فبركة عراق ومتبقيات ايديلوجية متهافتة/2

5 أشهر أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي: وجد الغرب نفسه مضطرا للانفصال عن ذاته، وعن أسس كينونته التي سيغادرها مكرها كثمن لمحاولته "استعمار" العراق وادراجه ضمن مشروعه للعالم، فعل ذلك وهو يمارس تمرين فبركة لموضع وبلاد، بدت متصادمه كليا مع اشتراطاته، الامر الذي تكرس بداية وعمليا بردة الفعل العسكرية الشاملة الرافضة بعد قرابة ثلاث سنوات على دخوله بغداد وإعلانه احتلالها، علما بان الحملة العسكرية البريطانية، وهذا اخطر اخطائها واشدها وطاة، كسرت قاعدة تاريخية ثابته بنفاذها الى العراق من موضع التشكل الوطني الحديث والتاريخي، وهو مالم يسبق ان حدث من قبل ومع تكرار الغزوات والاحتلالات التي عرفها العراق طيلة تاريخه على مدى الاف السنين، وكانت احدى ابرز عناصر قاعدة العيش على حافة الفناء التاريخية التي تحكم صيرورته المجتمعية والكيانية. الا انها كانت تاتي تقليديا من الشمال والشرق والغرب، بينما لم يحدث اطلاقا ان عرف العراق غزوا من الجنوب، المنطقة الامنة دائما، حيث يكون العراق ويتبلور متشكلا بنية وكينونة.
وذلك جانب تغير انقلابي عرفه العراق اليوم، لم يسبق ان خبرمايماثله على الاطلاق( 1) ومن ثم فهو قد شهد ردة فعل عليه من نوع استثنائي يماثله، تظافرت على تاجيجه واعطائه الخاصيات التي تميز بها، عوامل، أولها ان الاحتلال جاء مخترقا ارض السواد حيث التشكل الحديث الوطني الثالث الراهن مستمر منذ القرن السادس عشر والسابع عشر، ومر بحقبتين قبلية ودينية تجديدية انتظارية أولا، مع نوع مامثله صعود الحملة البريطانية من الفاو جنوبا من تحد وجودي غير مسبوق، هو مايفتح الباب لتفسير مستوى التعبئة المجتمعية القصوى، ونوع القتالية التي واجهتها الحملة البريطانية واضطرتها للتفكير الجدي بالانسحاب من العراق لولا ابتكار اللحظة الأخيرة ( 2) هذا غير الخصوصية التاريخية البنيوية التكونية، ومايتصل بها وينجم عنها من مفاهيم واشكال تصرف احترابي بنيوي إزاء حالة تهديد مصيري وجودي بمواصفات تنظيمية وتسلحية محدثة، نظر اليها وفهمت على انها تدميرية وساحقة(3).
عمليا وبغض النظرعن التفاصيل، قرر الإنكليز فبركة "دولة/ كيان" مكررين صيغة "الدولة البرانية" السابقة على وجودهم (4)، أي تصرفوا كعثمانيين دون علم منهم، ورغما عنهم، فعمدوا أولا لالغاء تاريخ العراق الحديث باسم الحداثة، مسقطين مايزيد على ثلاثة قرون ونصف من تاريخ التشكل الوطني الحديث السابق على حضورهم، ليعتمدوا سردية مختلقة للعراق توافق منهج الفبركة الذي اتبعوه باسم الحداثة، بخلاف جوهر مشروعهم وطبيعته، وطبيعة النموذج الذي يمثلونه في مجال مايعرف بالدولة الحديثة، ونمط ( الدولة/ الامة) التي تميزهم، وتعرف حداثتهم على مستوى التنظيم الاجتماعي، وفي مجال ومفهوم "الوطنية" باعتبارها ثمرة وحصيلة عملية تشكل تاريخي، عمدوا الى اقتطاعه وفصله عن مساره الواقعي، ليقموا " حكومة" اطلقوا عليها اسم "حكومة من اهل البلاد" اوجدوها من خارج النصاب الاجتماعي ومن دون اعتبار لعملية التشكل الوطني التاريخي، فكانوا عثمانيين بثوب حديث، بخلاف اية حالة من حالات الفبركة التي قد يكونون عمدوا لها في المستعمرات على الاجمال، ففي العراق كانت عملية التشكل التاريخي جارية وسابقه على المشروع الغربي الحديث، وكانت أوان وصولهم للعراق قد قطعت شوطا متقدما، كان يشارف على الانتقال الى الصعود من منطقة السواد الموضع التقليدي للتشكل الوطني عبر الدورات التاريخية الثلاث، الى الأعلى الى حيث عراق الجزيرة.
غير ذلك عمد الاحتلال الى مواصلة نهج عثماني كان مايزال في طوره الابتدائي، الا انه كان يمكن ان يكون مفهوما حين يذهب العثمانيون الى اعتماده محاولين، وان من دون نجاح يذكر، التدخل في البنية العشيرية العراقية المشاعية، بامل خلق وإيجاد ملاكين اقطاعيين في الريف الجنوبي في ارض السواد، الامر الذي ظل ابان أواخر العهد العثماني محدودا، ولم يصل درجة التبلور كظاهرة تهديدية للبنية العشيرية المساواتية، الامر الذي عمد المحتلون الجدد الى تسريعه بقوة باعتمادهم قانون التسوية لعام 1932 الذي يعني اختلاق طبقة لاوجود لها في التاريخ العراقي، أساس وجودها قلب وتشوية نوع علاقات الملكية قي الريف، وهو مايعني نوعا من مواصلة الحرب على ثورة 1920 بوسائل مجتمعية طبقية، مضافة لما اقاموه من دولة برانية، فاذا كان العثمانيون يمكن ان يلجاوا لمثل هذا النهج، لاتفاقه مع بنية سلطنتهم، وان من دون نجاح، فان الإنكليز اعتمدوه وهم يناقضون طبيعتهم، ويخرجون من جلدهم البرجوازي الحديث.
بعد هذا يأتي موضوع الحدود الكيانية التي قررت وقتها مع إقامة الدولة، بمغادرة توزيعات ىالعثمانيين الى ثلاثة إقاليم، وحدت ووضعت لها "حدود" تقرر سلفا مجال ومدى حضور الكيانية، بناء لمواصفات الحداثة وأنواع الكيانات والدول التي صارت تتشكل بحسب وعلى نمط الدولة والكيانية الغربية وقوانينها المستحدثة، وهو مايتنافى مع طبيعة العراق وبنيته وتكوينه الازدواجي، واليات تحققه التاريخي كمركز امبراطوري، هو الأول في التاريخ على الاطلاق، وتكرر حضوره عالميا وعلى مستوى المعمورة كمركز قيادي عالمي لثلاث مرات، ابان عهد سرجون الاكدي، وايام البابليين، ومن ثم العباسيين، ولايعني ذلك ان المقصود مما ذكرناه القزل بإمكانية عودة الإمبراطورية وتجددها اليوم، لكنه يعني تحديداان الاليات الذاتيه الازدواجية قد جرى التعامل معها من منطلق القرار المسبق، المخالف لمضمراتها وممكناتها، من دون الاخذ بالاعتبار احتماليه تجددها بما يتلائم حتى مع مامعتبر "العصر" او مع الدورة التاريخية الراهنه الثالثة المستمرة منذ القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهنا تكمن الاعتباطية الحضارية والتاريخية النافية للاخر، والقائمة على القسر التاريخي الأحادي النموذج، غير المبرر الا بقانون الغلبة والقوة القاهرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مايعرف بالحزبية الايديلوجية الثلاثية القومية والليبرالية والماركسية لم يسبق لها بالمطلق ان لاحظت هذه الناحية من نواحي الانقلابية في مصدر وجهة الغزو ودلالاتها واثرها ودورها في تاجيج ردة الفعل ونوعها، بينما ظل هؤلاء باعتبارهم قوى ملحقة بالفبركة الغربية الاستعمارية يصرون على تسمية ثورة 31 حزيران 1920 بالثورة " الوطنية العامة" على الطريقة الغربية كي يلحقوها بكيانية المفبركة التي هم جزء أساس وحيوي منها.
(2) كتبت المس بيل في رساله لها تصف حال الحملة البريطانية ابان ثورة العشرين تقول :" ان نهاية الإمبراطورية الرومانية، تعتبر اقرب حدث تاريخي يقارن بوضعنا في الوقت الحالي"/ من رسالة لمس بيل مكتوبة في 5 أيلول 1920، بيل ج2 ص 498/ راجع كوتولوف / "ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق"/ مكتبه النهضة ـ بغداد ـ / دار الفارابي ـ بيروت/ تعريب عبدالواحد كرم/ مراجعة عبدالرزاق الحسني/ ص 130 ـ الهامش رقم 19 ، و قد وقعت " نهاية 1919، ونهاية 1920 احداث جسيمه في العراق كادت تؤدي الى هزيمه محققة لقوات الاحتلال البريطاني، فلقد قامت الثورة في نهاية حزيران 1920، واشتعلت نيرانها في الفرات الأوسط، وسرعان ماانتشرت الى منطقة الغراف والعماره وديالى وبقية انحاء العراق ولقد تكبد البريطانيون خسائر كبيرة مما اضطرهم الى الشروع بالانسحاب كليا من العراق. وبالفعل فقد اعد الكولونيل ولسون مشروعا مفصلا بالانسحاب العسكري من العراق، لكن السلطات البريطانية في لندن رات انه ماتزال هناك فرصة لتدارك الهزيمة الكلية، فاستدعت السير بيرسي كوكس واطلعته على الموضوع، فاشار الى ان هناك املا " خمسين بالمائة" بالنجاح في انقاذ النفوذ البريطاني في العراق ولكن بشرط تشكيل حكومه عراقية تستعمل كواجهة للحكم البريطاني في العراق" إبراهيم علاوي / البترول العراقي وحركة التحرر الوطني/ دار الطليعة بيروت/ ص56/ نقلا عن كتابي ولسن " الولاء" و"تعارض الولاء " مع رسالة جريتورد بيل حيث تحتوي على فصل كتب من قبل برسي كوكس يشير بوضوح لهذه النقطة/ راجع الهامش ذات الصفحه.
(3) يجري الحديث هنا عن منطقة من العراق احترابيه بالطبيعة، عرفت عشائرها خلال العهد العثماني 50 تمردا مسلحا، و 100 وهي حال لامثيل لها او شبيه يقاربها من حيث تعبيرها عن " تحررها" الفعلي الواقعي بإزاء من يتوهمون احتلالها وهم قابعون في بغداد والقلاع والمدن المسورة، مايعني اتصالا عضويا واستمرارية بديهية، بشيء من الخصوصية الانية والتصرف الموحد، مع تاريخ ونمط حياة وسلوك ثابت هي احدى اهم تعبيرات العراق المتشكل حيثا عن تحرره / راجع انتفاضات عشائر جنوب العراق في العهد العثماني/ ميثاق خير الله جلود/ مركز الدراسات الإقليمية / جامعة الموصل/ محمل على كوكل.
(4) بسبب طبيعة تاريخ العراق المحكوم للدورات والانقطاعات التاريخية، تقوم في ابان فترات الانقطاع اشكال من الدول البرانية غير المحكومة للاليات الذاتية الداخلية بسبب توقفها، وهو ماتجسد بالذات خلال فترة الانقطاع الثانية بعد سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانية الإمبراطورية، حين تحولت بغداد المنهارة الباقية من دورة منتهية، الى ركيزة للدول البرانية المنفصلة عن الاليات الوطنية الامبراطورية الازدواجية العراقية، وهي اشكال حكومات لاتحكم العراق، بل سظل نفوذها محصورا في بغداد، في حين يظل الجنوب وارض السواد متحررا من دون استقلال، وهو ماينطبق على الفتره العثمانية بطوريها المماليكي والمباشر الأخير، وعاد وانسحب على الاحتلال الإنكليزي ودولته "الحديثة" التي أقامها.
ذلك مع امتيازكون المحتل اليوم ينتمي لعصر ونمط احتلال ومشروع مختلف جوهرا، مع انه لم يحظ بما كان مفترضا به ان يحظى به من تميزنوعي يدعيه مقارنة بما قبلة مطبقا على حكم الاليات الإمبراطورية الازدواجية التحولية الرافدينية التي تبقى حاضره في المرحلتين.