الدلالات السيكولوجية للتحقير الجنسي في شعر مظفر السياسي

7 أشهر أسبوعين ago

د.قاسم حسين صالح

توطئة: ينفرد الشاعر مظفر النواب عن شعراء زمانه بأنه أقسى من تهكم وسخر وهجى بمفردات قاسية وألفاظ بذيئة الحكّام العرب، ملوكا ورؤساء، ما استثنى منهم أحدا. وقد عاب عليه كثيرون ان تصدر منه مفردات (وسخة) والفاظ سوقية بذيئة. وكان ردّه عليهم بانه (لا يعقل أن الجأ الى معجمية الأخلاق وأنا اعيش سمّ المواخير حتى التخمة.. فعلى قدر التردي يكون التردي، ونحن نعيش البذاءة ممارسة بالآف الأشكال.. فأي لغة تريدون أزاء هذا العهر الصامت او الصمت العاهر؟). ويضيف: (سيقول البعض.. بذيئا.. لا بأس، أروني موقفا اكثر بذاءة مما نحن فيه).

 ولمظفر ما يبرر، فهو لم يجد في اللغة العربية مفردة تعبر عن تخاذل الأنظمة العربية بموقفها من (القدس) في فضح الحكّام العرب اوقع تاثيرا من قوله (القدس عروس عروبتكم، فلماذا ادخلتم كل زناة الليل الى حجرتها.. وسحبتم خناجركم وتنافختم شرفا، فما اشرفكم.. أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة). وكانت اشعارة المعبأة بمثل هذه الشتائم السياسية يستمتع بها الناس في اشرطة كاسيت.. ويطلبونها منه أن التقوا به. ففي الدعوة الرسمية التي تلقاها من (المجمع الثقافي) في أبو ظبي، صاح الجمهور الذي ملأ المسرح: (القدس عروس عروبتكم.. .) فاستجاب لطلبهم وقرأ.. ونهض مسؤول كبير تقدم نحوه وقبّله.

 وهنالك موقفان من نشر هذا الموضوع:

الأول: تمثله الجريدة التي اعتدت الكتابة فيها من خمسة عشرعاما بقولها: (ان المقالة بها الفاظ ربما تسيء الى الشاعر وهو يمر بمرحلة عصيبة من مرضه.. ونحن نقدّر ونعرف علاقتك ومحبتك للشاعر الكبير، وحاولنا ان نحذف ألفاظ البول، الغائط، الدعارة.. ولا ادري هل توافق على التخفيف من الألفاظ مع التقدير.)

والثاني: تمثله أجابتي للجريدة بأن هذه المفردات موثقة في دواوين مظفر، وفي متناول قرّاء الأنترنت، وأن مظفر لم يقدّم اعتذارا لاحقا ولم يتبرأ منها.. وان المقالة هي تحليل علمي للدلالات السيكولوجية لتلك الألفاظ، وظفّها مظفر لتخدم هدفه في تحقيق ثورة عربية تطيح بأنظمة فاسدة، تبدأ بسيكولوجيا تستهدف اسقاط الهيبة عن حكّام تخشاهم جماهير بينهم من يعظّم حكّاما طغاة وسفهاء وجهلة.. وأنه لا حياء في العلم.

ولقد جدت في ملتقى (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا - 22/2/2020) الذي أقامه مركز كلاويز في السليمانية، مناسبة لعرض موضوع في شعر مظفر السياسي لم يكن احد قد تطرق له، وان الجهة المنظمة وافقت على عرضه في اول جلسة.. وبها يكون المقال قد وثّق تلك الدلالات للتاريخ والأجيال.. وفيها ما ينطبق على حكّام عرب حاليين، بينهم (البشير) حاكم السودان وآخرين ما يزالون ملتصقين بالكرسي.

***

مدخل

 التحقير يكون على أنواع منها التحقير بالتشبيه باستخدام أسماء حيوانات في وصف المقابل، من قبيل: كلب، حمار، بغل، خنزير، دابه.. أو التحقير العقلي بوصف المستهدف بمفردات مثل: غبي، أغبر، أثول..، او التحقير الجسمي بمفردات مثل: قزم، قرد، خلقه سزز.. فضلا عن التحقير بضعة النسب والفقر.. وكلها تهدف الى اذلال المقابل بتحقيره.غير ان أشدّ أنواع التحقير تأثيرا وأكثرها شيوعا هو التحقير الأخلاقي باستخدام مفردات من قبيل: ابن القحبة، قواد، سرسري(مع ان السرسري مفردة تركية تعني الرقيب الذي يجمع المال من اصحاب الدكاكين)، سافل، منحط، مأبون.. وكلها متعلقة بالجنس.. الذي هو في الثقافة الأسلامية والعربية مصدر اقسى مفردات التحقير وادناها وضاعة.

والتساؤل: لماذا استخدم مظفر المفردات والصفات المتعلقة بالجنس والعمليات الخاصة بالأعضاء التناسلية، في وصف القادة والحكّام والسياسيين العرب بهدف النيل منهم والحط من مكانتهم، في شعره السياسي تحديدا؟ وما الدلالة او القيمة او الفعل السيكولوجي لهذا التحقير.. شعبيا؟

المفردات ودلالاتها السيكولوجية

 اجرينا مسحا لهذا النوع من التحقير في اهم قصائده السياسية فوجدناه يتوزع على النحو الآتي:

1- التبوّل:

 استخدم مظفر التعابير الخاصة بالبول في أكثر من قصيدة، اليكم نماذج منها:

- فالبعض يبيع اليابس والأخضر، ويدافع عن كل قضايا الكون، ويهرب من وجه قضيته.. سأبول عليه، واسكر.. ثم أبول عليه وأسكر.. ثم تبولين عليه ونسكر.. (الحانة القديمة).

- وعنزة مصابة برعشة، في وسط القاعة.. بالت على نفسها، فأعجب الحضور.. صفقوا.. وحلقوا.. بالت لهم ثانية.. (قمم).

- ابول على الشرطة الحاكمين، انه زمن البول فوق المناضد والبرلمانات والوزراء.أبول عليهم بدون حياء.. فقد حاربونا بدون حياء.. (وتريات).

 - واذاعات العرب الأشراف.. تبول على النار &.. يبولون على وجه بلادي.. (عبد الله الارهابي).

 ان المفهوم الشعبي للتبول على شيء يعني ان هذا الشيء لا قيمة له، وان التبول عليه يحولّه الى (نجاسه) توجب التخلص منها.

ومع ان تعبير (التبول) يعدّ ابتذالا في الشعر برغم ان شعراء كبار من زمن الجاهلية استخدموه كقوله: (قوم اذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار)، الا انه انفرد بميزة في شعر مظفر في فعله السيكولوجي، هي انه أوصل الى البسطاء من الناس رسالة الاستهجان والاستخفاف بالوضع العربي بوسيلة الشعر الفصيح الذي يخص المثقفين بمن فيهم مثقفو السلطة، حاملا لهم معنيين: تفاهة الوضع السياسي العربي وتفاهة المثقف الذي يمتدحه، وتفاهة الوطن والناس عند الحكومات والبرلمانات العربية.. وكلاهما يعزفان على وتر ايقاظ الكرامة لدى من يشيد بالحاكم العربي او من يخافه او من يحمل له هالة الهيبة.

 2- الخصية:

ترد (الخصية) و(الخصيان) في شعر مظفر للنيل من الحاكم العربي وتحقيره

كقوله:

 - خصيان العرب الحكّام ارتجفت شرفا.. (وتريات).

 - اولاد الكلب.. وأول ما تعرض خصيتهم في نشرات الأخبار(عبد الله الارهابي).

 - قاضي بغداد بخصيته.. ملك السفلس (تل الزعتر).

- خصيان الأمة.. رغم خلاف الأفكار.. اتصلت (تل الزعتر).

- خصيان الردة قد كبرت.. اسمعتم(تل الزعتر).

- عشنا يوما في الوطن العربي ولم نخص.. غريب جدا.. خطأ.. لابد خصينا.. (عبد الله الارهابي).

 ان (الخصية) رمز الرجولة أو الفحولة، ومع انها العضو البيولوجي المسؤول عن ديمومة التناسل البشري، وبدونها يحرم الرجل من متعة الجنس، وبدونها ايضا يوصف بأنه (مخنث)، وأنها تكاد تكون العضو الأهم بعد الدماغ والقلب في حياة الرجل، الا أن الفهم الشعبي انزلها من مكانتها المميزة الى موضع التحقير.فاذا اراد احدهم الاستخفاف بأحد قال عنه : (هو وتك خصياني).. الى غير ذلك من التعابير الشعبية.

 ويبدو ان التحقير بـ (الخصية) له ثلاثة معان:

الأول: ان الخصية محتقرة في الفهم الشعبي لأنها مرتبطة بالجنس، وأن الجنس في المفهوم العربي الاسلامي (نجاسة).. وعليك أن تستحم بعد المعاشرة الزوجية وتردد: (اللهمّ أني أعوذ بك من كل رجس، ومن كل جنابه..).

الثاني: سلخ صفة الرجولة من الموصوف وجعله في موضع العبيد الذين يخصون لضمان عدم تحرشهم بنساء اسيادهم.

والثالث: اشتقاق تعبير (الاخصاء) للأشارة الى العقم الفكري، او منع الانسان من أن (ينجب) فكرة باخصائه عقليا.

 لقد استخدم مظفر هذه الدلالات بهدف تحقير الحاكم العربي تحديدا، وهزّ مكانته العليا في عقل الانسان البسيط الذي يهابه اما خوفا او احتراما او شرعا بوصفه (وليّ أمره).

ومع أن المتنبي استخدم ذات المفردة في هجاء كافور بقوله: (من علّم الأسود المخصي مكرمة..).. الا أن استخدامها في الشعر الفصيح لا يدخل في باب البلاغة.

 3- العورة:

 تعني العورة الأعضاء الجنسية التي يجب ان تغطّى لقباحتها او لعدم لياقتها او لاعتبارات اخلاقية واجتماعية.لكنها في الشعر تعني قباحة الانسان التي يحاول سترها واخفائها عن الناس.

 

ولقد وظّفها مظفر في تحقير القمم العربية تحديدا، التي تعمل وسائل الاعلام العربية على تكريمها وتبجيلها واعلاء شأنها، فيما وصفها مظفر بالآتي:

 - نزل الأشراف من القمة.. بالعورات الليلية.. بينهم الصامت بالله يغطي عورته أكثرهم خجلا (وتريات).

- حتى ملك الأحباش الجائف.. عورته في وجهك (وتريات).

 - قد كشفت قمة العهر عن كل عوراتنا (وانت المحال..).

- وينزل المولود نصف عورة.. ونصف فم (قمم).

 - والمخبرين الغلاظ الوجوه كأنهم مؤخرة لمريض يوسّخ من تحته (وتريات).

 - يا أصبع كيسنجر.. ان الأست الملكي سداسي (وتريات).

 والرسالة التي اراد مظفر ان يوصلها للشعوب العربية، أن لا تغرّكم هذه القمم ولا تنبهروا بما تزينه وسائل الاعلام عنها، فهي في حقيقتها محاولة لستر قباحاتهم شبيهة بستر الانسان العادي لعورته.. وفضلكم عليهم انكم تسترون عوراتكم خجلا فيما هم يمارسون الخزي ولا يخجلون.

4- البغاء وانتهاك العرض:

 البغاء هو أقبح القبائح لأنه يعني بيع الشرف، والانسان الذي يبيع شرفه يسقط اخلاقيا واجتماعيا ودينيا.. ويكون الأحط بين الناس واخزاهم.

ويرد (البغاء) في قصائد مظفر ليصف به ليس الحكّام العرب فقط، بل الوطن أيضا:

- هذا وطن أم مبغى (وتريات).. في اشارة ضمنية الى ان الحكّام العرب (قوادون!).

- وأحدى صحف الامبريالية.. نشرت عرض سفير عربي يتصرف كالمومس في احضان الجنرالات.. (وتريات).

- أعلنت التعبئة الجنسية.. حزنوا، هزا.. رهزوا.. رهزا، ومضاجعة.. وتمنّوا.. انهم كانوا بمخيمك الدامي يشتركون بفض امرأة.. (عبد الله الارهابي).

- اما التي في البيانات، مصر البغاء، وحاشا فان من النيل ما يغسل الدهر مهما طغى الحاكمون الجفاء.. (عروس السفائن).

وبهذه الأوصاف أسقط مظفر الهيبة عن الحكّام العرب وأنزلهم من اعلى مكانة اعتبارية ومنزلة اجتماعية الى أحط خلق الله.. محدثا صدمة في عقل الجمهور العربي البسيط بتشبيهه الوطن امرأة نقية عفيفة سلبوها شرفها وصاروا يسمسرون عليها للأجنبي.. ومحرّضا الناس.. العرب.. البسطاء : انكم صامتون مع أن هذه المرأة (الوطن).. شرفكم.. والعربي تهون عليه أصعب الأمور.. الا الشرف!

على أن أشد وقعا وأكبر تأثيرا وأكثر شيوعا، وصفه القادة العرب بـ (اولاد القحبة) في قصيدته القدس عروس عروبتكم:

 (وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض.. فما اشرفكم.. اولاد القحبة.. هل تسكت مغتصبة؟.. اولاد القحبة.. لست خجولا حين اصارحكم بحقيقتكم.. ان حظيرة خنزير أطهر من اطهركم).

(بالمناسبة، اثبتت الأحداث بعد نصف قرن على مقولة مظفر أن الكثير من قادة العرب فاقدي الشرف والغيرة على اوطانهم وأهلهم).

ان مظفر يدرك بذاءة هذه الألفاظ، فحين طلب منه الجمهور باحدى الامسيات قراءة قصيدته هذه، تجاوز لفظ المفردة الثانية وقال (أولاد الكذا).. وهو يبرر بذاءة استخدامه المفردات التي حددنا مسمياتها وتشبيهاتها في شعره السياسي بقوله: (لست بذيئا ولكنه القيء الذي وصل الحنجرة)، وهو تشبيه لطيف لوصف حالة الجزع لديه، فكما أن القيء اذا وصل الحنجرة لابد ان يقذف الى الخارج.. فان تردي الوضع السياسي العربي أوصله الى حالة غضب ما عاد قادرا على كبته.. والواقع ان كبته هذا ليس كبتا شخصيا بل كبت الانسان البسيط الذي اذا انفلت فانه يستخدم الفاظه الشعبية في النيل من مظطهده التي يصفها الآخرون بالبذيئة.

 فهل يشفع أنه كان صوت المظلومين المكممة أفواههم بالخوف الذي صرخ بوجه ظالميهم بجرأة، لو أن غيره نطق بمفردة واحده منها لحزوا عنقه؟.. وأنه ما جرأ حاكم على أن ينال منه خوفا من جيوش المسحوقين الذين يمثلهم؟ الا تشفع، في الشعر الفصيح، (بلاغة تحقير) الحاكم عن بلاغة الشعر؟

 لقد قال مظفر عن نفسه: (كان أكبر درس تلقيته أن أكون فصيح المحبة.. والحقد).. وكان فصيحا في محبته للناس والوطن وأفصح في حقده على الحكّام.. فهل كان في حقده عليهم شيء من حقد المتنبي على كافور.. أعني طمعا في مكانة أو "ولاية"؟

 في لقائي معه بدمشق عرضت عليه ان انقل رغبته الى حكومة اقليم كوردستان.. التي سترحب به كريما معززا ويومها كان صديقه الراحل جلال الطالباني رئيسا للجمهورية.. فاعتذر، مفضلا العيش في شقة لشخص سوري نبيل مجهول الأسم!

اما وقد هدّه (باركنسون).. فقد تحققت له أمنية ختم بها حواره معي:

 (يجي يوم انلمّ حزن الايام وثياب الصبر ونردّ لهلنا.

يجي ذاك اليوم لجن انا خايف كبل ذاك اليوم تاكلني العجارب.

يجي ذاك اليوم.. واذا ما جاش ادفنوني على حيلي وكصتي لبغداد !!(.

 لقد جاء مظفر الى حبيبته بغداد التي فارقها من نصف قرن، وتمنى حين راى حالها، لو مات بعيدا عنها.. فرحل عنها.. مفجوعا.. دون وداع!.