سيناريو انتاج النفط الأمريكي: بداية امتصاص اقتصاديات الفائض

7 أشهر 3 أسابيع ago

مظهر محمد صالح

لم تفرغ الإمبريالية - الماركنتالية للولايات المتحدة منذ اعلانها الحرب التجارية على الصين لتجني تحصيل ثمار ضريبة الانتصار وثمنها الحقيقي تاكيد قدرة التصدي للفائض التجاري الصيني مع الولايات المتحدة. ويمكن القول انه مثلما استطاعت الولايات المتحدة من تصحيح عجز ميزانها الحسابي مع الصين مالياً واستخدام حرب التعريفات الگمركية لاسترجاع ٢٠٠ مليار دولار من أصل الفائض التجاري السنوي مع الصين والبالغ ٣٥٠ مليار دولار، ذلك الفائض الذي ظل يصب في مصلحة ميزان المدفوعات الصيني والمحول من اقتصاد الولايات المتحدة سنويا، فان البلدان المنتجة للنفط هي الأخرى (والتي ظلت تهيمن على فوائض عالية واستثمارها مالياً في صناديق الثروة السيادية) هي الاخرى في طريق زوال أصول فوائضها ضمن قواعد اللعبة الماركنتالية الجديدة التي تقوم على مبدأ ازالة الفوائض من الاقتصاد العالمي أو جعل تلك الفائضات المالية لا تهدد النفوذ الامبريالي الماركنتالي المالي لأمريكا كقطب واحد.

ولكن ماهي كيفية تعامل الماركنتالية الجديدة مع فوائض البلدان الريعية النفطية؟

إن حقيقة ما تستهلكه الولايات المتحدة اليوم من النفط الخام يزيد على ١٩ مليون برميل من اصل ١٠٠ مليون برميل نفط ينتجه العالم في اليوم الواحد. فضلاً عن أن الولايات المتحدة مازالت المنتج الأعلى عالمياً للنفط الخام. اذ يقارب
إنتاجها ١٤مليون برميل نفط خام يومياً. وعدت أمريكا بذلك المنتج الأول نفطياً والمتحكم في سوق النفط والقائد الرئيس لتحركات سوق الطاقة العالمية (كمحتكر قلة في بيع النفط وشرائه في السوق العالمية).
فسيناريو بناء مقومات النفوذ النفطي للولايات المتحدة في العالم بدأت تعتمد حالياً على معادلة تكاليف واسعار نفطية مختلفة،  تسمى بمعادلة السعر العادل للنفط 
justice price والذي تعتقده أمريكا اليوم انه بنحو يقل عن ٣٥ دولار للبرميل المنتج عالميًا في ضوء نقطة التعادل النفطية breakeven point في انتاج النفط الصخري. فاستراتيجية الطاقة الامريكية المقبلة لن تسمح لأي تكتلات اقتصادية أو مجموعات اقتصادية دولية بان تتحول الى إمبراطوريات مالية تراكم فوائض عالية من مختلف أشكال الأصول المالية سواء من عوائد النفط أو غيره لتكون أداة توازن وتلاعب تقابل سياسات القطب الواحد والتي بدأتها أمريكا مع مركز العالم الصيني بالحرب التجارية وانتهت اليوم بالدول الخليجية المنتجة للنفط عبر توسيع دائرة التوتر الإقليمي والدخول إلى حافات الحرب أو التمتع بفرص هشة للسلام لقاء عسكرة الاقتصادات النفطية وتبديد فوائضها. فتقرير صندوق النقد الدولي الاخير الصادر في شهر شباط ٢٠٢٠ The Future of Oil and Fiscal Sustainability in the GCC Region حذر بوضوح من تهالك الفوائض التي تجسدها صناديق الثروة السيادية (وتحديداً بلدان الخليج العالية الفوائض) حيث ستبقى الحروب التجارية للماركنتالية الراهنة مؤشرًا حيوياً يوكد بان ديناميكيات تدني أصول صناديق الثروة السيادية للبلدان النفطية (وهي تلك الصناديق الاستثمارية المالية التي ولدتها ربوع النفط العالية في حركة الحساب الجاري لميزان المدفوعات على مدارنصف قرن من الزمن) ستنتهي لا محالة إلى الإفلاس سواء من خلال الاستخدام الواسع لضرائب الكاربون الباهضة التكاليف على عوائد البلدان المنتجة للنفط أو بتقوية أذرع وسياسات الطاقة البديلة أو المتجددة تدريجيا، فضلاً عن النفوذ النفطي الأمريكي ومعادلته السعرية العادلة القامعة للريع والتي جعلت من ٣٥ دولار للبرميل المنتج من النفط الأمريكي مساراً يقارب نقطة التعادل breakeven point، وهي نقطة سد تكاليف انتاج النفط الصخري مع هامش ربح ضئيل لايمثل ريعاً في حقيقته وعده من الأرباح الاعتيادية normal profit.  إنه عصرالحروب التجارية للمنتصر التجاري القطبي الواحد، الذي يسعى الى دحر الميزان التجاري الفائض صوب التوازن أو العجز للخصوم. أو بالأحرى انه النمط الإمبريالي الماركنتالي أو التجاري الجديد للنظام الرأسمالي الذي نشاء لمواجهة نفوذ مجموعات الفائض المالي الذي تحققه موازين المدفوعات الدولية. أي عبر اقتلاع الفوائض و تصحيح الموازين الحسابية الخارجية للدول خارج الدولة القطبية الاحادية. وبهذا سيكون مستقبل برميل النفط المنتج والمصدر خالي من ظاهرة الريع باستثناء هامش الربح البسيط تحت طائلة السعر العادل والذي لا يسمح بتوليد تراكمات مالية فائضة كما كان يتحقق إبان القرن الماضي وحتى العقد الأخير من الزمن. أي أن لا يخرج سعر برميل من النفط المستخرج في بلدان الخليج عن معادلة النفط الامريكية وهي المعادلة الحاكمةً: (الكلفة + هامش ربحي بسيط غير ريعي).  وبهذا سينتهي حلم الفوائض النفطية الريعية الكبرى تحت تاثيرات التكاليف المنخفضة الانتاج في الدولة المؤثرة في مايسمى باستقرار المعادلة السعرية العادلة.  والذي يرافقه اليوم التدهور المتسارع في البلدان النفطية ذات الاحتياطات المالية الضعيفة أو ذات الفوائض الضعيفة (والتي يتمتع بعضها بعجز ثنائي dual deficit أولهما في الحساب الجاري الخارجي والآخر يتمثل بعجز داخلي في الموازنة العامة ). وهكذ فإن التحول في المعادلة السعرية النفطية ستظهر أثارها المباشرة على مجموعة البلدان الريعية التي انغمست بالتزامات ثابتة في الصرف المركزي من موازناتها على النفقات التشغيلية دون أن تتوافر لديها صناديق ثروة سيادية يمكن تصفيتها والعيش على أصولها المصفاة، وبهذا ستتحول تدريجيا إلى مجموعة عجز في الحساب الجاري لميزان المدفوعات جراء الاستدانة أوالاقتراض الخارجي ذلك لإدامة تدفقات موازين مدفوعاتها وإدارة عجزها المالي الداخلي.  ولاسيما بعد اختفاء الريوع النفطية في الصندوق الأسود لمعادلة السعر العادل للنفط الأمريكي.  وأخيراً، وفي خضم التطورات الماركنتالية الجديدة للنظام الامبريالي العالمي الراهن أو مايمكن تسميتها بالتوجهات الاقتصادية للرئيس الأمريكي رونالد ترامب Trumponomics، فقد بدHت المعادلة الامريكية السعرية النفطية الجديدة (كاداة فعالة للحرب التجارية مع العالم) بمثابة أداة الامتصاص المركزية لفوائض موازين مدفوعات البلدان النفطية والتي تعدها الخطر الداهم على مقومات النظام الاقتصادي العالمي الجديد في معادلة النفوذ النفطي وتعطيل هيمنة القطب الواحد. وعليه فبالرغم من قمع فوائض موازين المدفوعات كظاهرة ماركنتالية مالية جديدة في النظام الإمبريالي العالمي المالي الجديد، نجد أن العالم متجه نحو ظاهرة الانكماش الاقتصادي وربما الدخول في قاع الكساد وهو الأسوء عالمياً يعززه اليوم تعاظم الركود الاقتصادي البايولوجي الصيني. إذ ظلت الصين خلال عقود العولمة الأخيرة تمثل بقوتها الاقتصادية قاطرة النمو للاقتصاد العالمي ومحرك التجارة والاستثمار بين الغرب والشرق. فهذه البلاد ذات السوق الحمراء red market المتسم اقتصادها بدرجة عالية من النمو طوال العقود الأربعة الأخيرة (وزاد ذلك النمو مرتين ونصف المرة على النمو الاقتصادي السنوي الأمريكي) قد برهنت قدراتها في الحفاظ على دينامكية فوائض سوق الطاقة النفطية حتى إبان الأزمة المالية في العام ٢٠٠٨ (أزمة الرهن العقاري الأمريكي) بل كانت بمثابة البرهان الجوهري في تبديد الأزمة المالية العالمية. فلولا القوة التعادلية الموجبة للنمو الاقتصادي الصيني مقابل تدهور النمو الاقتصادي الأمريكي سلباً، لكانت الأزمة المالية في العقد الماضي هي الأسوء عالميًا منذ ازمة الكساد العالمي في التاريخ الاقتصادي الحديث (أي أزمة الاقتصاد الكبرى في العام ١٩٢٩ وبوادر ظهور المدرسة الكنزية في الاقتصاد الغربي).

ختاماً، ما العمل؟
اصبح من المتأخر القول أنه كان على الدول النفطية ذات الكثافة السكانية العالية كالجزائر والعراق ونيجيريا وغيرها أن تكون منتجة حقيقية متنوعة الدخل معتمدة على الذات قبل أن تتحول إلى اقتصادات الرعاية الاجتماعية، أي التي يتلقى اقتصادها الكلي معونة فائضة من ريوع النفط لينتهي النشاط الاقتصادي سالباً ومعتمدا على دوال إنتاج وطاقات تنوع حقيقي تقع خارج الاقتصاد الوطني.  فليس من سبيل أمام العراق تحديدا إلا تبنى إنموذجاً للثورة الخضراء 
green revolution ينصرف إلى ستراتيجية الأرض ذلك بتعظيم دالة الانتاج الزراعي والتوجه نحو الاستخدام الأمثل للأرض والمياه والإنسان ومغادرة الريع النفطي قبل أن يبلغ سكان العراق ٦٠ مليون نسمه والاقتراب من دائرة العوز والفقر والتدهور الإنساني لفقدان الريع النفطي.