد تسهم المشاركة الموسعة في السياسة في تعزيز سيطرة الحكم على الشعب، او انها تسهم في تعزيز سيطرة الشعب على الحكم، كما يحدث في بعض الدول الديمقراطية، لكن في كافة الدول العصرية يصبح المواطنون معنين مباشرة بشؤون الحكم وتحت تأثيرها، ان السلطة العقلانية والبنية التفصيلية والمشاركة الجماهيرية هي اذا ما يميز انظمة الحكم العصرية عن انظمة الحكم السابقة.

ومن اهم اوجه العصرنة السياسية هو بناء مشاركة فئات اجتماعية في السياسة، فوق مستوى القرية او المدينة، وتطوير مؤسسات سياسية جديدة كالاحزاب السياسية لتنظيم هذا المشاركة، والعصرنة هي التي تقضي على المعايير القديمة، العصرنة هي بالفعل احداث مزيد من الوعي والترابط والتنظيم والعمل في قوى اجتماعية جديدة كان وجودها في مستوى ادنى من وعي الهوية والتنظيم في المجتمع التقليدي، ان نظام العصرنة يكون اكثر استقرارا واقل معاناة للعنف المحلي من المجتمعات الاقل عصرية، وتختلف العصرنة في الشعوب النامية عن الشعوب المتطورة، والعصرنة تفترض تغيرا في القيم الاساسية للمجتمع، وفي بعض الاحيان تكون الدولة وصلت الى مستوى عال من التطور السياسي وفيها مؤسسات سياسية حديثة، فيما لاتزال متخلفة للغاية لجهة العصرنة.

اما الحكم الملكي عند هنتنجتون يرى ان الملكية اليوم بدأت بالميل الى العصرنة وترك الملكية القديمة، وفي الملكيات الدستورية الحديثة، يتولى الملك العرش، لكنه لا يحكم وتستمد السلطة من اتفاق الشعب عبر الانتخابات والاحزاب والهيئات التشريعية، وان مستقبل الانظمة الملكية التقليدية الموجودة اليوم مكشوف تماما، ليس امام زعمائها مجال كبير للخيار سوى محاولة تعزيز الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي ومن اجل تحقيق ذلك عليهم ان يجعلوا السلطة مركزية. ويرى هنتنجتون في الثورة هي الحل الاكثر عنفا في وضع حد للوضع السياسي والاجتماعي، فيركز هنتنجتون على وسائل التعلم والوعي الاجتماعي والمؤسسات اكثر بإصلاح الوضع السياسي. ويرى في الديمقراطية:

1- انضمام مجموعة جديدة الى النظام السياسي من زعماء سياسين محلين من انحاء البلاد كافة.

2- تشكيل رابط مؤسساتي بين الحكومة وبين الجماهير.

3- ايجاد معادل شعبي في مواجهة هيمنه الموظفين البيروقراطين الرسمين.

4- انشاء بنية قادرة على استيعاب التوسيع اللاحق في المشاركة السياسية، وبذلك يكون التكتل الديمقراطي وسيلة لرسم اطار لبسط سلطة النظام السياسي.

اما بالنسبة للجيش فلابد ان تكون مؤسسة مترابطة مع المدنية، ولابد ان يرأس هذا المؤسسة شخص مدني، ولابد ان تكون السيطرة المدنية موضوعية تعتمد بشكل رئيسي على اخلاقيات عسكرية مستقلة ومحايدة وكفؤة مهنيا، وتحويل الجيش الى اداة بيد الدولة، ووظيفة الجيش هي تطوير السبل والوسائل لتحقيق الغايات والاهداف التي تحددها قيادة سياسية من المدنيين.

ينظر صمويل هنتنجتون: النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة سمية فلو عبود، دار الساقي، بيروت.