الفبركة وما ينقص الثورة الكونية الأعظم؟/5

5 أشهر أسبوع واحد ago

عبدالاميرالركابي
الصدوع للغرب وزاوية نظره، ومفهومه ونموذجه، ابان زمن ومرحلة "التفارقية الرباعية" يعني جزئية المنظور، ومن ثم تحريف مغزى وجوهر اللحظة الحالة على العالم، علما بان مثل هذا الرضوخ، يجد في لحظته مايبرره بقوة، ومايضعه بمصاف الحقيقة والحلم، و الوحيد من بين العناصر الاساسيه التي تشكل التفارق الرباعي، الامر الذي تكرسه النقلة الكبرى الالية المصنعية، وماواكبها واحاط بها من منجز شامل لكل فروع وجوانب الحياة العلمية والتفكرية في الميادين كافة، ذلك مع الاخذ بالاعتبار كون الحدث الغربي قد انبثق وسط لحظة كان العقل البشري ابانها مايزال لم يتخلص بعد من حالة قصور العقل التاريخي إزاء الظاهرة المجتمعية ومنطوياتها، ماجعله مهيئا للرضوخ لالق الظاهرة الاوربية الباهر، بالمقارنة بطرف من اطراف التفارقية مثل التشكل الرافديني الثالث الراهن، السابق على نهضة الغرب، والمتضمن غاية ومقصود ومنتهى لحظة "التفارقية الرباعية"، بما هي محطة وعتبه أخيرة، تسبق الانتقال الكوكبي المنتظر، الى التحولية( ثمة طرف واحد محكوم عليه بالزوال هو / السلطنة العثمانية/ وماتمثل، في حين تحتل القارة المكتشفة حديثا، والتي ستعرف "الإمبراطورية المفقسة خارج رحم التاريخ"، مكانا هو الاخر متجاوز للغرب الذي يقع في المنتصف، بين تجلي اقدم المجتمعيات واعرقها، واولها اكتمالاتحوليا، واخرها) .
هل يمكن القول وهل كان ممايمكن تصوره، ان تظهربدل الرؤية المكرسة من قبل الغربوقتها رؤية تقول بان العالم اليوم قد بلغ عتبة التحول، وان التفارقية الرباعية الراهنة، هي شكل الدورة الثالثة التصيرية التاريخية المجتمعية، الدالة على استنفاد المجتمعات زمنها الأحادي المفروض واللازم، قبل بلوغ والدخول في الزمن التحولي المفضي لانتهاء الظاهرة المجتمعية. مثل هذا النوع من الاعتقاد الانقلابي كان يعني في حال حدوثة اننا قد وصلنا نهاية التفارقية الرباعية، بعد عبور زمنها واحتداماتها، وتضارباتها غير المعتادة ولا المالوفة، او المتاح للعقل ادراكها، بما انه واقع بالاصل تحت وطاة نقيصة تاريخية اصلية جعلته بحالة قصور وتاخر عن ادراك مامودع في العملية المجتمعية، الامر الذي اقتضى المرور بكل التجربة المجتمعية التصيريّه التاريخية السابقة على لحظة التفارق الرباعية الراهنة، قبل ان يقف على أبوابها ليشرع بخوضها كفصل أخير، تتداخل فيه وعندة المتضادات، وتتقارب وتحتدم أسباب تجلي ممكنات النفاذ من معضلة التاسيس التي وقعت على العقل منذ وجود واكتمال الظاهرة المجتمعية.
بهذا تكون العتبة التفارقية الرباعية مرحلة أخيرة، ضمن سياق تاريخي تصيري، أي انها طور أخير من اطوار ماقبلها، تظل خاضعة لاشتراطاته الأساسية ابتداء، مع اختلاف كونها تنطوي على أسباب ودينامات اعلى، وخلاصات متراكمة، تجعلها مؤهلة مقارنة بماقبلها، لان تفضي الى الانقلاب المطلوب والمنتظر، وهو مايعني تبسيطا، ان سردية الخروج من المفارقة العقل/ مجتمعية تخضع الى طورين، اول ماقبل التفارقية الرباعية، وثان يبدا مع تشكل واكتمال ملامح التفارقية مع النصف الثاني من الالفية الثانية.
اليوم وعند منتهيات الطور الحالي من عملية التصير التاريخي المجتمعي، يمكننا ان نصرح قائلين بان الغرب وظاهرته ونهوضه الحديث، هومحطة أساسية جزئية ضرورية ضمن العملية الاوسع والابعد الشاملة، الموصلة لهدف التحوليه، وان هذه العملية لم تبدا في اوربا، بل في ارض الرافدين مع نهاية القرن الخامس عشر، ومرة أخرى على ارض سومر، الموضع الذي فيه وعنده بدات المجتمعية الأولى، بعدما توفرت على أسباب كمالها الضروري، ونضجها التحولي، ومن ثم الازدواجي. وهذا راي من الواضح انه لايمكن ان يطلق من دون تحسب شديد لمعناه ودلالتة، ومترتبات الاخذ به، مع مخالفته الكلية القطعية للشائع والمتعارف عليه، ومايعد راسخا من مفاهيم و"علوم"، وشبكة تصورات ومعتقدات متوارثة وحديثة، تخص المجتمعات والتاريخ والوجود، وكيفية النظر لها، مما يدخل ضمن تاريخ العقل الأحادي وتراكماته، بما فيها وآخرها، تراكمات اللحظة الحالية العائدة الى العتبة الأخيرة التفارقية، وافتتاحيتها المفعمة وما رافقها من ضلالات مضخمه، شديدة الايهام والوطأة على العقل البشري الانسايواني.
اول تلك الضلالات واخطرها ايغال الغرب وظاهرته في تكريس القصور العقلي إزاء الظاهرة المجتمعية من ناحيتي، تعيين المآلات، او "الاستراتيجيا" المجتمعية المضمرة في الظاهرة، وتركزها في المنحى الطبقي ومنتهياته المنطقية، والكيانية "الوطنية" بمعنى "الدولة/ الامة"، الاختراع الذي انكب عليه الغربيون يوضحون كيفيات وشروط تحققه، من وحدة التاريخ والاقتصاد واللغة .. الخ ليعينوا معنى وحقيقة ممكنات مجتمات البشر المنتظمين داخل حدود مرسومه، مايعود بالمشابهة التاريخية الى نموذج كياني قام ابتداء في منطقة الاحتشاد النمطي المجتمعي في الشرق المتوسطي، هو النمط،او النموذج الأحادي المصري النيلي، غير المنشطر طبقيا، والادنى ديناميات مقارنة بالطبقي الاوربي، والاميل للسكونية والاجترارية، مع الاعتياش على، وتكرار منجز الدورة الواحدة التأسيسية، وتلك اهم واخطر مظاهر نكوص الظاهرة الغربية، وابرز دلالات استمرار وقوعها، او رضوخها لوطاة التفارقية المجتمعية العقلية، وتكريسها الأعلى لها.
متى تبدا الثورة المتضمنه في التفارقية الرباعية الحالية، ويصير"قرآن القراءات" الرافديني العراقي، المنتظر المحجوب منذ بدء المجتمعية ونكوصها، حقيقة تحاكي "آخر الزمان" الأحادي وزوال وطاته، هذا "الانقلاب الأعظم"، او مامعتاد على تسميته "الثورة"، يصير قيد الراهن والمعاش حين يصبح ممكنا النظر للمجتمعية والكيانية على انها لا أحادية أصلا ووجودا ابتدائيا، بل نشأت بالاصل كازدواج غر مقيد بحدود كيانية، ازدواجيته وصراعيته المتولدة عن تناقضيته البنيوية، تجعله"لا وطنيا"، يموت حين يضطر لان يكتفي بالكيانية المحلية، لهذا عاش وازدهر وعبر عن حقيقته التاريخية التاسيسية لمرتين، الأولى عندما كان هو المتفرد على مستوى المعمورة، قبل تبلور الكيانات، ومايعرف بالحضارات الأخرى المجاورة والقريبه، مستفيدا ممايتمتع به من سبق كينونة وتحقق، والثانية حين انفتح له المدى الواصل الى الهند وحدود الصين شرقا، والى اوربا غربا، ووقتها تسنى للازدواج الامبراطوري الدلالة على ذاته الكيانية، مافوق الوطنية "المحلية" مقارنة بما كانت تمثله حالة مصر.
والاهم بالقطع كون الازدواج في حالة تحققه، يتمثل واقعا وحضورا ب "امبراطوريتين" لا واحده، كما تتميز وتختص عادة البنى والتكوينات الأدنى، الأحادية، فالامبراطورية الاكدية او البابلية، حايثمها تبلور وتشكل الإمبراطورية السماوية، و"مملكة الله على الأرض" الكونية، وهي المعبرة عن حضور الطرف الحيوي الثاني في الازدواج المجتمعي، وتمثيل لواقع "دولة لادولة" لاتتحقق ارضويا، ولاتتجسد بالشكل والصيغة المعتادة الاحادية للدول التمايزيه القهرية الارضوية، وهي حالة واقعية ملموسة، العقل لايملك مقاربتها ابان زمن قصوره، ولايجد امامه من باب الصراعية الازدواجية، ونفي المقابل، غير ان يحيلها نافيا إياها الى مايعرف ب "الدين"، ليضعها خارج المعاش والملموس، مستفيدا من كونها وضمن اليات تشكلها كما قد فرض عليها صراعيا في حينه، لان تأخذ شرعيتها من السماء، مكرسة حالة المفارقة الممكنه عقليا في حينه، بإزاء سلطة الأرض الملموسة القهرية التمايزيه.
في الطور الثاني وبعد الفتح الجزيري للعراق وعودة الاليات التاريخية الازدواجية للعمل بعد تحريرها من وطاة الاحتلال الفارسي، عرفت الازدواجية الثانية، بمقابل امبراطورية بغداد الصاعدة من الجنوب، "الكوفة"، والهاربة من وطاة مجتمع نفي الدولة الأحادية، لتستقل داخل بغداد، وتصير امبراطورية دولة مدينة كوسموبوليتيه، تستمد عناصر وجودها من المدى ا الذي تهيا بعملية "الفتح"، بينما ازدجم عالم اللادولة التي لاتتجسد ارضويا في ارض السواد، بزخم الابراهيمية الثانية، من التشيع بتياراته، الى اخوان الصفا، والمعتزلة، والفاطميين والقرامطة، والحلاجية نموذج (الانسايوان/ الاله) العراقي السومري،( سبق له ان تجلي في ارض الشام بصورة السيد المسيح) بعد ان اُحلت "الامامة" مكان النبوة الجزيرية الفتحية، كامتداد بشروط مختلفة ازدواجية، لتذهب قبل ان تختم ب "الغيبة والانتظارية"، نحو عملية فتح امبراطوري مواز ثان، الى اليمن والبحرين، وسوريا/ السلمية، والجزيرة العربية نفسها، ثم الى المغرب، ومنها الى مصر، لتغدو مصر محكومة بالفاطمية احد فروع الابراهيمية الثانية، التي ستقوم هي فعليا بتعريب مصر واسلمتها، وبناء الازهر فيها، بالضبط كما كانت الابراهيمة ممثلة دولة اللادولة السماوية المتعذرة التجسد في ارضها، قد تبلورت ضمن اشتراطات مختلفة، كبنية مفهومية مفارقة في المجال المصري المضاد لها تكوينا، من دون امتلاكها لقوة او خطر مادي بنيوي ازدواجي ( كما الحال في ارض الرافدين)يمكن ان يجعل الفرعون يعتبر الجيتو، او عالم المهاجرين ممن يعيشون داخل دولتهم التي بلا دولة، خارج ارضهم التي نزحوا منها، خطرا جديا، او يمتلك مقومات واقعية مجتمعية ترشحه لاي نوع من التحقق، ناهيك عن خصوصيات ساحل الشام، والثغرات التي تميزه لجهه اللاكيانية، والتشكل في دول المدن، الامر الذي يجعل من منطقة الشرق المتوسطي بانماطها الثلاثة، الازدواجي الرافديني البؤرة، واحادي الدولة المصري، واحادي اللادولة الجزيري الاحترابي، وحدة تفاعلية، ومنطقة تحقق كوني، قاعدته ارض مابين النهرين، اعلى اشكال المجتمعية، وأكثرها تطابقا مع مبتغياتها، وماهي مصصمة لكي تؤول اليه.