حصول العراق على بذور الديمقراطية الأمريكية/الفصل 10 من كتاب “ بذور للتهديم – البرنامج الخفي للتلاعب الجيني”

شهران 3 أسابيع ago

وليم أنغدال F. William Engdahl ترجمة: عزام محمد مكي

"إن السبب من تواجدنا في العراق، هو لزراعة بذور الديمقراطية حيث ستزدهر وتنتشر في انحاء أنظمة الاستبداد في المنطقة"
جورج دبليو بوش

علاج الصدمة الاقتصادية على الطريقة الامريكية
-------------------------------------------------------------------
عندما تكلم جورج دبليو بوش عن زراعة " بذور الديمقراطية" لم يدرك الا القليل بانه كان يفكر بالبذور المعدلة وراثيا من قبل مونساتو.
بعد الغزو الامريكي للعراق في آذار 2003، تغيرالواقع الاقتصادي والسياسي للبلد بشكل جذري. لم يتم إحتلال العراق فقط من قبل حوالي 130 ألف من القوات الامريكية وجيش صغير من الجنود المرتزقة المرتبطين بالبنتاغون، إنما كان كان تحت السيطرة الاقتصادية الشاملة من قبل المُحتل، المتمثل بالولايات المتحدة.
لقد قام البنتاغون بمهمة تنفيذ السيطرة على الاقتصاد العراقي. في آيار 2003، تم تعيين بول بريمر الثالث كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، التي تم أنشاؤها حديثا، وهي سلطة الاحتلال من وراء الستار. وقد شغل بريمر ، وهو المسؤول السابق عن الارهاب في وزارة الخارجية الامريكية، منصب المدير العام لشركة الاستشارات القوية الخاصة بوزير االخارجية السابق هنري كيسنجر والمسماة ( Kissinger Associates).
من نواح عديدة، مثل العراق المحتل من قبل امريكا، فرصة أفضل بكثير من الأرجنتين. لقد مثل ألاحتلال الأمريكي للعراق الوسيلة لجعل النظام الزراعي لكامل البلد تحت هيمنة الشركات الزراعية التي تستخدم تكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات. فبكل بساطة قدمت إدارة الأحتلال الامريكي عرضا للفلاحين العراقيين لايمكنهم رفضه:" أن تأخذوا بذورنا المعدلة وراثيا مقابل أن لا تموتوا". لقد كان بريمر المسيطر، بحكم الواقع، على مسألتي الحياة والموت في كل مجال من مجالات الأنشطة المدنية في العراق المُحتل. ومن الجدير ذكره، انه لم يقدم تقاريره الى وزارة الخارجية وهي المسؤولة عن إعادة البناء، ولكن بدلا من ذلك كان يقدمها مباشرة الى مكتب وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد، في البنتاغون.
كمسؤول عن سلطة الأئتلاف المؤقته (CPA)، تحرك بريمر بسرعة لصياغة مجموعة من القوانين للتمكن من حكم العراق، الذي كان في ذلك الوقت يفتقر للدستور ولحكومة مٌشكلة بشكل قانوني. لقد بلغ العدد الكلي للقوانين الجديدة التي وضعتها سلطة الاحتلال الامريكية المائة قانون، على ان يتم تطبيقها من شهر نيسان 2004.[1] بشكل عام، فأن المائة من القوانين الجديدة، أو الأوامر كما كانت تُسمى، الجديدة والتي صدرت بتفويض من قبل الولايات المتحدة، ستضمن إعادة تشكيل الأقتصاد العراقي على غرار نموذج نظام أقتصادي للسوق الحرة مُفوض من الولايات المتحدة؛ الشئ المشابه لما تم فرضه من قبل صندوق النقد الدولي و واشنطن، على أقتصاديات روسيا وبقية جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة بعد 1990.
لقد كان الهدف من التفويض الذي أُعطي الى بريمر من قبل المخططين في البنتاغون تحت إدارة رامسفيلد، هو لفرض "علاج الصدمة" الذي سيحول كامل النظام الاقتصادي المركزي المعتمد على الدولة، الى نظام اقتصاد السوق الحر. لقد أجرى تغيرات اقتصادية كبيرة في شهر واحد، اكثر من التغيرات الاقتصادية التي تم أجبارها على الدول المَدينة في امريكا اللاتينية في ثلاثة عقود.
وكان أول عمل قام به بريمر قيامه بفصل نصف مليون موظف للدولة، معظمهم من الجنود، ومن ضمنهم كذلك أطباء، ممرضين وممرضات، والمشتغلين بالنشر والطباعة. والأجراء التالي الذي قام به كان بفتح الحدود لواردات غير مُقيدة؛ بدون تعريفات، بدون رسوم كمركية، بدون تفتيش وبدون ضرائب. بعد وصوله بغداد بأسبوعين أعلن بريمر بأن العراق سيكون "مفتوح للأعمال الاقتصادية". ولكنه لم يفصح لمن ستكون هذه الأعمال الأقتصادية، ولكن هذا اصبح واضحا بمرور الزمن.
قبل الأحتلال, كان هنالك حوالي 200 شركة مملوكة للدولة هيمنت على الإقتصاد الغير نفطي، كانت تقوم بأنتاج كل شئ من السمنت والورق الى مكائن غسيل الثياب. في حزيران 2003 قام بريمر بخصخصة هذه الشركات المملوكة للدولة بشكل فوري.
وفي تصريحه لتبرير الخصصة "إن تحويل مؤسسات الدولة الغير كفؤة الى أيدي القطاع الخاص" كما قال " شئ ضروري لأنعاش الاقتصاد العراقي". ستكون خطة الخصخصة العراقية أكبر عملية بيع لتصفية الدولة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.
لقد نص ألأمر رقم 37 الصادر من سلطة الأتلاف المؤقتة على تخفيض معدل الضريبة المستوفاة من حوالي 40% إلى 15%. بدون المداخيل الضريبية لن يكون بمستطاع الدولة ان تلعب دور كبير في اي مجال. أما ألأمر 39 فسمح للشركات الاجنبية بتملك 100% من أصول عراقية خارج قطاع المصادر الطبيعية. بهذا ألأمر تم رفع القيود عن ألأنشطة ألأقتصادية الاجنبية في البلد. فلن يكون مطلوبا من هذه الشركات إعادة الاستثمار ولن تستقطع منها الضرائب. ومن الواضح للعيان بأن المستفيدين من هذه القوانين لن يكونوا العراقيين ولا الاقتصاد العراقي.
وتحت ألأمر 39، تستطيع الشركات الاجنبية ان توقع عقود إيجار وعقود يمكن ان تستمر لمدة أربعين عاما. أما ألأمر 40 فقد رحب بالبنوك الاجنبية للعمل في العراق تحت نفس الشروط الملائمة. والشئ الذي لائم مثل هذا الاستحواذ الاجنبي على الاقتصاد هي تلك لقوانين المتبقية من عهد صدام والمقيدة للنقابات و (collective bargaining).
وبين ليلة وضحاها تحول العراق من الدولة ألأكثرعزلة في العالم، ليصبح السوق الأكثر إنفتاحا وحرية. مع الدمار الذي حصل للأقتصاد والنظام المصرفي، والذي سببته الحرب وأكثر من عقد من الحصار الاقتصادي الذي قادته الولايات المتحدة، لم يكن العراقيين في وضع يُمكنهم من شراء شركات الدولة التي تمت خصصتها. كانت الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات هي الجهات الفاعلة المحتملة الوحيدة التي قد تستفيد من مخطط بريمر للانتعاش الاقتصادي الكبير.
لقد تم فرض القوانين الجديدة على بلد مُحتل ومدمر، مع عدم وجود إمكانية للأعتراض، بأستثناء عمليات التخريب العسكرية وحرب العصابات ضد المُحتلين. إن القوانين المأئة الجديدة التي سنتها سلطة التحالف المؤقتة (CPA) – وكيلة حكومة الولايات المتحدة الامريكية المحتلة – لجذب المستثمرين الاجانب للعراق، اعطت كامل الحقوق والسيطرة على ألأقتصاد العراقي للشركات المتعددة الجنسيات.
والأدهى من ذلك، إن هذه القوانين قد تمت صياغتها بطريقة تسمح بفتح الطريق لأكثر تحول جذري لنظام الانتاج الغذائي تمت محاولته في البلد من قبل. كان على العراق، تحت سيطرة بريمر، ان يصبح نموذجا للأعمال الزراعية المستخدمة لتكنولوجية التعديل الوراثي للكائنات (GMO).
-------------------------------------------
قانون بريمر رقم 81
---------------------
لقد حددت سلطة التحالف المؤقتة صراحة ما هو الحجم القانوني للقوانين (ألأوامر) المئة. لقد تم تحديد الأمر كونه " تعليمات أو توجيهات مُلزمة للشعب العراقي التي تؤدي إلى عواقب جزائية أو لها تأثير مباشر على الطريقة التي ينتظم وفقها العراقيين، بما في ذلك تغيرات تجري على القانون العراقي". وبعبارة أخرى، لقد تم إخبار العراقيين " أعمل وفق ذلك أو تموت". متى ماكان هنالك امكانية لوجود تعارض بين القانون العراقي السابق مع أوامر (قوانين) بريمر المائة، يكون القانون العراقي باطلا أو لاغيا. كان قانون ألأحتلال هو ألأعلى.[3]
مدفونا عميقًا بين المراسيم ، التي تتعامل مع كل شيء من وسائل الإعلام إلى خصخصة الصناعات الحكومية ، كان ألأمر 81 الذي خص "براءات الاختراع والتصميم الصناعي والمعلومات غير المكشوف عنها والدوائر المتكاملة وقانون الأصناف النباتية." لقد نص ألأمر 81 على:
11. تم تعديل المادة 12 لتُقرأ كالآتي: " تمنح براءة الاختراع صاحبها الحقوق التالية:
1. عندما يكون موضوع براءة الاختراع مُنتج، الحق ان يمنع اي شخص لم يحصل على تفويض صاحب براءة الاختراع من صنع أو استغلال أو استخدام أو عرض للبيع أو بيع أو استيراد هذا المُنتج."
12. تم تعديل المادة 13.1 لتُقرأ كالآتي: " لا تنتهي مهلة دوام البراءة قبل انقضاء مدة عشرين سنة للتسجيل بموجب أحكام هذا القانون اعتباراً من تاريخ إيداع طلب التوثيق بموجب أحكام هذا القانون."
وهنالك حكم آخر تضمنه ألأمر 81 نص على " يُحظر على الفلاحين من إعادة زراعة بذور الاصناف المحمية أو اي صنف تم ذكره في المواد 1 و 2 للفقرة (C) للمادة 14 من هذا الفصل." علاوة على ذلك،
فأن الأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة (CPA) عدل قانون براءة الاختراع والتصميم الصناعي العراقي لحماية الافكار الجديدة في اي مجال في التكنولوجيا متعلقة بالمنتج أو عمليات التصنيع. وتضمنت التعديلات السماح لشركات في العراق، أو في بلدان هي أعضاء في معاهدة ذات صلة يكون العراق عضوا فيها، توثيق براءات اختراع في العراق. وتمنح هذه التعديلات صاحب براءة الأختراع الحق بمنع اي شخص ليس لديه تفويض من المالك من إستغلال مُنتج أو عملية أنتاج محمية ببراءة ألأختراع، لمدة عشرين سنة من تاريخ توثيق براءة ألأختراع في العراق. كما تسمح التعديلات للأفراد والشركات لتوثيق تصاميم صناعية.[4]
من الواضح جدا للعيان فإن ألأمر 81 قد أعطى أصحاب براءاة ألأختراع لأصناف النباتات ( والذي تصادف إنها شركات متعددة الجنسيات كبيرة) حقوقا مطلقة على استخدام بذورهم في الزراعة العراقية لمدة 20 عاما. في حين قد يبدو ذلك نصًا تجاريًا عادلًا ومعقولًا لتعويض شركة أجنبية عن ملكيتها الفكرية ، إلا أنه في الواقع كان غزوًا لسيادة العراق. لم يعترف العراق، مثل الكثير من البلدان، أبدا بمبدأ براءات الأختراع التجارية على أشكال الحياة مثل النباتات. لقد تم منح براءات الاختراع لشركات مثل مونسانتو(Monsanto) أو دوبونت (DuPont) من قبل الولايات المتحدة أو غيرها من سلطات براءات ألأختراع الأجنبية.
ما قام به ألأمر 81، في الواقع، كان بتغير قانون براءة الأختراع العراقي من أجل الاعتراف ببراءات الاختراع الاجنبية بغض النظرعن مدى شرعية مثل هذه البراءات بموجب القانون العراقي. ظاهريا، بدا إنه تُرك للعراق الخيار ان يرفضوا شراء البذورالمحمية ببراءة اختراع من (Monsanto ) أو غيرها من الشركات، و زراعة بذورهم التقليدية المحلية. في الواقع ، كما كان واضعو الأوامر 81 يدركون جيدًا ، كان لها تأثير معاكس تمامًا.
كانت الأصناف النباتية المحمية عبارة عن نباتات معدلة وراثيا أو نباتات معالجة جينيا، والمطلوب من المزارعين العراقيين الذين يختارون استخدام هذه البذور في الزراعة أن يوقعوا على إتفاق مع الشركة صاحبة براءة الاختراع، يشترط عليهم بدفع " رسوم التكنولوجيا" ورسوم عن الرخصة السنوية التي تسمح بزراعة هذه البذور المحمية ببراءة الاختراع.
أي مزارع عراقي يسعى إلى أخذ جزء من تلك البذور الحاصلة على براءة اختراع لإعادة زراعتها في سنوات الحصاد التالية سيخضع لغرامات باهضة من قبل موردي هذه البذور.إذا حدث الشئ نفسه في الولايات المتحدة ، فستطالب شركة ((Monsanto، وحتى صدر حكم المحكمة، بضرر عقابي يساوي 120 ضعف تكلفة كيس بذورها المعدلة وراثيًا. كانت هذه فرصة للمزارعين العراقيين ليصبحوا تابعين ليس لصدام حسين ، بل لعمالقة شركات البذور المعدلة وراثيا متعددة الجنسيات.
في صميم ألأمر 81 كان حكم حماية أصناف النبات (PVP). فبموجب هذا الحكم يصبح الاحتفاظ بالبذور وإعادة استخدامها غير قانوني. فالمزارعون الذين يستخدمون البذور المحمية ببراءة الاختراع أو حتى شبيهة بها، سيكونوا تحت طائلة أقسى العقوبات قد تصل الى السجن. على كل حال فأن أصناف النباتات التي تتم حمايتها هي ليست التي انحدرت من 10،000 سنة من عمليت التهجين والتطوير في الزراعة في العراق. بدلا من ذلك فقد قُدمت الحماية لدعم حقوق الشركات العملاقة متعددة الجنسيات ليستطيعوا إدخال بذورهم ومبيداتهم الزراعية الى السوق العراقية مع حماية كاملة من قبل حكومتي الولايات المتحدة والعراق معا.

-------------------------------------------------------------
تدمير كنز البذور العراقي
------------------------
العراق تاريخيا جزء من من بلاد مابين النهرين، مهد الحضارة، حيث لالآف السنين وفر الوادي الخصيب بين نهري دجلة والفرات لنشؤ الشروط المثاليه لزراعة المحاصيل. لقد تواجد الفلاحون العراقيون تقريبا 8،000 سنة قبل الميلاد، وقاموا ببتطوير البذور الغنية تقريبا لكل أصناف القمح المعروفة حاليا في العالم. لقد قاموا بهذا العمل من خلال نظام يتضمن حفظ بعض البذور وإعادة زراعتها ، فيطوروا بذلك أنواع مقاومة جديدة مُهجنة بشكل طبيعي من خلال الزرع الجديد.
لسنوات، والعراقيون يقومون بحفظ عينات من ألأنواع الطبيعية لهذه البذور الثمينة في البنك الوطني للبذور، الموجود في أبي غريب، المدينة التي اشتهرت عالميا كموقع للسجن العسكري للتعذيب تحت إدارة الولايات المتحدة. بعد غزو العراق ومختلف حملات القصف عليه، تلاشى البنك التاريخي والثمين للبذور في ابي غريب، وكان ضحية أخرى للحرب على العراق.
مع ذلك، إتخذت وزارة الزراعة العراقية السابقة الاحتياطات لإيجاد بنك بذور إحتياطي عند الجارة سوريا حيث لازال تُخزن بذور القمح المهمة من خلال منظمة تُدعى ألمركز الدولي للأبحاث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) ومقرها في حلب، سوريا. مع خسارة بنك البذور في أبي غريب، كان يمكن ان يقوم (ICARDA)، وهو جزء من المجموعة الاستشارية العالمية حول ألأبحاث الزراعية العالمية (CGIAR) لشبكة بنوك البذور، بتزويد العراقيين بالبذور من مخزونها لو رغبت سلطة ألتحالف المؤقتة بطلب هذه المساعدة.[5] ولكنها لم تقم بذلك. لقد كان لمستشاري بريمر مخطاطات أخرى لمستقبل العراق الغذائي.
كان من المفترض ان تتم "عصرنة" و تصنيع و إعادة توجيه الزراعة العراقية بعيدا عن الزراعة العائلية التقليدية متعددة المحاصيل ليصبح على غرار شركات الأعمال الزراعية في الولايات المتحدة، لتنتج من أجل "السوق العالمية". أما خدمة أحتياجات ألأمن الغذائي للعراقيين الجياع فتصبح حاجة عرضية في المخطط.
تحت حكم قانون بريمر رقم 81، اذا قامت احدى الشركات العالمية بتطوير صنف بذور مقاوم لآفة عراقية معينة، وقام احد الفلاحيين العراقيين بزراعة صنف آخر له نفس المواصفات، فتعتبر عملية غير قانونية ان يقوم الفلاح بحفظ بذوره. بدلا من ذلك فهو مُلزم بدفع رسوم مُلكية لأستخدام البذور المعدلة وراثيا الخاصة بشركة مونسانتو.
في أواخر التسعينات، قامت إحدى شركات البيوتكنولوجي الامريكية، SunGene، بالحصول على براءة إختراع لنوع نبات عباد الشمس يمتاز بأحتوائه على نسبة عالية من حامض الأوليك (Oleic acid). على كل حال، الشركة لم تحصل على براءة إختراع كامل التركيبة الجينية. لقد قامت بالحصول على براءة اختراع صفة النسبة العالية لحامض الأوليك فقط ، مُدعية الحق في ذلك. لقد أخبرت شركة (SunGene) مربي عباد الشمس الآخرين إنه في حالة تطويرهم لنوع "ذو نسبة عالية من حامض ألأوليك"، فسيُعتبر ذلك إنتهاكا لبراءة ألأختراع.
"إن منح براءات ألأختراع لتغطي جميع الأنواع المعدلة وراثيا من صنف معين ........ تضع في أيادي مخترع واحد الامكانية للسيطرة على ما نزرع في حقولنا و في حدائقنا،" هذا ما يقوله الدكتور (Geoffrey Hawtin ) مدير عام المعهد الدولي للموارد الوراثية النباتية. "فبجرة قلم يمكن ان يتم أبطال بحث عدد لايحصى من الفلاحين و العلماء من خلال مرسوم قانوني واحد لسرقة أقتصادية.[6] السرقة ألأقتصادية هي ما كان بريمر و شركة مونسانتو ينويان العمل عليه للعراق تحت قانون رقم 81.
مثل هذه السيطرة على أصناف بذور المزارعين كانت ممكنة بموجب القانون الجديد بشأن حقوق براءات الاختراع في العراق. إن ألأمر 81 الصادر من سلطة التحالف المؤقتة، متسلحا بغطاء من الرطانة القانونية المعقدة، سلًم مستقبل العراق الغذائي الى شركات خاصة علمية متعددة الجنسيات – من الصعب ان يُعتبر ان هذا هو التحرير الذي كان يأمله معظم العراقيين.
إن قوانين براءات الاختراع التي تم اصدارها بناء على ألأمر 81، وعلى العكس من القوانين الوطنية ألأخرى حول حقوق الملكية الفكرية، لم تتم مناقشتها بين حكومات ذات سيادة أو مع منظمة التجارة الدولية. لقد تم فرضها من قبل واشنطن على العراق بدون نقاش. وفقًا لتقارير مطلعة ، تمت كتابة التفاصيل المحددة للأمر 81 بشأن النباتات، للحكومة الأمريكية من قبل شركة مونسانتو ، الشركة الرائدة في العالم في توفير البذور والمحاصيل المعدلة وراثيًا.
-------------------------------------
لابذور للزراعة
---------------
مايظهر على الورق، وكأن تلك البذور التي يختارها الفلاحون العراقيون من الشركات العالمية للبذور، هي فقط التي تخضع للقانون العراقي لبراءة الاختراع المفروض من قبل الولايات المتحدة. في واقع الأمر، فالمقصود هو ان يتم تحويل العراق الى مختبر ضخم لتطوير المنتجات الغذائية تحت سيطرة الشركات العملاقة المعنية بالكائنات المعدلة وراثيا ً والشركات الكيميائية مثل (Monsanto, DuPont, DOW).
عقب الكارثة والدمار بسبب الحرب على العراق، أُضطر الفلاحون العراقيون للجؤ الى وزارة الزراعة العراقية للحصول على بذور جديدة أذا أرادوا العودة للزراعة من جديد. هنا وجد بريمر المدخل للأستيلاء على الأمدادات الغذائية للعراق. لأكثر من عقد من الزمن ، عانى المزارعون العراقيون من الحظر الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا على المعدات الزراعية التي كانوا بأمس الحاجة إليها. كما عانى العراق من ثلاث سنوات جفاف شديد قبل الحرب، فأدى سوء الحظ المناخي هذا الى إنحدار شديد في الإنتاج العراقي لمحصول القمح. كان لسنوات من الحرب والحصار الاقتصادي دورها في تدمير الزراعة العراقية وبعد 2003 انحدر إنتاج الحبوب الى نصف مستوى الانتاج لعام 1990 قبل الحرب العراقية الامريكية الاولى. حتى عام 2003 ، كان الكثير من السكان العراقيون يعتمدون من أجل البقاء على قيد الحياة، على الحصص التي تقدمه الأمم المتحدة من خلال إتفاق النفط مقابل الغذاء.
تحت شعار "تحديث" إنتاج الغذاء في العراق، قامت كل من وكالة الولايات المتحدة الامريكية للتطوير الدولي (USAID) و برنامج الولايات المتحدة من أجل تطوير وأعادة بناء الزراعة في العراق (ARDI)، بالتدخل لتحويل الزراعة التقليدية في العراق. كان قيصر الزراعة دانيال أمستوتز الذي عينته واشنطن في ذلك الوقت كمسؤول رئيسي ، مسؤول سابق في وزارة الزراعة الأمريكية ونائب رئيس سابق لمجموعة تكتلات الحبوب العملاقة شركة كارجيل (Cargil). وقد كان أمستوتز احد الاشخاص المهمين الذي وضع مطالب الولايات المتحدة على الزراعة خلال الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (GATT) في دورة الأوروغواي والتي أدت إلى انشاء منظمة التجارة الدولية (WTO) في 1995.
لقد كان الهدف المزعوم من ألأمر 81 "لضمان نوعية جيدة من البذور في العراق ولتسهيل انضمام العراق لمنظمة التجارة العالمية". بالنسبة "النوعية الجيدة" فمن الطبيعي ان حسب تعريف سلطة الأحتلال. أما ألأنضمام الى منظمة التجارة العالمية فتعني ان على العراق ان يفتح أسواقه وقوانينه الى قواعد تُفرض من قبل المصالح المالية والصناعية القوية المهيمنة على سياسة منظمة التجارة العالمية.
حالما تم إصدار الأمر 81 ، بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) ، ومن خلال وزارة الزراعة ، بتسليم آلاف الأطنان من "بذور القمح الموثقة عالية الجودة " والمدعومة للمزارعين العراقيين اليائسين، والتي كانت في البداية بدون تكلفة تقريبًا. وحسب تقرير اصدرته (GRAIN)، وهي منظمة غير حكومية تنتقد براءات الاختراع للبذور والنبات المُنتجة بأستخدام تكنولوجية الكائنات المعدلة وراثيا، فإن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية رفضت السماح لعلماء مستقلين لتحديد فيما إذا كانت هذه البذور من النوع المعدل وراثيا ام لا. من الطبيعي، اذا ثبت بان بذور القمح هي من البذور المعدلة وراثيا، فعندئذ وخلال موسم أو اثنين سيجد الفلاحون العراقيون انفسهم مُجبرون على دفع رسوم الملكية الى شركات حبوب أجنبية من أجل ان يستمروا بالحياة. وقد بينت (GRAIN) في تقريرها بان القصد من ألأمر 81 هو:
لقد ثبتت سلطة التحالف المؤقتة عدم قانونية إعادة استخدام البذور التي تم حصادها من أنواع تم تسجيلها تحت القانون. قد يستمر العراقيون في استخدام أو إدخار ما لديهم من مخزونات البذور التقليدية أو ما تبقى منها بعد سنوات الحرب والجفاف، لكن هذا ليس في جدول أعمال إعادة الإعمار المتضمن في هذا الحكم. إن الغرض من القانون هو لتسهيل ألتأسيس لسوق بذور جديد، حيث يمكن للشركات العابرة للحدود بيع بذورها- مُعدلة وراثيا أم لا، والتي سيتعين على المزارعين شراءها في كل موسم زراعي.[7]
بينما كان العراق تاريخياً يحظر الملكية الخاصة للموارد الحيوية ، أدخل قانون البراءات الجديد الذي فرضته الولايات المتحدة نظاماً لحقوق الاحتكار على البذور- وهي حقوق لم يكن لدى أي مزارع عراقي الموارد اللازمة لتطويرها.
في الواقع، قام بريمر بادخال فصل جديد في قانون براءة الاختراع العراقي السابق حول حماية النوع النباتي (PVP) والذي قيل انه ينص على "حماية الانواع الجديدة للنباتات." PVP ، وهو حق من حقوق الملكية الفكرية (IPR) ، كان في الواقع براءة اختراع لأصناف نباتية أعطت حقوقًا حصرية بشأن مواد زراعية لمربي النباتات الذي ادعى أنه اكتشف أو طور صنفًا جديدًا.
الحماية في PVP لا علاقة لها بالحفظ ، لكنها أشارت إلى "حماية المصالح التجارية للمربين الخاصين." وبموجب المرسوم الأمريكي ، فإن "حماية الأصناف النباتية" قد أدت حقا إلى تدمير الأصناف النباتية.
---------------------------------------
"دعهم يأكلون ...المعكرونة؟"
----------------------------
وبموجب البرنامج ، أقامت وزارة الخارجية ، بالتعاون مع وزارة الزراعة الأمريكية (USDA) ، 56 "موقعًا إرشاديًا ل(wheat extension)" في شمال العراق بغرض "عرض وتوضيح قيمة بذور القمح المحسنة". لقد تم تشغيل المشروع لصالح الحكومة الأمريكية من قبل المكتب الدولي للزراعة في جامعة (Texas A&M) والتي استخدمت ما لديها من قطع اراضي للعرض التعليمي، في عموم العراق والبالغة مساحتها 800 فدان لتعليم الفلاحين كيف يمكن تربية "أنواع عالية الغلة" لمحاصيل تشمل شعير، حمص، عدس و قمح.[8]
إن هدف مشروع الوكالة الامريكية للتنمية الدولية لاعادة ألإعمار الزراعي والبالغ كلفته 107 مليون دولار، هو لمضاعفة الانتاج لثلاثين الف مزرعة عراقية في غضون سنة واحدة. الفكرة تكمن في إقناع الفلاحيين العراقيين المتشككين بانه فقط من خلال "البذور الأعجوبة" الجديدة يستطيعون الحصول على محاصيل عالية الغلة. وكما كان الحال قبل عشر سنوات مع المزارعين الأمريكيين ، فإن اليأس والوعد بتحقيق مكاسب ضخمة سيُستخدمان في الإيقاع بالمزارعين العراقيين للاعتماد على الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات.
ومصادفة، وصف البرنامج الزرعي لجامعة (Texas A&M) كونه "رائد معترف به دوليا في أستخدام التكنولوجيا الحيوية،" أو تكنولوجيا الكائنات المعدلة وراثيا. مع بذورهم الجديدة تأتي مركبات كيميوية جديدة مثل مبيدات ألآفات، مبيدات الحشائش، مبيدات الفطريات، وكلها قد تم بيعها الى العراقيين من خلال شركات Monsanto، Cargil و Dow.
في تقرير لها ذكرت "Business Journal of Phoenix " بأن " قيام شركة أبحاث زراعية في أريزونا بتوريد بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في العراق لتعزيز الإمدادات الغذائية المحلية في بلادهم." وتدعى هذه الشركة " الشركة العالمية للقمح" (WWWC)، وبشراكة مع ثلاثة جامعات ومن ضمنهم (Texas A&M)، ستقوم " بتزويد 1،000 باوند من بذور القمح لتستخدم من قبل فلاحين في شمال بغداد."[9]
وفقًا لـ " Seedquest "، وهو موقع الكتروني لمركز المعلومات لصناعة البذور العالمية، كانت (WWWC) رائدة في تطوير " أنواع ملكية" لبذور الحبوب – بمعنى آخر أنواع المسجلة ببراءة اختراع والتي تملكها شركة معينة.[10] كانت هذه هي أنواع البذور المعدلة وراثيًا المحمية الواردة في الأمر 81. وفقا ل(WWWC)، أي "زبون،" أو فلاح كما كان يعرف مرة، يرغب بزراعة أحد انواع بذورهم "عليه ان يدفع أجور الترخيص الخاصة بكل نوع. W3، كما تُسمي نفسها، تعمل بشكل رسمي بالتعاون مع معهد (Bio5) للعلوم الحيوية في جامعة أريزونا، والذي وللغرابة تصف نفسها بفضول بأنها "مرآب عالي التطور للأبحاث الحيوية."[11]
واللافت للنظر اكثر، كما ذكرت (Business Journal of Phoenix) " تم تطوير ستة أنواع من بذور القمح لأجل المسعى العراقي. ثلاثة سلالات ستكون لفلاحين يزرعون القمح الذي ستصنع منه المعكرونة؛ وثلاثة سلالات ستكون لاجل صناعة الخبز."[12] وهذا سيعني بأن 50% من الحبوب التي قد تم تطويرها من قبل الولايات المتحدة الامريكية في العراق بعد 2004 كانت مقصودة للتصدير. في الواقع ، كانت المعكرونة غذاءً أجنبياً بالكامل في النظام الغذائي العراقي، مما يظهر، بأنه بدلا من إنتاج الغذاء لـ 25 مليون عراقي مُرهق من الحروب، تمت صياغة ألأمر 81 لبريمر لإنشاء أعمال زراعية صناعية باستخدام البذور المعدلة وراثيًا للإنتاج الموجه نحو التصدير العالمي.
بلأضافة الى ذلك، فأن مشروع ال107 مليون دولار لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية لاعادة البناء الزراعي، كان هدفه إخراج الحكومة العراقية من عملية الانتاج الغذائي. "إن الفكرة هي ان تكون سوق حرة بشكل كامل،" هذا ما قاله (Doug Pool)، الخبير الزراعي في مكتب إعادة بناء العراق لوكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية.[13]
إن هدف وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية – وهي تعكس سياسات الولايات المتحدة ومنظمة التجارة الدولية – كان لمساعدة الحكومة الجديدة على الألغاء التدريجي للدعم المقدم للزراعة. "لقد قام وزير الزراعة بعمل جيد بهذا الشأن،" كما قال Pool. كما أعلن كذلك "بضرورة تدوير وخصخصة الشركات الحكومية " مثل (Mesopotamia Seed Co.).[14] لكنه لم يذكر من الذين لهم القدرة على الدفع لشراء مثل هذه الشركة الحكومية في العراق الذي مزقته الحرب. ان الوحيدين الذين من المحتمل ان يكونوا المشترين هم شركات الاعمال الزراعية الاجنبية مثل (Monsanto).
لتسهيل إدخال البذور المعدلة وراثيا والمحمية ببراءة الأختراع الموردة من شركات البذور الاجنبية العملاقة، قامت وزارة الزراعة العراقية بتوزيع هذه البذور المعدلة وراثيا "بأسعار مدعومة." حالما يبدأ الفلاحون بأستخدام البذور المعدلة وراثيا، سيتم إجبارهم، وفقا للتعليمات الجديدة في ألأمر 81 الخاصة بحماية براءة الاختراع للنبات، على شراء بذور جديدة من الشركة كل عام. تحت راية جلب "سوق حرة" إلى البلاد، سيتم استعباد الفلاحين العراقيين من قبل شركات البذور الاجنبية متعددة الجنسيات.
في مقابلة لها جرت في كانون أول 2004، صرحت وزيرة الزراعة المؤقتة سوسن علي مجيد الشريفي، وهي متخرجة من الولايات المتحدة، قائلة " نحن نحتاج من الفلاحيين العراقيين ان يكونوا قادرين على المنافسة، ولهذا فنحن نحتاج لدعم مواد مثل مبيدات الآفات ومخصبات وكذلك بذور مُحسنة وهكذا. لقد قلصنا أنواع الدعم الأخرى، ولكن علينا ان نكون قادرين على المنافسة."[15]
وبكلمات أخرى، فإن الاموال التي من المفترض ان تكون للفلاحين العراقيين الفقراء من أجل شراء بذور جديدة، تم تخصيصها لأجل شراء "بذور محسنة" من خلال تكنولوجيا التعديل الوراثي للكائنات، من شركات أجنبية متعددة الجنسيات مثل مونسانتو. في الوقت نفسه ، كان مصدرو السلع الأمريكية يتطلعون بجوع إلى فرص في السوق الجديدة. "مثل العراق الذ كان سابقا سوقا تجاريا مهما للمنتجات الزراعية من الولايات المتحدة، مع قيمة مبيعات تقترب من مليار دولار في اعوام الثمانينات،" هذا ما صرحت به وزيرة الزراعة السابقة في إدارة بوش (Ann Veneman)، والتي كان لديها روابط مع مونسانتو قبل مجيئها الى واشنطن، إلى مؤتمر الإعلام الزراعي في 2003. " إن له القدرة، مرة ثانية، لأن يكون سوقا تجاريا مهما."[16]
ما أهملت (Ann Veneman) ذكره كان هو خلال الحرب العراقية الايرانية في نهاية الثمانينات، قامت إداراة ريغان وبوش بأخفاء صفقات بيع أسلحة وذخائر كيمياوية الى عراق صدام حسين، تحت إطار برنامج تصدير مؤسسة ائتمان السلع الزراعية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية. لقد شملت الفضيحة مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الامريكيين وتورط وزير الخارجية السابق هنري كيسنجر ومستشار الأمن القومي، برنت سكوكروفت، وكذلك فرع أتلانتا ل (Italian Banco Nazionale de Lavoro – BNL). [17]
وفقا ل (John King)، نائب رئيس مجلس الرز في الولايات المتحدة، كان العراق السوق الاكبر بالنسبة للرز من الولايات المتحدة في نهاية الثمانينات، قبل حرب الخليج 1991. " إن صناعة الرز في الولايات المتحدة تريد مرة ثانية ان تلعب دور كبير في توريد الرز الى العراق،" هذا ما أخبر (King) لجنة الزراعة بمجلس النواب الأمريكي. مع التحديات الحالية التي تواجه صناعة الأرز في الولايات المتحدة ...... قد يكون لتجديد الوصول إلى الأسواق العراقية تأثير هائل في القيمة المضافة على المبيعات."[18]
وأضاف (King) قائلا، " إن تحرير العراق عام 2003 بواسطة قوات التحالف قد جلب الحرية للشعب العراقي. [19] وإن إستئناف التجارة كذلك أعطى أملا لصناعة الرز في الولايات المتحدة." لكنه فشل في ذكر إنه في عام 2003 ، كان معظم الرز في الولايات المتحدة من النوع المعدل وراثيا.
في ربيع 2004 مع صدور ألأمر 81 من قبل سلطة التحالف المؤقتة لبريمر، قام مناصري رجل الدين الشاب الراديكالي مقتدى الصدر بالأحتجاج على قيام الشرطة العسكرية للولايات المتحدة بغلق صحيفة الحوزة. لقد اتهمت سلطة التحالف المؤقتة صحيفة الحوزة بنشر "مقالات كاذبة" التي من الممكن ان "تسبب تهديد حقيقي بالعنف." وكمثال على ذلك استشهدت سلطة التحالف المؤقتة بمقال زعم أن بريمر كان، " يتبع سياسة لتجويع الشعب العراقي لجعلهم مشغولين في كيفية تأمين خبزهم اليومي وبالتالي لايجدون الفرصة للمطالبة بحرياتهم السياسية والفردية."[20]
في ضؤ ألأمر 81، من الصعوبة بمكان الأستغراب من ظهور مثل هذه المقالة. وليس من المستغرب كذلك محاولة سلطة التحالف المؤقتة لبريمر لأخراس مثل هذه الإنتقادات ليساستها الغذائية بالنظر إلى المخاطر التي ينطوي عليها مشروع الكائنات المعدلة وراثيًا بالكامل.
-----------------------------------------------------------------

ألعراق، الولايات المتحدة الامريكية و صندوق النقد الدولي يمليان أوامرهما!
----------------------------------------------------------------------
في 21 تشرين ثاني، 2004، أصدر الممثلون الرئيسون لنادي باريس للحكومات الدائنة إعلان حول كيف سيتعاملون مع ديون الحكومة العراقية المقدرة بـ 39 مليار دولار المستحقة للدول الصناعية ككل، كجزء من الديون الأجنبية المقدرة ب 120 مليار دولار باقية من عهدد صدام حسين. بالرغم من ألإطاحة بنظام صدام حسين، لم يكن في نية واشنطن نسيان ما مضى والبدء من الجديد وإعتبار الديون القديمة غير شرعية.
لقد وافقت حكومات نادي باريس على شروط جديدة محددة ذلك ب (الديون – للدول) التي تبلغ 39 مليار دولار، فقط بعد ضغوط شديدة من المفاوض الأمريكي الخاص بديون العراق ، جيمس بيكر الثالث. لم يكن "بيكر" بالمفاوض المبتدئ. لقد قام بهندسة انتخاب جورج دبليو بوش في عام 2001 من خلال تقديم استئناف للمحكمة العليا، وهو احد المستشارين المقربين لعائلة بوش.
ما بعد تجارة الخيول مع حلفائها في منظمة التعاون الاقتصادي ، كانت الولايات المتحدة سعيدة في الضغط لأجل الغاء كبير للديون القديمة على العراق للدائنين في نادي باريس، لسبب بسيط كون معظم الديون كانت لروسيا، فرنساو اليابان، المانيا وبلدان أخرى. وكان الدين للولايات المتحدة 2.2 مليار دولار من اجمالي الديون.
وأصدر أعضاء نادي باريس تصريح رسمي:
إدراكا للوضع الأستثنائي لجمهورية العراق ومحدودية قدرتها على السداد لسنوات قادمة، وافق مندوبو الدول الدائنة على معالجة للديون تضمن ديمومتها على المدى الطويل. حتى هذه اللحظة، اقترحوا ان تقوم حكوماتهم بتقديم المعالجة الاستثنائية التالية:
• الألغاء الفوري لجزء من الفوائد المتأخرة، تمثل 30% من رصيد الدين في 1 كانون الثاني، 2005. سيتم تأجيل الباقي من رصيد الدين الى التاريخ الذي يتم فيه تصديق صندوق النقد الولي (IMF) على البرنامج القياسي. سيترتب على هذا الألغاء شطب 11.6 مليار دولار أمريكي من الدين الكلي المطلوب الى نادي باريس البالغ 38.9 مليار دولار امريكي؛
• حالما يتم تصديق البرنامج القياسي لصندوق النقد الدولي، سيتم الوفاء بتقليص 30% من رصيد الدين. وستتم جدولة المتبقي من رصيد الدين على 23 عام تتضمن فترة سماح لستة أعوام. ستؤدي هذه الخطوة الى تخفيض رصيد الدين بمقدار 11.6 مليار دولار أخرى مما يؤدي الى زيادة في نسبة الألغاء الى 60%؛
• وافق دائني نادي باريس على منح شريحة تخفيض إضافية تمثل 20% من رصيد الدين الأبتدائي بناء على المراجعة الاخيرة لمجلس صندوق النقد الدولي لثلاث سنوات من تنفيذ البرامج القياسية لصندوق النقد الدولي.[21]
إن تخفيف أعباء ديون العراق والتي بكل كرم قام بها المحتل الرئيسي، الولايات المتحدة، بشطب الديون المدين بها صدام الى خصوم واشنطن الذين عارضوا الحرب على العراق – روسيا، فرنسا، الصين – كان مرتبط بشرط التزام العراق "بالبرنامج القياسي" الصارم لصندوق النقد الدولي. إن هذا البرنامج القياسي هو نفسه الذي تم تطبيقه على اندنوسيا، بولندا، كرواتيا، صربيا، الارجنتين و روسيا ما بعد السوفييتية. لقد كلفت العراق تسليم سيادته الاقتصادية إلى خبراء صندوق النقد الدولي، الخاضعين لسيطرة فعالة من قبل وزارة الخزانة الأمريكية و إدارة واشنطن. ومما زاد الطين بلة أن الدين العراقي القديم لعهد صدام كان ما اطلقت عليه الحكومات الدولية "الديون المشينة"— ديون تم تكبدها بدون موافقة – بأختصار، غير شرعية، كما كانت ديون الاتحاد السوفياتي البائد. لم يزعج هذا واشنطن، لندن وبقية أعضاء نادي باريس. لقد استخدم هذا الدين كسلاح مفيد للسيطرة على العراق"الجديد"، ولإجبار تحوله الى "سوق حرة." وسيكون للبذور المعدلة وراثيا والتصنيع الزراعي في قلب هذا التغير المفروض.
كانت خصخصة المؤسسات الحكومية على رأس برنامج صندوق النقد الدولي في واشنطن. كما كانت المشاريع الخاصة بالسوق الحرة في قلب أوامر سلطة التحالف المؤقتة الـ 100. من الصعوبة ان نعتبر ذلك مصادفة.
يمكن تصنيف صندوق النقد الدولي بشكل دقيق بأنه "شرطي العولمة." منذ أزمة ديون الثمانينات، قام صندوق النقد الدولي بفرض خطط الدائنين للتقشف ورد الديون مريرة على إقتصاديات الدول النامية. تم استخدام شروط الدين الخاصة بصندوق النقد الدولي لإجبار الدول فعليًا على التخلي عن أغلى أصولها الاقتصادية للمصالح الأجنبية من أجل سداد ديون نمت بشكل متزايد.
وعادة ما تقف البنوك والشركات العملاقة والمصالح الخاصة وراء تدابير صندوق النقد الدولي هذه. لقد فرضوا بشكل منهجي خصخصة مؤسسات الدولة ، وإلغاء الدعم العام للأغذية ، والصحة ، والطاقة ، وخفض الإنفاق على التعليم العام. كل سياسة يمكن ان تسمح للشركات المتعددة الجنسيات بالهيمنة على عراق ما بعد الحرب ، سيتم تنفيذها من قبل صندوق النقد الدولي و قوانيين بريمر: دولة منكمشة ، قوة عمل مرنة ، حدود مفتوحة ، ضرائب في حدها الأدنى، لا ضوابط على تدفقات رأس المال الخارج من العراق ، لا تعريفات ، ولا قيود على الملكية.
سيفقد الشعب العراق مئات آلاف من الوظائف، كما أن المنتجات الأجنبية ستجبر البضائع العراقية المحلية على الخروج من السوق، التي سيكون الطعام أحد المنتجات الرئيسية فيها. وستفقد الاعمال التجارية الصغيرة والمزارع العائلية القدرة على المنافسة بسبب القواعد المفروضة والمنافسة الاجنبية.
إن الضحية النموذجية لشروط صندوق النقد الدولي سيُجبر حتما على تحويل اقتصادها الوطني نحو التصدير من أجل الحصول على الدولارات للتمكن من رد الديون. ودائما ما تكون "الجزرة" في هذه الحالة هي الوعد من صندوق النقد الدولي بتقديم قرض كمساعدة مالية او انقاذية. إن الأبتزاز التهديدي خلف الجزرة المقدمة من قبل صندوق النقد الدولي، كان التهديد بأن الدولة الضحية المَدينة ستدرج بشكل دائم في القائمة السوداء من جميع الائتمانات الأجنبية، إذا رفضت شروط صندوق النقد الدولي.
ولم يكن وضع العراق مختلفا. لقد كان الهدف من الانتخابات العراقية التي تمت بتفويض من الولايات المتحدة، هو لوضع الاساس القانوني لربط الحكومة العراقية للسيطرة القاسية لصندوق النقد الدولي. في الواقع هذاسيضع صندوق النقد الدولي كوكالة محايدة مسؤولة عن التزام العراق بأوامر برمير المائة. وسيقوم صندوق النقد الدولي بأجبار العراق للأنظمام الى رؤية واشنطن الشاملة للسوق الحرة.
لقد خطط صندوق النقد الدولي للوصول الى تسوية محددة مع الحكومة العراقية الجديدة في وقت لاحق بعدألأنتخابات العراقية في 30 كانون ثاني 2005. حيث ان التخفيف من حجم الدين الخارجي العراقي الكبير كان يعتمد على موافقة الصندوق ، كان لصندوق النقد الدولي نفوذ كبير في مفاوضاته مع القادة العراقيين.[22]
صحيح ان قرار مجلس الامن رقم 1483 قد أعطى بريمر السلطة لإدارة العراق المُحتل، ولكن هذا يجب ان يكون وفق معايير القانون الدولي. ومع ذلك ، تم تنفيذ أوامر بريمر المائة و "العلاج بالصدمة" الاقتصادية في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
مع ازدياد الاحتجاجات ضد الخصخصة في العراق وانتشار الهجمات العنفية ضد الشركات الأمريكية، اصبح من الضروري الاستعجال في اخفاء هذه الحقيقة. وعلى هذا اسرع بريمر بالعودة الى واشنطن لمناقشة مخطط جديد مع الرئيس يهدف الى السيطرة على الاقتصاد العراقي. وقد نتج عن ذلك تشكيل النظام المؤقت لأياد علاوي، والأعلان عن إجراء الأنتخابات العراقية في كانون ثاني 2005. وكان على علاوي، وهو واحد من المختارين والمحميين من واشنطن ، والذي عمل مع وكالة الخابرات المركزية لسنوات، ان يقوم بشكل "قانوني" بتطبيق مراسيم بريمر الغير قانونية.
وفقا للأمر 39 مما اصبح يعرف في العراق ب "قوانين بريمر"، سيتم فتح الصناعات والأسواق العراقية أمام الاستثمار الأجنبي مع قيود قليلة. لقد تمت صياغة هذه القوانين بطريقة تجعل من الصعوبة على كل من الحكومة المؤقتة أو اية حكومة عراقية قادمة إبطال أو إلغاء هذه السياسات.
والحقيقة، فإن بريمر وطد الأوامر المائة من خلال المادة 26 من الدستور العراقي المؤقت، بحيث يضمن بانه حالما يتم تسليم السيادة الى الحكومة المؤقتة، ستكون عاجزة على تغير قوانين بريمر. بالإضافة الى ذلك، فقد تم زرع الافراد المختارين من المتعاطفين مع الولايات المتحدة في كل وزارة عراقية، وتم تفويض هؤلاء سلطة تجاوز أي قرارات تتخذها الحكومات العراقية اللاحقة.
إن وجود 0132،00 جندي أمريكي في جميع أنحاء العراق ، مدمج بقوة في حوالي 14 قاعدة عسكرية أمريكية جديدة تم إنشاؤها في جميع أنحاء البلاد بعد عام 2003 ، كانت لضمان ذلك. أصبح واضحا لمعظم العراقيين في أواخر عام 2004 ما كانت واشنطن تعنيه بالضبط، عندما استخدمت الكلمات النبيلة ، "زرع بذور الديمقراطية" في بلدهم. لم يكن للبذورعلاقة بقدرة المواطنين العراقيين العاديين على تحديد مصيرهم المستقل.
بعد أن تم نقل السلطة الرسمية في حزيران 2004 من سلطة الائتلاف المؤقتة بريمر إلى النظام العراقي المؤقت برئاسة ذخيرة وكالة المخابرات المركزية ، علاوي ، وافق الأخير على قبول تخفيف الديون مقابل "ألإنفتاح الأقتصادي" على الإصلاحات التي فرضها صندوق النقد الدولي. وهكذا ، ففي مذكرة مرفقة بـ "خطاب نوايا" أرسله محافظ البنك المركزي "الشبيبي" ووزير المالية "عادل عبد المهدي" إلى صندوق النقد الدولي في أيلول ، عبر الرجلان عن حرص حكومتهما التي نصبتها الولايات المتحدة على "التعامل" مع الصندوق.[23]
وتبجح الخطاب قائلاً: "لقد مهد التشريع الجديد للقطاع المالي الطريق لإنشاء قطاع مالي حديث" ، مضيفا بأن "ثلاثة بنوك أجنبية قد رخصت بالفعل لبدء العمليات" وأن "عددًا من البنوك الأجنبية أظهرت إهتمام في الحصول على حصة (أقلية) في البنوك العراقية الخاصة ". كان أحد البنوك هو بنك (HSBC) في لندن ، وهو من بين أكبر البنوك في العالم.
يعتبر التحويل القسري لإنتاج الغذاء العراقي إلى المحاصيل المحورة وراثياً المحمية ببراءة اختراع، واحدة من أوضح الأمثلة على الطريقة التي تفرض بها شركة مونسانتو وغيرها من الشركات العملاقة المنتجة للكائنات المعدلة وراثيًا، استخدام المحاصيل المُنتجة من خلال تقنية (الكائنات المعدلة وراثيًا) ، على سكان العالم غير الراغبين أو الذين لا يجهلون طبيعة هذه التقنية.
----------------------------------------------------------------------------------------------------------
المراجع
-----------------
1. Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, orders, http://www.cpa-iraq.org/regulations/#Orders.
2. Naomi Klein, “Baghdad Year Zero”, Harpers’ Magazine, September 2004.
3. Coalition Provisional Authority, op. cit. In its introduction, the document declares, “Orders-are binding instructions´-or---dir--ectives to the Iraqi people that create penal consequences´-or-have a --dir--ect bearing on the way Iraqis are regulated, including changes to Iraqi laws.”
4. Coalition Provisional Authority, CPA Official Documents, order81:Patent, Industrial Design, Undisclosed Information, Integrated Circuits and Plant Variety Law, http://www.iraqcoalition.org/regulations/index.html#Regulations. See also Focus on the Global South and GRAIN, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War against Farmers, http://www.grain.org, and Vandana Shiva, Biopiracy: The Plunder of Nature and knowledge, Green Books, Devon, UK, 1998.
5. William Erskine, Agriculture System in Iraq Destroyed: Self Sufficiency in Food Production Years Away…., Press Release, 30 June 2003, http://www.icarda.org/Neas/2003News/30June03.htm.
6. Hope Shand, “Planting the Planet”, Multinational Monitor, June 1994, p. 13.
7. GRAIN Press Rlease, Iraq’s New Patent Law: A Declaration of War Against Farmers, Focus on the Global South and GRAIN, October 2004, http://www.grain.org/articles/?id=6.
8. Ibid.
9. Jeremey Smith, “Iraq: Order 81”, The Ecologist, February 2005.
10. Portal Iraq, Seeds for the Future of Iraqi Agriculture, 27 September 2004, http://www.portaliraq.com/news/Seeds+for+the +future+of+Iraqi+agriculture_529.html.
11. Daniel Stolte, “In the Trenches”, The business Journal of Phoenix, 10 June 2005.
12. Ibid
13. Christopher D. Cook, “Agribusiness Eyes Iraq’s Fledgling Markets”, In These Times, http://www.mindfully.org/GE/2005/Iraq-US-Agribusiness-Profit15mar05.htm, 15 March2005.
14. Ibid.
15. IRIN News, Iraq: Interview with Minister of Agriculture, http://www.irin-news.org, Baghdad, 16 December 2004.
16. Ann M. Veneman, Remarks by Agriculture Secretary Ann M. Veneman to the National Association of Farm Broadcasters Annual Convention, 14 November 2003, US Department of Agriculture, Washington D.C., Release No.0384.03.
17. US Congressional Record, Kissinger Associates, Scowcroft, Eagleburger, Stoga, Iraq and BNL, Statement by Representative Henry B. Gonzalez, 28 April 1992, US House of Representatives, Page H2694.
18. John King cited in Christopher D. Cook, op. cit.
19. Ibid.
20. Ibid.
21. Paris Club, Iraq, http://www.clubdeparis.org, 21 November 2004.
22. International Monetary Fund, Iraq-Letter of Intent, Memorandum of Economic and Financial Policies, and Technical Memorandum of Understanding. Baghdad, 24 September 2004.
23. Governor Shababi cited in Brian Dominick, “US Forgives Iraq Debt to Clear Way for IMF Reforms” NewStandard, 19 December 2004.
24. Ibid