نهاية المجتمعات لاالتاريخ ولاالطبقات/2

5 أشهر أسبوعين ago

عبد الاميرالركابي
وجدت المجتمعات ضمن اشتراطات تحولية تاسيسيه ابتدائية، وهي لم تكتمل بنية وتصيرمستوفية مقومات كينونتها الا مع اكتسابها خاصيات واليات التحول، وهذا حكم مختلف تماما ويغير كليا القول بالمجتمعية بصفتها مجرد ( تجمع + انتاج الغذاء) الاعتباطيةالنافية للقصدية، أي التي تجعل ظواهر الحياة والوجود، وعلى راسها المجتمعات، بلا غائية، ومنعدمة الغرض او الهدف، لصالح ماهو محدود ومباشر اني، متعلق باشتراطات العيش الاني، الامر الذي ينطلق بالاصل من محدودية وتجزيئية في النظر الى الوجود والكون والياته وموجوداته، والغايات الكبرى المضمرة فيه وفي المجتمعية كجزء منه.
تقتضي الخاصية "التحولية" لاجل مقاربتها قبل الإحاطة بها، اخراج العقل من جملة من المفاهيم، أولها تلك التي تقسم توزعات ظاهرة "الحياة" او الحيوية، الى صنف بعينه من قبيل تصنيفات "الجماد"، و"النبات"، و"الحيوان"، بالاستناد للظاهر، وبالدرجة الأولى الى الحركة والمدلول المحسوس من وجود الكائن من دون اعتبار للنوع (نوع الحياة)، او للدرجة الحياتية الحيوية، وما يتصل بذلك من نفي الحياة عما يطلق عليه اسم "الجماد" الذي هو وحصرا متعلقات ارضوية كوكبيه، تبدو جامدة بالقياس لنمط من الحياة، هو الاخر متعدد ومتدرج مابين الحيوان والنبات والكائن البشري، مايجعل الحيوات أنواعا، من بينها وبمقدمتها واعلاها حضورا، الحياة الجمادية الكوكبية الأرضية، لا وفق مقاييس واعتبارات الانسايوان ودلالات حيويته، بل بناء للحالة المقصودة بذاتها، ومدى وكيفيات حضورها و وتغيراشكال فعلها، وطريقة تعبيرها عن ذاتها، أي "نطقها" ومتغيراتها الهائلة ابتداء من يوم كانت كتلة ملتهبة، الى الساعة، بعد عشرات لابل مئات الاشكال والازمان واطوار التبدل والحركة الهائلة، وتغير السحنه والملامح والمناخات، وزخم الأصوات الجبارة الهائلة، بما من شانه منح هذا الكوكب صفة امتياز حيوي من اهم واكثر مظاهرة شخوصا، انتاجه للمادة الحية العضوية والنباتية وتدرجاتها، وبالاساس اخضاعها ضمن سيرورته الكامنه فيه لقانون التحولية والصيرورة المتصاعد، الذاهب الى التفارق بينه وبين ماكان انتجه وتكفل بصيرورته من خلال تحولاته الحيوية، قبل ان يصل لحظة انتهاء مهمته ودوره، ويبدا بالاستعداد لمابعده له، أي الى انتهاء ما مقدر من عمره ووجوده.
وجدت المادة الحية التحوليه على كوكب الأرض، بناء للحظة من حياة وتطور وجود الكائن الأرضي، مع توفر الاسباب الضرورية لانبثاق الخليه الأولى، او الخليه التحولية، ولم يكن لهذه الولادة التي مرت من قبل بما هو لازم من تفاعلات حيوية مافوق حياتية ارضوية (1)، مرتكزه لقانون التحول ومقتضايته داخل الكوكب، وضمن عملية تصيره وتشكله عبر مليارات السنين، فما كان لهذه الصلة او العلاقة ان تتوقف او تنقطع بين الطرفين( الوالد/ المولود)، او ان يتمتع المولود بعناصر استقلال تصيرية ابتدائية، فمع اتخاذ هذا اول شكل، او محطة من محطات التحول ككائن، ارتبط المسار التحولي الحيوي للمخلوق الحي العضوي الأعلى، بذات المصادر والمؤثرات الكامنة في مصدر الولادة والتغيير، فكانت الأرض وتغيراتها وتباينات مواضعها الحيوية، مقابل طاقة التحول في الكائن الحي، لزومية حيوية واساسية، تمثلت في عدم تماثل الطاقة التحولية درجة ونوعا بين مفردات واحاديات الكائن الحي، فكان بعضها او احدها يمتلك او ينطوي على طاقة الانتقال الى ماهو اعلى صيرورة وشكلا تكوينيا، لابصورة مطلقة ولا لخاصية ذاتية او امتياز كينونة عن سواه بل بحسب درجة توافقه مع زاوية بيئية واشتراطات طبيعية مناخية مختلفة من تلك الموزعة على الأرض والمتباينه بحسب المكان، فكانت العضية تنتقل الى اللبون، واللبون يتحول الى القرد، بناء على نوع ودرجة الطاقة التحولية في بعض افراده، بالتطابق مع اشتراطات البيئة والمناح وبحسب تبايناته واختلافاته على مستوى المعموره.
والمختلف هنا ليس الكائن الحي عن غيره ومثيله، او امتيازه عنه، فالكائنات كلها "تحولية" بالتساوي، الا ان استجابتها التحولية للمحيط والمناخ، والتحدي البيئي، تختلف بناء لاختلاف هذا الأخير، ولا شك ان هنالك حتى في هذا المضمار تدرجات ومستويات من الاستجابه التي تنتج في نهاية المطاف اساسات التنوع، مع حفظ النموذجية والنوع المستجد المتشكل، التي هي بالاصل خارجه عن ذاتية الكائن الحي، وعلى هذا تستمر العلاقة"العضوية" بين الكائن الحي ومنتجه الأصل الكوكب الأرضي، الخاضع هو الاخر كما اجمالي الكون لاليات "التحول الأعظم".
وكما الولادة والانبثاق الحي الأول، تستمر وحدة التفاعليه الحياتية التحولية بين الأرض، والكائن الحي صعدا، وتظل محكومة لصيرورة الكوكب ومتغيراته المناخية والتضاريسيه، وصولا الى الشكل الحياتي الذي تتخذه الأرض منذ انبثاق العقل في الجسد الحيواني، والذي ينتهي للاستقرار على صيغة انتقالية من التحولية الفردية المتفاعلة مع الاشتراطات الحيوية الكوكبية بعد تحولها الى اشتراطات تحولية مجتمعية، فتغمر حياة الكائن المستجد الانسايوان المتحول والمنقلب الى مزدوج ثنائي بعد ان كان متحولا فرديا، سيرورات تصيريه جديده، هدفها ومنتهاها: تحفف الغرض من التحولية المجتمعية، فيمر الكائن الجديد من يومها بطور من النشوئية الارتقائبة الجديده الازدواجية العقلية، الميالة الى الاجتماع التحولي، عبر محطات، اخرها طور من "التجمع" السابق التمهيدي قبل الاجتماع التحولي. (2)
وأخيرا تعرف الأرض والكائن المجتمعي زمنا فطاميا، مؤطرا بنكهة الاختصام بعد طول حضانة مبررها قرب ولزوم حضور العقل مع الفعل الجمعي المشترك، والتهيؤ لطور الاستقلاليه المجتمعية عن حاضنتها الأرضية، عندها يتبين الفارق ولا تساوي المجتمعات تحوليا، مقابل بيئه متباينه ومتعدده، كما كانت عليه الحال ابان الزمن التحولي الفردي الحيواني، فالمجتمعات اليوم تصير تحولية بتدرجات واختصاصات، منها تحولية ازدواجية امبراطورية، هي اعلى واكمل اشكال المجتمعات تحوليا بنيويا لاتقنيا، الامر الذي يجعل منها حالة تحول غير قابلة للتحول بذاتها، تعيش الى جانب مجتمعات جلها احادي، أكثرها دينامبة واعلاها فعالبة مجتمعات الازدواج الطبقي المختصة بالتحول التقني الالي،مصدرتوفرالمستلزمات التقنية المادية اللازمه الضرورية للتحول المتعذر التحقق في المجتمع التحولي البنيوي الازدواجي الرافديني، ومايحيط بالموضعين من عوامل ملحقة ضرورية للادامة وضمان التفاعليه، مثل احتشاد الأنماط المجتمعية الثلاثة بالقرب من مجتمع التحولية الازدواجي البنيوي، وتفاعلية هذا الموضع ذات الطابع الكوكبي، عبر دورات تاريخية ثلاثة، مع الغرب الطبقي، والشرق الامبراطوري معا، خضوعا مؤقتا احيانا، وردودا معاكسة تغييريه شامله أحيانا أخرى،قاعدة فعلها الارسخ، استمرارية مفعول الازدواج الفردي (الجسدي/ العقلي) وحضوره كبنية أساس موحدة للبشر كينونة على مستوى الكوكب.
خلال هذا الطور يكون العقل مهيئا للانفكاك عن الأرض وعن المجتمعيه، متجها ال الاستقلال وقد ان اوانه، وتلك اخطر لحظه، والمهمة الأعلى التي يقدر لعالم التحولية الأرضي التعرف عليها مابين حقبتي وطوري الحضانه أولا، والتفارق لاحقا، وإذ يبدا المجتمع الرافديني تحوليا ازدواجيا ويصير كذلك كواقع، فان اهم مايصبح مهيمنا على وجوده واليات حياته اشتراط "العيش على حافة الفناء"، يقابله ويحايثه عجز وقصور عقلي مستديم عن ادراك الحقيقة التحولية المضمرة في الظاهرة المجتمعية، يستمر معها التوقف دون الإحاطة العقلية بالظاهرة المذكورة، يديم نوعا من الاندماجية ب "امنا الأرض"، بعد ان تكون قد اختلت ركائزه واقعا لا وعيا.
تكتمل لوحة التحولية المجتمعية وتوزعاتها المطابقة لاشتراطاتها المتباينه على امتداد كوكب الأرض، كواقع بنيوي أولا، لاكتحقق، يظل مفتقرا الى الوسيلة المادية الضرورية، والوعي بالذات والمضمر في الكينونة ( أي عنصرا :التكنولوجيا العليا التحولية + الوعي التحولي، أي وعي الذات المنفصلة عن حاضنتها) والأول يسبق الثاني، مع ان التكنولوجيا منذ ان يفرزها مجتمع الانشطار التقني الطبقي، تظل ماقبلها، خاضعة لاشتراطات مادونها هي الأحادية الطبقية ومحاولات ادماجها ضمن ممكناتها، بغض ىالنظر عن علو ديناميتها ضمن صنفها، فاذا تحقق الوعي التحولي، انقلب العالم، ودخل الكائن الحي لحظة وعي ذاته وادراك نوعه وخصوصيته، فاخذ يصير مستقلا وحاضرا بإزاء الأرض حاضنته الأولى، الامر الذي لن يحدث ولن يتحقق الا ضمن سياق، وفي غمرة اختلال حاد في العلاقة بين الطرفين، يتولد وينتج عن الفعل المجتمعي، وبالذات منتجيته، مع انتقاله من اليدوية الى الالية، التي تشيع حالة من التصادمية العدائية التدميرية، تضع المجتمع في صدام كارثي مع الطبيعة، يصيب العلاقة بينهما باختلال أساسي، يقلب كل أسس التناغم والهارموني شبه الامومي الارضوي بالكائن الحي، تصير معه حياة ووجود الكائن البشري على الأرض، مهددة وشبه مستحيلة، ويعم من وقتها قانون "العيش على حافة الفناء" غيصير شاملا الكوكب الأرضي برمته، مايزيد في تحفيز والحاحية عملية وعي الذات والوجود التحولي مابعد المجتمعي.
وقتها يصير الكائن البشري والمجتمع الذي هو خليته الأساسية، معنيا بإعادة الانسجام الواعي والمستقل عن الكوكب الأرضي، المتناغم معه ادراكيا وعلى مستوى وعي الضرورات التحولية، ومع وعي الذات، وحضور الوسيلة التحولية المادية التكنولوجية، يذهب الكائن البشري الى التحول عبر زمن انتاج الانسان المتحرر من الحاجات الجسدية، بعد زمن الانسايوان والمجتمعات، يوم كان وظل العقل خاضعا لوطاة الجسدية العالقة المتبقية فيه من زمن الحيوانيه مع وطاة اضطراراتها وحاجاتها الحيويه، واساليب ووسائل انتاجها، وهو ماصارت البشرية تعيشه اليوم، وتقف على اعتابه، قبل ان يصير أوان "نهاية المجتمعات" عنوان وجودها و" نطق العقل"بعد "نطق اللسان" منهاج وجودها التحولي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تذهب الآراء ووجهات النظر المفعمة بالاحادية الى القول بورود المادة الحية الى الأرض ، من خارج الكوكب الأرضي، بصرف النظر عما اذا كان المذكورهنا من دون دليل وبلا اثبات.
(2) المجتمعات بحسب المنظور التحولي، هي تلك التي اكتملت مع تحقق شروط "التحول" في بنيتها، وهو مايؤرخ له بظهور المجتمع السومري جنوب ارض مابين النهرين، مع مايقابله ويتطور معه من اشكال مجتمعية تحولية لاحقة، دنيا، او معنية باختصاصات تحولية غير بنيويه، اما ماقبل المجتمع السومري من ظواهر تمهيدية، واشكال "مجتمعية" أولية، فهي بالأحرى حالات "تجمع" انتقالية، لا "مجتمعات" مكتملة البنية والقوام، ومن ثم وخصوصا ...الغاية المضمرة.