نهاية المجتمعات لا التاريخ ولا الطبقات/1

5 أشهر أسبوعين ago

عبد الأمير الركابي

صدر عن الغرب خلال فترتين غير متقاربتين اعلانان فاصلان، الأول ظهر عند منتصف القرن التاسع عشر، والثاني مع خاتمة القرن العشرين، ماركس في الأول بشر بانتهاء الطبقات وبحتمبه حلول زمن اللاطبقية، وفوكوياما الأمريكي انتهز لحظة اختلال غير عادية حلت على التوازنات والنظام الدولي الثنائي القطبية مع انهيار احد قطبي المعادلة الدولية التي طبعت الوضع العالمي خلال القرن العشرين ابتداء من الثورة الروسية في 1917 ، وصولا الى الحرب البارده، ومن ثم اختفاء الاتحاد السوفياتي، ومعه ماعرف بالمعسكر الاشتراكي. ليعلن عندها "انتهاء التاريخ"، او توقفه عند عتبة الليبرالية الغربية.
الاعلانان صدرا ضمن سياقات غلبة النموذج والنمط الغربي، استنادا لحداثته وصعوده المرتكز للانتقال من اليدوية الى الاليه ومواكبها المجتمعي والفكري، وهما تكريس له ولنموذجه، ففي الأول يصير العالم والمجتمعات بناء على المقطع المجتمعي الطبقي الأوربي مشمولا بالطبقية، ومجبرا على التماهي مع حالة الغرب وسيرورات تاريخه المكتشفة أخيرا وعند نقطة متاخرة تقلصت معها المسافة بين الظاهرة المجتمعية والعقل، بعد ان ظل الأخير ولمدى زمني غير قصيرمحكوما، للقصور، وبالعجزعن الإحاطة بها وبمضمرها، فاذ بالقفزة المعرفية المجتمعية تكرس عمليا القول صراحة بان نموذج الغرب هو العالم، وهو بؤرة ومصدر آلياته الناظمة لسيرورته المستقبلية، او التي توافق الحلم البشري، بعد ان البس الحلم اليوتوبي بوتقة مايعرف ب "العلم" ليصير حلم العدل والمساواة المطلقة مقترنان بالقانون والحتمية، ووعد جنه "الاشتراكية" قدرا مضمونا ومحتما بحسب"المادية التاريخية".
في الحالة الثانية يستعيد الاعتقاد بداهات الانقلاب البرجوازي و"الثورة الفرنسية" ومعها الأمريكية، ليقول بان لاطريق للبشرية ولاممكن قابل للتصوراو يرجى، غير الثورة البرجوازية، وكل محاولة خروج او انشقاق عليها سيكون مصيرها ومآلها الانكسار والفشل،مثلما هو حاصل أخيرا لروسيا ومن معها، فالتاريخ له بواية مغلقة لاامل لاحد بعبورها او القفز الى ماورائها، ولا خيار متاح للإنسان الا الثورة البرجوازيه، والنظام البرجوازي الليبرالي، والدولة المدنية كممكن وحيد، وهنا نكون امام تكرار للانقسام البديهي للوحة البنيوية الغربية وانشطارها الافقي ( برجوازية/ بروليتاريا) المعطيان المتناقضان المرتكز لما حل على الغرب ابان الثورة الالية المصنعية، وقد صار موزعا على العالم، ليتحول خلال عقود الى حالة ازدواج شامل للنظم والتطلعات، شرقا وغربا، ماقد طبع الظاهرة الغربية ذاتيا داخليا اصلا، كما من حيث امتدادها وغلبتها والقها او مايضادهاعلى مستوى المعموره، مايعد في الحصيلة من قبيل المآل، او التجلي الواقعي النافي للوحدانية على مستوى العالم ونظمه.
ونحن هنا امام حالة ومظهر من مظاهر"تعبد الظاهرة المجتمعية" واعتبارها حالة نهائية وازلية، تكررت اليوم متخذه صيغة وشكل الإفصاح المتناغم مع دعوى المعرفة الكلية، او مايعد "علما"، وفي المقدمه "علم الاجتماع"، اخر العلوم الذي امكن ان يوحي لماركس بفكرة اقتراب او امكان تغيير العالم بعد محاولات تفسيره، ولا تصير حالة تعبد المجتمعية حاضرة وذات وطاة، اذا هي لم ترجع الى مكون من مكونات الكائن البشري وازدواجيته، أي الجسد وحاجاته الضرورية لاستمراره وديمومته العضوية، الامر الذي بالغ ماركس وبتيسيط، في التركيز عليه مع صديقة انجلز، مذكرا بالاكل والشرب والماوى والحاجات الغريزية التي تديم الجنس البشري، في حين أضاف فوكوياما لاحقا خاصية معنوية لمحركات الكائن البشري عرفها ب "طلب المجد" والرفعه.
ولم يكن لامنظّر الاشتراكيّة الأكبر، ولا الكاتب الأمريكي الذي عاد وتراجع عن معظم اطروحاته، قادرين او مؤهلين للذهاب الى ماهو ابعد، او ماوراء الظاهرة البشرية والمجتمعية، بالاخص من ناحية، ومن حيث دلالات وجودهما الاسبق التي لاحياة ولاحاجات من دونها، فلم يخطر لهما التساؤل عن السر الكامن بالاصل وراء الصيرورة الحيوية الضامنه لاستمرار الكائن الحي قبل حاجات الادامه الضروريه، وفاتهم ان يروا خاصيته "التحولية" التي اليها يعود الفضل في وجوده أصلا، ولها يرجع اكثر من ذلك، الاستدلال على الحاجة الضرورية للبقاء والاستمرار، أي مايحول الحاجات الحيوية الغذائية وغيرها من ضرورات الادامة الجسدية، تابعا لتحرك وفعل قوة ابعد، لاحياة أصلا من دونها، فلاحياة بالاصل من دون "طاقة التحوّل" الكامنه في الكائن البشري، والتي هي الحياة، او ماظل يطلق عليه خطئا على مدى فترات طويله ومايزال،"الروح"، إشارة أولية لطاقة التحول التي اليها يعود الفضل في انقلاب العضية الى كائن لبون، واللبون الى قرد، والقرد الى كائن منتصب يستعمل يديه، قبل ان ينبثق العقل وينقله من الحيوان الى "الانسايوان".
غير هؤلاء، يأتي دارون ليسمي التحولية "غريزة البقاء" او المفهوم العلموي العنصري "الانتخاب الطبيعي"، والجميع في هذا المضمار يقول بالمفهوم والمدرسة او الفلسفة "المادية" التي لاتعترف بفعل خارج الملموس، هذا مع ان ماركس انتهى في الحقيقة الى رسم لوحة من الصراعية المحتمه لاتمت الى الملموسية المادية بصله، فمافعله يثير التساؤل عن : من صنع ولماذا القوانين الحتمية التي يقول بها ماركس؟ ولماذا ومن الذي فرضها على الكائن البشري والمجتمعات ورهنهما لها؟ ووفقا لاية موجبات؟ذلك يعني ان ثمة قانونا اكتشف اليوم يقول بان المجتمعات لاتسير بحسب ماتريد، ولا تبعا للمصادفة، وانها موضوعة مسبقا تحت طائلة قوانين صارمه، ذاهبة بها نحو مصير ونهاية قدرية محددة بعينها، وان تاريخ الانسان هو تاريخ القدر المسبق المادي الديالكتيكي، بالضبط كما هو الحال مع قوانين القدر الإلهي الصمممة وفق الإرادة العليا خالقة ومدبرة الكون، مع اننا نعرف الفاعل المدبر الثاني ونجهل صفة الاول.
نحن امام زمنين، انتاجي يدوي، يعقبه آلي، مع ازدواج في التعبيرينم عن كل منهما: الأول اليدوي، منقسم الى ارضوي احادي، ملكي او فرعوني، او امبراطوري. تقابله وتفارقة مملكة السماء على الأرض الابراهيمية، يتغذى مفهوما وحضورا من الازدواج المجتمعي الرافديني كقمة وبؤرة أساس ويشمل المجتمعات. والثاني: ازدواج مرتكزه الانشطار الطبقي، موزع على: عمالي بروليتاري/برجوازي، ماان يتحقق حتى يبدا بالحلول زمن وفترة انتقال مؤقت مابين عبادة المجتمعية المرض القصوري المستمرحتى تلك اللحظة، وانعطافة اماطة اللثام الكبرى الاستثنائية عن مكنون المجتمعية ومضمرها التحولي، وهو الطور الأخير الثالث، يوم ينفي ويتراجع اللازدواجان مع مايحايثهما من تصور ونظام، لتحل ساعة اكتشاف العقل للقانون الكوني، قانون "التحول" الشامل لكل شيء، وللكون ويصير"فك الازدواج" هو سيد الموقف والقوة الناظمة للوجود المجتمعي.
لم يوجد الازدواج الفردي البشري ( العقل / الجسد) ولا المجتمعي الأدنى الطبقي، والاعلى المجتمعي، بالصدفة، ولا من دون حكم وتصميم الغائية الكونية العليا السائرة الى التحول الأعظم، ابتداء من وصول الكائن البشري عتبة التحول والانفصال العقلي عن بقايا الحيوانيه الباقية متعلقة به من الطور النشوئي التحولي الانتقالي الأول، مايجعل النظر في مايوحي به الغرب من تحولية طبقية داخل المجتمع تبقية وتديمه، او من انغلاق على نمط تنظيم وكينونه بعينه، مجرد لمحة عابرة ضرورية، الغاية منها تتجاوزمنطويات وايحاءات بنيتها، ذلك ان الأهم، لابل المهم في الغرب ونهضته وصعوده الالي، هو ماهو مهيأ لان يفرزه من قوة مادية تحولية، لاحقة على الالية التي يمتنع مجتمع الازدواج بحكم كينونته التحولية عن انتاجها وبظل ممتنعا عنها كشرط لبقاء عمل الاليات التحولية الكبرى الأساس الناظمة لوجوده، الامر الذي تعود نتائجه وحضوره العملي، فتظهر بظهور وسيلة الإنتاج التكنولوجية اللامجتمعية، والتي تفرزها البنية الانشطارية الطبقية الاوربية عرضا، وبما يتناقض مع طبيعتها البنيوية، ووقتها يماط اللثام عن حقيقة المجتمعية، ويزول القصور التاريخي المهيمن على العقل منذ ظهور المجتمعات، والذي يتجلى على مدى زمني طويل بصورة عجز العقل عن الإحاطة بالظاهرة المجتمعية ومنطواها ومستهدفاتها وقوانين تحوليتها.
ثمة تجولية فردية تظل هي الفاعلة خلال الطور التحولي الحيواني، طرفاها البيئة والكائن المتحول الحيواني، تنتهي وينتفي دورها والغرض الأساس منها مع انبثاق العقل وتحول الكائن الحي الى كائن مزدوج الكينونه، ومن يومها تنتقل التحولية الفردية لتحل محلها كضروره أساس "التحولية المجتمعية" التي لاتتحقق الا بالازدواج المجتمعي واشتراطاته، الامر الذي تتكفل به البيئة، الكوكب الأرضي، بما هي ككائن حي مع تحولاته ومسارات حياته ونموه الكوكبي البيئي المناخي القاري، وصولا الى التوزع التحولي المجتمعي، وظهور حالة المجتمع الأول، والبؤرة المجتمعية التحولية الاكمل، ضمن اشتراطات "العيش على حافة ىالفناء" الرافدينية، ومقابلها التابع، اللازم والمساعد الضروري، عالم الغرب الأوربي الانشطاري الطبقي، الملحق بالازدواج الأساس الشرق متوسطي حيث الاحتشاد النمطي المجتمعي، وراسه التحولي الازدواجي الرافديني.
ـ يتبع ـ