مقتدى الصدر.. تحديات الحاضر ومخاطر المستقبل (2ـ2)

10 أشهر ago

رعد أطياف

في المنعطفات التاريخية الحادّة يظهر القادة الاستثنائيون، فيصبحوا من أكبر القوى الدافعة لحركة التاريخ. بالطبع تلعب العوامل المختلفة دورًا جوهريًا، فتشكّل جميعها عناصر مشتركة لبنية التاريخ. وإذا ما قسّمنا تلك العناصر، نظريًا، من حيث التأثير، فبالتأكيد ستكون حصة القادة التاريخيين هي الأقرب بالتأثير من حيث تحريكهم لسكونية التاريخ. فمن هنا تُنسب المنعطفات التاريخية الكبرى، عادةً، إلى الأشخاص؛ ظهرت دولة الصين الشعبية على يد ماو تسي تونغ، وظهرت الإمبراطورية السوفيتية على يد فلا ديمير لينين، والهند الجديدة والمستقلة على يد المهاتما غاندي،  وظهر التسامح والاعتراف في جنوب أفريقيا على يد نيلسون مانديلا.

 

تناول مقتدى الصدر لا يعني أننا نتفق أو نختلف معه، وإنما هو جزء من سياق ثقافي قائم على الحميميات الدينية والعشائرية والقرابية

إن الشروط والإمكانات المتوفرة في هذه البلدان تختلف بشكل كبير عن ظروف العراق على سبيل التحديد؛ فالعراق محكوم ببنية اجتماعية يتشابك فيها عنصري الطائفة والعشيرة، فتفرز لنا قادة دينين وقبليين، أما القبليون فيتمتعون بشبه هيمنة على عشائرهم التي تنتمي لهم، على خلاف القادة الدينيين، إذ تتسع هيمنتهم على شرائح اجتماعية واسعة. فهذه أحدى التحديات التي يعاني منها العراقيون، وبالخصوص انقسامهم الحاد وعدم إجماعهم على قيادات اجتماعية أو سياسية قادرة على دمج الشعب العراقي في هوية واحدة، وتضع، هذه القيادات، على عاتقها بناء مؤسسات الدولة والاحتكام للقانون حصرًا.  

ثمّة فارق كبير بين نوعين من الثقافات، بحسب عالم الاجتماع آرنست غيلنر، ونقلًا عن الباحث العراقي محمد غازي الأخرس، فالأولى يسميها غيلنر بـ"الثقافات البرية"، وهي أشبه بالعشب البري الذي ينبت من تلقاء نفسه، وترتبط ارتباطًا مباشرًا بذاكرة الجماعة ومخيالها الفلكلوري والتراثي والطقوسي والديني، أما النوع الثاني، فهي الثقافات الصناعية أو المصنعة، وهي تشبه الحدائق البيتية في المدن. باختصار: يرتبط النوع الأول بالجماعات غير المتمدنة، كسكان الأرياف والبوادي، وهي تحيل لمرحلة ما قبل الدولة. يفرز لنا النوع الأول طبقة رجال دين، وزعامات عشائرية وعائلية، وتتخذ الولاءات فيها طبيعة وجدانية وفطرية ذات بعد تقديسي. على عكس النوع الثاني من الثقافة المصنعة، إذ تغدو فيها الزعامات صورة طبق الأصل للشروط السياسية والاجتماعية التي أنتجتهم، وهي الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية. إنهم نتاج الدولة الحديثة، لذلك تختلف طبيعة الولاءات في المجتمعات الحديثة، ذلك أنها ذات طابع أيديولوجي. فنحن كما نرى لكل حالة شروطها وإمكاناتها التي انبثقت منها، ذلك أن كل حالة ثقافية ما تنتج واقعًا اجتماعيًا طبقًا لصورتها. الحالة العراقية لا تنتج نقابات وأحزابًا تقدمية وطبقة وسطى ومؤسسات مستقلّة.. ألخ، وإنما تنتج مرجعيات دينية، وعائلية، وقبلية نافذة اجتماعيًا وسياسيًا.

على سبيل المثال: إن القادة الذين ذكرناهم قبل قليل، هم نتاج الدولة الحديثة، بل كانوا أحد مؤسسيها، حتى الجيوش التي تم تأسيسها لخوض الحروب من أجل قضاياهم، اندمجت فيما بعد في مؤسسات الدولة. أما ثقافتنا فتميل نحو الولاءات الفطرية والوجدانية، لأنها تمثل مرحلة ما قبل الدولة، وتفشل في البناء المؤسسي ، مفضلة الدوران في فلك تضخيم السلطة على حساب الدولة الحديثة، بل حتى أتباعها يضعون في سلم أولوياتهم هذه المفاضلة: المذهب والمراجع والقادة أولًا ومن ثمّ الدولة! ومن يتجاهل شروط الواقع وإمكاناته، وطبيعة البنية الثقافية في العراق، فسوف يجد الحقيقة في مكان آخر، لا في رغباته وأمزجته الشخصية.

إن تناول مقتدى الصدر لا يعني أننا نتفق أو نختلف معه، وإنما هو جزء من سياق ثقافي قائم على الحميميات الدينية والعشائرية والقرابية، أما الاختلاف والاتفاق فشيء آخر. إنه واقع قائم بصرف النظر عن كل المقولات "التنويرية" التي تمتلئ فيها أذهاننا، لكنها لا تجد لها مكانًا في الواقع.  وحسب فهمي البسيط، إن الاختلاف مع الصدريين أو غيرهم، يعني المزيد من العمل الجدي والدؤوب لتشكيل قوة سياسية تقدمية تنافس الصدريين سياسيًا في المستقبل، فبعكس هذا يغدو الاختلاف غير منتج على الإطلاق، بل يتحول بالتدريج إلى عداوات شخصية ولعبة تبادل الشماتة بين الطرفين.

على أي حال تبقى المسؤولية جسيمة على هذه القيادات لأنها هي القوى المهيمنة على المشهد الاجتماعي والسياسي في العراق، فتكون المسؤولية عليها مضاعفة. إن التيار الصدري، على سبيل المثال، يشكل كتلة جماهيرية واسعة، وأغلبهم من الفقراء والمعدمين. ولا زالوا حتى هذه اللحظة على نفس الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ولا ندري إن كانت لدى السيد مقتدى الصدر خارطة طريق لهذا الجمهور الواسع لتعليمه وتدريبه، عبر الانخراط في دورات التقوية والتثقيف التي توفرها، عادةً، منظمات المجتمع المدني، وتحسين حياتهم المعيشية، من خلال المطالبة بحقوقهم، على الأقل مطالبة النخبة السياسية التي تمثلّهم. وهي الأخرى تعمل بمبدأ الطاعة، فيمكنها إحداث الفارق، لكي لا تبقى الامتيازات حكرًا على مجموعة من المنتفعين. ولكي لا تضطر القيادة في المستقبل لتحمّل أعباء مضاعفة واستنزافات تؤدي إلى انشقاقات خطيرة، في نهاية المطاف. فسواء بقوا في التيار، أو خرجوا منه، سيتحولون إلى عقبات خطيرة في المستقبل، وسيشكّلون نواة الحزب الجديد: حزب المحاربين الأثرياء. ولكي لا تكون هناك "دولةً بين الأغنياء منكم"، أي يتداولها الأغنياء بينهم.

 

الانشقاق داخل التيار الصدري خطير للغاية، إذ سيهرول المنشقون إلى حمل السلاح وتشكيل فصيل عسكري جديد

إن العسكرة وحدها لا تكفي، وهي ليست قدرًا أبديًا على العراقيين، بالرغم من كل التحديات التي يكابدونها. وبما أن الجماهير الصدرية هي جماهير عقائدية ومطيعة، فسيطيعون أوامر السيد مقتدى ويلبّون نداءه فيما يخص دعوتهم للتعلّم وفتح إمكانات جديدة لهذا التيار العقائدي الضخم.

أقول ذلك، وتخيّم في ذهني صورة الانشقاقات الخطيرة في هذا التيار الواسع؛ ذلك أنها انشقاقات لا تصب في صالح خصوم التيار الصدري، الذين يراهنون على انشقاقاته المستقبلية، لأن الانشقاق داخل التيار خطير للغاية، إذ سيهرول المنشقّون إلى حمل السلاح وتشكيل فصيل عسكري جديد! ثم يقع في حبائل الدول المجاورة ليعلن فروض الطاعة ويغدو من المقربين. و تجري له كل الترتيبات الممكنة ليحجز له مكانًا في البرلمان، على طريقة "الديمقراطية" العراقية! ثم يتحول هذا الأخيرإلى منتجع ضخم للفصائل المسلحة. فيغدو أبناء الأمس إلى خصوم اليوم، أو منافسين في أفضل التقديرات، أو ينتهي بهم الحال إلى "ميلشيات وقحة" كما وصفهم مقتدى الصدر.

 لكن لماذا دائمًا ما تنتهي الانشقاقات الصدرية بتنظيمات مسلحة؟ أعني لماذا لم ينبثق تنظيم واحد يعبّر عن حال الكادحين الذي يشكلون أغلبية محافظات الجنوب؟ لماذا يزج بهؤلاء المٌعدَمين في المعارك دائمًا؟ ربما لأن طبيعة المرحلة تتطلب ذلك، خصوصًا أن مخاطر الأوضاع والمنطق السياسي الملائم لها هو هذه الفصائل. ومن جهة أخرى لا توجد توجهات وهموم فكرية وثقافية واضحة المعالم عند عموم القادة المنشقين، بقدر ما تذهب ميولهم ناحية العسكر بالتحديد، ويبقى أدائهم السياسي محبط للغاية. وبكلمة أخرى: إن التيار ليس متفرغًا لقضايا الفكر والثقافة في اللحظة الراهنة على الأقل، أما في المستقبل، فوحدهم الصدريون من يمتلكون الإجابة الشافية.

شخصيًا أجهل تلك الصيغة المحيرة، وهي كالتالي: لديهم تمثيل واسع في السلطة التشريعية، وفي المقابل لديهم فصائل مسلحة خارج سلطة المؤسسة العسكرية! والمهم في الأمر أن الفصائل الصدرية المسلحة "سرايا السلام" تتمتع بإمكانيات جيش محترف، فمن المؤسف أن تبقى هذه الإمكانيات الضخمة خارج دائرة التنظيم المؤسساتي؛ ذلك أنهم، في المستقبل، سيشكّلون عماد البلد وقوته. رغم الانقسام في الرأي العام حول الفصائل المسلحة ومن ضمنها سرايا السلام، غير أن الكثير من العراقيين يجري مفاضلة مفادها: إن سرايا السلام مقارنة بغيرها من الفصائل الأخرى ترتهن أوامرها من الداخل ولا تأتمر بقرارات من خارج الحدود، وهذه نقطة مشجعة لزج هذه القوة في المؤسسة العسكرية الوطنية لتشكّل نواة الجيش المستقبلي.

على أي حال، مالم يضع السيد مقتدى الصدر تعليم الصدريين وتدريبهم على مختلف المجالات، فستكون انشقاقاتهم في المستقبل خطيرة للغاية، فالسهر على راحة الخلق من أقدس الفضائل التي ناضل من أجلها الأنبياء والأولياء والمتصوفة. بكل المستويات: رجل الدين، أو السياسي، أو الرمز الروحي، حريص على قومه كل الحرص، ويسعى دائمًا لتحسين أحوال الناس، و إنقاذهم من المعاناة.

 

ما لم يدرك مقتدى الصدر خطورة الأمر ويضع تعليم الصدريين على مختلف المجالات من أولوياته سيتحول تياره إلى منتجع ضخم للفصائل المسلحة

لقد ظهر للكادحين الصينيين ماو تسي تونغ، وللشعب الروسي الجائع فلاديمير لينين (وكلاهما ملحدان!)، وبصرف النظر عن قناعاتنا السياسية تجاه هذين القائدين، فالتاريخ يسجّل لهما تلك المزيّة، وهي إطعام الجائعين وتعليمهم وتدريبهم، وتأسيس دولة إمبراطورية ضخمة متقدمة اقتصاديًا وصناعيًا وسياسيًا. درّبت الصين 800 مليون صيني، وهم الآن يشكّلون أكبر جيش من العمال عرفه التاريخ، بعد أن كانوا تحت خط الفقر. أما الاتحاد السوفيتي فكانت تجربة مثيرة رافقتها نجاحات وإخفاقات امتدت لسبعة عقود ثم تهاوت أثر التحديات الداخلية والخارجية. مضافًا إلى العملاق الهندي الصاعد، بخبرائه وعمّاله وشعبه النشيط يضربون أروع الأمثلة في الإخلاص والعمل الدؤوب.

تلك النماذج الثلاثة يجمعها مشترك واحد: لقد كسرت الاحتكار الغربي للتميّز، واخترقت المقولات الثقافية المتحيّزة حول الشرق والشرقيين، وأثبتت أن الكثافة البشرية، مهما كانت إمكانياتها الذهنية، لو تم تعليمها وتدريبها، يمكنها أن تحجز لها مكانًا في مصاف الشعوب المتقدمة، وتغدو عامل قوة وتقدم، فيما لو وجدت لها قادّة حكماء وشجعان يأخذون على عاتقهم تنظيم الكادحين والاهتمام بحياتهم الاقتصادية قبل كل شيء، ذلك أن الفضيلة ستغدو محض كلام فارغ بالنسبة للفقراء والمعدمين.

ولا يوجد مانع في الاطلاع على التجارب العظيمة لأشهر قادة التاريخ وأخذ العبرة منهم، ولا توجد لدى السيد مقتدى الصدر موانع شخصية للاطلاع كما أعلم. إن الثقافة الدينية والوعي التاريخي سيجعلان من أي قائد سياسي أو ديني أقل عرضة للمخاطر المهلكة، وهذا بيت القصيد في موضوع المقالة المركزي: كيف سينظر مقتدى الصدر للتحديات الراهنة والمخاطر المستقبلية باعتباره زعيم أكبر كتلة شعبية في العراق؟

عراق ألترا