كاتب دنماركي يقارن بين الوضع المزري في أميركا ترامب وبلده الدنمارك في مواجهة وباء كورونا/ في وداع العالم الذي نعرفه!

ينسين
3 أسابيع يومين ago

عرض وترجمة دنى غالي
كارستن ينسن، الكاتب الدنماركي المعروف، والناقد اللاذع حد الشراسة للسياسة اليمينية لأوروبا والدنمارك مباشرة وضمنا!
يقف عند اللحظة الراهنة في مقالة غاية بالأهمية، كتبها بعد انتهاء مدة إقامته في لوس أنجلوس محاضرا في جامعة كاليفورنيا وعودته قبل يومين إلى كوبنهاجن. من المهم القول أن كارستن ينسن روائي لاتقل رواياته أهمية عن مقالاته، ولكنها تتجاوز ال700 صفحة، ولولا ذلك لكنتُ انكفأتُ على ترجمتها، هذا ما قلته له أكثر من مرة!
التقطتُ معظم فقرات المقالة وقمتُ بترجمتها سريعا بتصرف طفيف للعلاقة. كتبتُ ك"مواطنة" فور عقد رئيسة الوزراء للمؤتمر الصحفي بخصوص أزمة الوباء ان الحكومة الدنماركية مع سياسيها أثبتت جدارتها ، خطوات فاعلة، شفافية، تواصل كامل مع المواطن وإحساس عال بالمسؤولية مع بث روح التضامن والتعاضد، والمرء يشعر بأنه محاط بأيادي ترعاه وتخاف عليه.
يقول ينسن أعود مخلفا ورائي بلد يعاني من نظام صحي فقير ومهلهل في ظرف عصيب، يرتفع فيه عدد المصابين بفيروس الكورونا بشكل كبير ومتسارع.
يقول ان الباصات العامة لم تكن خالية وستظل دوما ممتلئة، طالما الفقراء وهم كثر لايملكون سيارات، مجبورون على الذهاب إلى عملهم بسبب الفقر، وإلا يتم فصلهم بسبب عدم وجود ضمان صحي لهم، ولذا يترك اقتصاد السوق للفيروس أن يلتهم ما يشاء في ظل مجتمع غير عادل.
عدد المصابين المعلن قليل لأنه ببساطة لا أحد لديه الإمكانية من أجل إجراء الفحص المكلّف ماديا، وقلّة من يخضع له. (وتعليقي الخاص هنا الاشارة الى شفافية ودقة ومهنية النظام الصحي وكشفه عن اعداد الاصابات بشكل دقيق يقف خلف عدد المصابين المرتفع في الدنمارك، أي كفاءة النظام الصحي وفاعليته التي واكبت تطور الحالة بدقة وأعطت أرقاما دقيقة، خلاف ما نراه في دول اخرى).
يقول ينسن إنه خلال الأشهر التي أمضاها في الولايات المتحدة، شهد ديمقراطية تتحلّل، ديمقراطية مختلة، قائمة على الأكاذيب والخداع، غير قادرة على إدارة أزمة. اعتدنا القول ان القادة الاستبداديين على الأقل جيدون في اتخاذ القرارات. لكن الأمر مع الولايات المتحدة يختلف، حيث يقودها زعيم استبدادي لايتسم بالجهل وعدم الكفاءة فحسب، بل غير حاسم، شرس، متردد ومذعور.
ترامب لديه تفسير واحد فقط لشرور هذا العالم، ألا وهو الأجانب! كما لو كان بالإمكان إبقاء الفيروس بعيداً خلف الحدود المغلقة، ومراقبة جوازات السفر ومنح أو عدم التأشيرات للسيطرة عليه. قام بمنع مواطني أوروبا من الدخول، وأبقى الحدود مفتوحة للبريطانيين للسفر إلى الولايات المتحدة. وفق المنطق الشعبوي ، فإن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يحميهم من فيروسات القارة الأوروبية الموبوءة.
كتب مرة كما يقول أن لحظتين عظيمتين فارقتين يصادفها المواطن الدنماركي في حياته، هما اللحظة التي يقف فيها في صالة مطار كاستروب وهو يغادر البلد، واللحظة التي تطأ بها قدمه صالة الوصول قادما من الخارج. ما أشعر به حاليا، يقول، إني أعود إلى دولة تأخذ حياة مواطنيها، أمنهم ورفاهيتهم على محمل الجد. مخلّفا من ورائي بلدا غادرته وهو على حافة الانهيار خلال أسابيع قليلة، قد تؤدي إلى كارثة تاريخية عالمية لأنه لا يأخذ حياة مواطنيه على محمل الجد.
ربما تبدو الدنمارك كبلد أشباح لبضعة أشهر أو أسابيع مقبلة ( بسبب حظر التجوال وإغلاق اغلب مؤسسات الدولة)، لكنها ليست كذلك. على العكس من ذلك. الدنمارك دولة ديمقراطية حية معاشة نشطة فاعلة، يديرها قادة مسؤولين، يدركون أن الثقة واستعداد الآخر للتضحية لا يمكن الفوز بها إلا بقول الحقيقة. لهذا فالعزل الدنماركي الذاتي الحالي هو قرار عملي وضروري ودليل على حكومة فاعلة حاسمة.
ولكن هناك أيضًا شكل آخر من أشكال العزلة الذاتية، يقول، عشناها لفترة طويلة جدًا. تسمى الشعبوية ، والشعبوية لا تطارد الولايات المتحدة فحسب، بل أيضًا الاتحاد الأوروبي الذي أصيب بالشلل بشكل متزايد. إن العزلة الذاتية الشعبوية، وفكرة حل جميع المشاكل، وتجاهل العالم من حولنا ببساطة، هي أيديولوجية مدمرة ، مدمرة للذات، لا يمكن لها أن تحلّ أي مشكلة من المشاكل الطارئة علينا، لا الأوبئة ، ولا أزمة المناخ ولا حالات اللامساواة والتفاوت القائمة حاليا في العالم .
دعونا نكسب ما هو خير من هذه العزلة الذاتية الطوعية التي سنضطر إليها لبضعة أسابيع أو أشهر. دعونا نستخدم العزلة هذه لمراجعة وتأمل أنفسنا وفحص ذواتنا، وتفكيرنا السياسي. دعونا ندرك أخيرًا أن لدينا عالمًا واحدًا فقط والاهتمام به ورعايته هي مسؤولية مشتركة. ودعونا نرجع إلى العمل جمعيا، تشاركيا، نحو مجتمع ينبض بالفاعلية و الرغبة والإرادة للتغيير سنكون في النهاية ممتنين لهذا الوباء المفزع.
عاجلا ام آجلا سنكون مضطرين إلى توديع العالم الذي نعرفه!

Photo by © Isak Hoffmeyer