الانتفاضة القادمة والانتفاضة المختطفة!

تشييع شهداء
شهران 3 أسابيع ago

سلام موسى جعفر

من المحتمل قيام اضطرابات اجتماعية في العراق بعد انجلاء غبار المعركة مع كورونا. فمثل هذا الاحتمال وارد بقوة، وربما حتمي، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار تدهور الوضع المعاشي لمئات الآلاف من العوائل وخصوصا في وسط وجنوب العراق، التي تعرضت الى فقدان دخلها بعد فرض حضر التجول، دون ان تدفع صرخات الجوعى الحكومة للقيام بواجبها اتجاه مواطنيها. كما يهدد انخفاض أسعار النفط بفقدان عدد كبير من الموظفين لرواتبهم أو انخفاضها، فحجم ميزانية العراق يحددها، بنسبة مئة في المئة، مستوى أسعار النفط. وهناك مخاطر جدية ان لا يدخل الميزانية أية عوائد، بل بالعكس سيضطر البلد الى دفع رسومات الى الشركات النفطية التي وقع معها "عقود التراخيص". من الممكن أن يتبادر الى ذهن القارئ سؤال: لماذا يصيب تدهور الوضع المعاشي العراقيين في الوسط والجنوب ولا يطال الإقليم؟ الجواب لان الإقليم استلم حصته من الميزانية مسبقا وفق أسعار النفط قبل انخفاضها وهي حصة مرتفعة أصلا وتبلغ ثلاث أضعاف حصة المواطن العراقي من خارج الاقليم. ولما كان انخفاض الطلب على النفط سيستمر فترة طويلة فان انخفاض دخل الفرد سيطال سكان الإقليم في المستقبل أيضا، وعندها سيكون لكل حادث حديث.

الاضطرابات المتوقعة لن تقتصر على العراق وحده، وستتخذ شكل احتجاجات شعبية عنيفة من مظاهرات صاخبة ولربما تتطور الى انتفاضات شعبية مسلحة، فالفقراء "لن يتبقى لهم شيئا ليأكلوه سوى الأغنياء".

ما اريد قوله: ان الانتفاضة الجديدة المحتملة لا علاقة لها بانتفاضة تشرين المختطفة على الرغم من ان احتجاجات الشعب ستأخذ نفس الطابع العفوي الذي أخذته انتفاضة تشرين الخالدة في باكورة انطلاقها، وعلى الرغم أيضا من كون الجمرة التي ستشعل نار الانتفاضة الجديدة ستأتي من تحت رماد الانتفاضة التشرينية المختطفة!

السؤال المطروح للنقاش: هل ستبدأ الانتفاضة الجديدة من حيث انتهت الانتفاضة التشرينية؟

سنشهد، إذا ما خضع السؤال للنقاش الجدي، ظهور إجابات عديدة، ستتسم بالتنوع والاختلاف ولربما بالغضب أيضا. إجابات تنطلق، شئنا أم أبينا، من وعلى أساس تجربة انتفاضة تشرين. وهذا ما أهدف اليه: دراسة تجربة انتفاضة تشرين، قبل القيام بانتفاضة جديدة في الظروف الجديدة. تقييم التجربة السابقة هو ما نحتاجه جميعا قبل القيام بتجربة جديدة.

لنكن واقعيين ونعترف بان عربة انتفاضة تشرين وضعت على سكة القطار الأمريكي ولم يعد ممكنا حرف قضبان السكة، رغم دماء مئات الشهداء وآلاف الجرحى ورغم الجهود العظيمة من قبل عدد من الشبان الابطال لإنقاذ عربة الانتفاضة. وما زلت على موقفي من ان الانتفاضة الشعبية انطلقت عفويا لأسقاط العملية السياسية التي أقامها الاحتلال الأمريكي ولكني أرى بوضوح بأن المطاف انتهى بها الى ان تصبح جزء لا يتجزأ من العملية السياسية التي قامت لإسقاطها! فاختفى الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية وحل محله الحديث عن اختيار اسم لرئيس الوزراء بديلا عن الرئيس المستقيل، أو عن الانتخابات المبكرة. وهي نفس المواضيع التي تناقشها الأحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية تحت قبة مجلس النواب أو في تصريحاتهم اليومية.

دعوني أعلن بصراحة ووضوح عن هزيمة انتفاضة تشرين التي ساهمت شخصيا وعن قناعة بالدفاع المستميت عن عفويتها، وحذرت بنفس الوقت من سرقتها وأشرت الى اللصوص بأسمائهم. هزيمة الانتفاضة العذراء أشرف من انتصار مشبوه. فالهزيمة تمرين والانتصار المشبوه عار. الانتفاضة تحولت، في الواقع، الى أداة بيد طرف ضد طرف آخر في الصراع بين الأطراف التي تشرف وتدير العملية السياسية. لا أدعي أنني أملك الحقيقية. كما أن القناعات التي توصلت اليها وأصبحت في رأسي بمثابة حقائق، قد لا تكون كذلك عند القارئ. والقبول بالحقيقية، كما هو العادة، سيواجه بداية بالرفض القطعي والانكار والغضب ثم يلين تدريجيا ويتحول الى حزن ثم قبول بالأمر الواقع.

تقييم انتفاضة تشرين لا يتم عبر صياغة عبارات انشائية، تقتصر على تمجيد الشهداء وادانة القتلة والتعهد بمواصلة النضال والقصاص من قتلة الشهداء بدماء شهداء جدد. تقييم الانتفاضة يعني ببساطة التوصل الى أسباب هزيمتها بالتأشير على نقاط ضعفها لمعالجتها، ونقاط قوتها للاستفادة منها في جولة نضالية جديدة.

لنتعرف بوضوح على الواقع السياسي في العراق كما هو. لن اكرر هنا تدوين قناعتي بان العراق بلد محتل من قبل أمريكا، لا تجنبا لاعتراضات أصدقاء الاحتلال، بل لكي أتجنب تهمة الموقف المسبق. سأرسم لوحة الواقع السياسي كما هو، والقارئ هو الذي سيحدد ان كان العراق مازال خاضعا للاحتلال أم العكس.
يمكن تشبيه العملية السياسية القائمة حاليا، بمثلث يستند على منصة يرفعها عمودان. عمود يرمز الى مرجعية السيستاني والأخر الى دستور بريمر. في حين توزعت القوى السياسية التي قبلت بالتعاون مع الاحتلال على أضلاع المثلث الثلاث وفق ترتيب طائفي وقومي:
1. الضلع الأول شغلته الأحزاب القومية الكردية.
2. الضلع الثاني كان من حصة الأحزاب الطائفية السنية.
3. الضلع الأخير كان، بطبيعة الحال، من نصيب الأحزاب الطائفية الشيعية.

والمطلع على الوضع السياسي لا يفوته رؤية ميزان معلق فوق أضلع المثلث يجلس في جانبيه المتقابلين خصمان لدودان: أمريكا وايران. تتدلى من أصابعهما خيوط مرئية ومستترة لتحريك الدمى تماما كما في مسرح العرائس. الأمريكي يحتكر بشكل مطلق تحريك الدمى في ظلعين، ويتزاحم مع الإيراني على تحريك الدمى في الظلع المتبقي.
أما لماذا أخذ الأمريكي يزاحم الإيراني على تحريك الدمى في الضلع الشيعي وهو الذي سمح بهامش من النفوذ للدولة الإيرانية في العملية السياسية التي أقامها بعد احتلاله العراق؟ فالجواب ان المحتل أراد من خلال ذلك تجنب حدوث مقاومة مسلحة في المناطق الشيعية. فقواته كانت تتعرض لخسائر كبيرة في المنطقة الغربية بلغت في مدة قصيرة أكبر من خسائره طيلة حربه في أفغانستان. والان وبعد أن تمكن من السيطرة على المنطقة الغربية وخلق له عملاء فيها، لم يعد بحاجة الى الإيراني وخصوصا أنه تمكن من غرس بذور القوة الناعمة في مدن الوسط والجنوب، والتي أثمرت الآن وحان وقت قطافها. بالإضافة الى انتفاء حاجة أمريكا لدور إيراني مساعد في الساحة العراقية، أصبح تشديد العداء لإيران ضرورة تتطلبها السياسة الامريكية في المنطقة بتحويل ايران الى عدو العرب الأول بديلا عن إسرائيل وقطع الطريق على ايران للتواصل مع سوريا.

ولكي تصل الصورة الى ذهن القارئ، علي ان أشير الى ان الأمريكي، بالإضافة الى أنه يهيمن سياسيا على ضلعين ونصف ضلع، فانه يمتلك السيطرة الجوية الكاملة على السماء وقواعد عسكرية في المنطقة الغربية وفي الإقليم. وينتشر عملاءه في أجهزة الدولة العسكرية ولديه كذلك أذرع عسكرية وشبه عسكرية يستخدمها عند الحاجة، من بينها قوات البيشمركة، لواء الحرس الجمهوري، فصائل عشائرية مسلحة ووحدات الشركات الأمنية. في حين يقتصر النفوذ العسكري الإيراني على مليشيات حزبية تنتشر في المدن.

أما الجانب الاقتصادي فان مفتاح خزينة الدولة العراقية وضع في يد الرئيس الأمريكي. فالرئيس الأمريكي أو من ينوب عنه هو الذي يفتح الخزنة أو يغلقها. أغلب الناس لا تعلم أن عائدات مبيعات النفط العراقي لا تسلم مباشرة الى العراق، كما يحصل مع جميع الدول التي تبيع نفطها، بل تمر أولا على مصرف أمريكي خصص للإشراف على تلك العائدات وتنظيم تحويلها الى العراق. استعملت الادارة الامريكية هذه العوائد في اكثر من مرة كأداة ضغط سياسي عند تشكيل الحكومات العراقية المختلفة وفي حالة الاشتباه ببروز نزعة استقلالية لدى هذا المسؤول العراقي أو ذاك. نتذكر جيدا تهديد ترامب، إثر صدور المطالبة الصورية من مجلس النواب بخصوص انسحاب القوات الأمريكية من العراق، باحتجاز عائدات النفط ومنع وصولها الى العراق! حتى أن بعض الشيوعيين اللبراليين وجميع أصناف أصدقاء أمريكا في العراق، من الذين جاهروا باعلان تأييدهم لبقاء القوات الأمريكية، تناولوا التهديد باعتباره يصب في خدمة الشعب العراقي!

مظاهرات الشعب في تشرين الأول كانت امتدادا لما سبقها من حراك شعبي منذ العام 2011. لكنها هذه المرة فاجأت جميع القوى المشاركة في العملية السياسية، ووجدت فيها خطرا وجودياً. ولهذا وقف الجميع ضدها بما فيهم الصدريين والشيوعيين "الليبراليين"، وهذا يفسر لنا السبب وراء قيام الأجهزة العسكرية والأمنية بارتكاب مذبحة مروعة بحق الشباب المتظاهر. إلا أن حسابات جميع المشاركين بالعملية السياسية قد أخطأت هذه المرة، فالدماء الغزيرة التي سالت هي التي أدت الى انضمام فئات عديدة من الشعب الى صفوف المتظاهرين حتى تحولت الى انتفاضة شعبية.

من قام بالمذابح؟

في الموجة الأولى للمظاهرات وبسبب قوتها التي فاجأت الجميع، تصدت لها وحدات عسكرية رسمية من بينها لواء الحرس الجمهوري وقوات حماية مجلس الوزراء بالإضافة الى قوات مكافحة الشغب.

اشترك في مذابح الموجة الثانية من المظاهرات مليشيات حزبية وعناصر من "بلاك ووتر" الى جانب الوحدات العسكرية التي قامت بالمذبحة الأولى.
هذا يعني أن جميع المشاركين في العملية السياسية ساهموا بقتل المتظاهرين. لان الجميع شموا رائحة خطر تهدد العملية السياسية بسبب الشعارات التي فاجأتهم:
• اسقاط النظام
• تغيير الدستور
• رفع يد المرجعية من التدخل في الشأن السياسي
• لا للفدرالية ولا للأقاليم ولا وتقسيم الوطن
• نعم للاستقلال السياسي الحقيقي
• انهاء الاحتلال الأمريكي
• انهاء النفوذ الإيراني وسائر دول الجوار
• لا للتعامل مع صندوق النقد الدولي
• لا للخصخصة
• لا للاقتصاد الريعي
• إحياء الصناعة والزراعة

وجدت الأجهزة الامريكية في تطور الاحداث بعد الموجة الثانية من المظاهرات وتحولها الى انتفاضة شعبية عارمة، خطرا يهدد كل ما بنته منذ احتلالها للعراق، وفي نفس الوقت وجدت في هذه التطورات فرصة ذهبية لاستعمالها كأداة لتصفية حسابات قديمة وجديدة مع خصمها اللدود إيران. مستغلة غباء الموقف الرسمي للنظام الرجعي الإيراني المعادي للانتفاضة ورعونة الأحزاب والمليشيات الداعشية الشيعية المحسوبة عليها. ولما كانت الانتفاضة تشكل تهديدا خطيرا للعملية السياسية فقد عملت الأجهزة الامريكية على تشجيع قتل المتظاهرين سرا وإدانة عمليات القتل علنا وتحميل مسؤولية جميع اعمال القتل، ليس فقط على المليشيات المحسوبة على ايران، وانما على الحشد الشعبي. كما لجأ الأمريكي الى زرع القوة الناعمة وسط المنتفضين من منظمات مجتمع مدني الى شيوعيين ليبراليين الى جماعة "المدى" والعناصر المستفيدة من بقاء العملية السياسية.

المحصلة أن أمريكا وعملائها نجحوا في تحويل الغضب الشعبي على الأحزاب والمليشيات الموالية الى ايران الى عداء شعبي ضد ايران. واختفت من الساحات الشعارات الثورية التي سادت في الفترة الأولى في أوساط المنتفضين والتي كانت تهدد بأسقاط العملية السياسية وارتفعت بدلها أصوات تطالب بأن يكون للمتظاهرين رأي في عملية اختيار أسم المرشح لشغل منصب رئيس الوزراء وقضية مفوضية الانتخابات. أي أن ساحات التظاهر تحولت الى جزء من العملية السياسية التي خرجت من أجل اسقاطها. وصارت أداة دون ان تدري لإزاحة النفوذ الإيراني من نصف ضلع في مثلث العملية السياسية لاستكمال تحقيق السيطرة الأمريكية المطلقة.

الأسئلة التي تدور حول أسباب تحول الانتفاضة من أداة ممكنة لإسقاط العملية السياسية الى نقيضها، كثيرة وتتطلب إجابات مقنعة، لا جمل انشائية أو أبيات شعر. لكن السؤال الرئيسي الذي يتطلب إجابة هو: لماذا وكيف اختطفت الانتفاضة؟

الفت نظر القارئ في السطور التالية الى ظواهر مشتركة بين انتفاضة الشعب وبين ثورات "الربيع العربي":
• سرقة نتائجها
• اشتراك منظمات المجتمع المدني الممولة وسائر القوة الناعمة
• عدم وجود قيادة وطنية طليعية.
• دعم اعلامي امريكي وغربي واسرائيلي وخليجي واسع

أما الظواهر التي انفردت بها انتفاضة الشعب العراقي فهي:
• العراق بلد محتل وهذا يعني ان اهداف "الربيع العربي" متحققة سلفا.
• العراق مقسم الى دولتين منفصلتين. كردستان وعربستان. ودولة عربستان على الطريق الى التقسيم بين سنستان وشيعستان. الانتفاضة اقتصرت على شيعستان ولهذا فهي ليست انتفاضة وطنية عراقية شاملة، بل انتفاضة ضد نصف ضلع من أضلاع المثلث.
• اشترك في انتفاضة الشعب العراقي قوى سياسية مشاركة في الحكم. يعني حكومة ومعارضة بنفس الوقت. لا توجد مصلحة للقوى التي تشارك في الحكم او في العملية السياسية أية مصلحة حقيقية في اسقاط النظام وخسارة مصالحها. ولهذا امتهنت سرقة جميع أنواع الحراك الشعبي لإعاقة تطور الحراك الى ثورة قد تسقط النظام الذي تعتاش عليه (الصدريون والشيوعيون)
• العراق ساحة لصراع امريكي إسرائيلي خليجي ضد ايران.