دروس انتفاضة تشرين: الواقع والآفاق بانتظار موجتها الثالثة

مشهد من الانتفاضة التشرينية
شهران 3 أسابيع ago

علاء اللامي

إذا كانت انتفاضة تشرين معجزة في انطلاقتها فستكون معجزة في إسقاط من يحاول خطفها وستنتصر!

نشر الصديق سلام موسى جعفر مقالة مهمة تحت عنوان "الانتفاضة القادمة والانتفاضة المختطفة!"، يناقش فيها من موقعه كمؤيد ومناصر لانتفاضة تشرين ومساراتها وواقع حالها وآفاقها المتوقعة. توفر هذا المقالة فرصة طيبة للقيام بوقفة تحليلية نقدية لبعض ما ورد فيها ومن خلالها لتدبر بعض دروس الانتفاضة التشرينية نفسها أدرجها أدناه على شكل نقاط اختصارا وتوضيحا:

1-يُسجل للصديق الكاتب شرف المبادرة إلى مناقشة هذا الموضوع بهذا الوضوح والتفصيل والنقدية ومن موقع المؤيد والمتضامن مع انتفاضة تشرين المجيدة وأبطالها، وليس من موقع العداء والتشويه والتشكيك والتسفيه وتوجيه الاتهامات البائسة بالعمالة لأميركا و"إسرائيل" والسعودية، سواء كان هؤلاء المعادين من كتاب المليشيات وأحزاب الفساد المتحالفة مع إيران، أو من أولئك الموسوسين والمصابين برهاب التخوين والباحثين عن "المتآمرين الخونة" على طريقة شرلوك هولمز بطريقة فجة واستفزازية، لا تحترم دماء ضحايا القمع الدموي الذي ذهب ضحية له أكثر من سبعمائة شهيد وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين والمخطوفين أو للحقيقة.

يمكن الاتفاق مع الكثير مما ورد من تحليلات وتوصيفات وردت في المقالة ولكني اختلف معه في بعض الاستنتاجات المتسرعة والخطرة التي انتهى إليها ومنها:

2-لقد استنتج الكاتب مقدما، وقبل أن تنطلق الموجة الثالثة من الانتفاضة، وفي حالة انحسار وتراجع شاملة لها وانتشار جائحة كورونا، أنها تمت مصادرتها والسيطرة عليها من قبل عملاء أميركا. فهو يطرح سؤالا محايد ومشروعا في ظاهره يقول (هل ستبدأ الانتفاضة الجديدة من حيث انتهت الانتفاضة التشرينية؟) إن هذا السؤال المشروع يحتاج الى تحليلات معمقة ومعلومات وإحصائيات موثقة وأكيدة حول مسارات وإحداثيات وأحداث الانتفاضة وعواملها الدافعة والأخرى المعرقلة، قبل إطلاق أي حكم أو استنتاج جازم من قبيل (لنكن واقعيين ونعترف بان عربة انتفاضة تشرين وضعت على سكة القطار الأمريكي ولم يعد ممكنا حرف قضبان السكة)! وهذا جواب أقل ما يقال فيه أنه متسرع كثيرا.

3-ثم أن الكاتب يفصل بين (الانتفاضة التي تم اختطافها) والأخرى التي يصفها بالمحتملة وهو يقول (دعوني أعلن بصراحة ووضوح عن هزيمة انتفاضة تشرين التي ساهمت شخصيا وعن قناعة بالدفاع المستميت عن عفويتها، وحذرت بنفس الوقت من سرقتها وأشرت الى اللصوص بأسمائهم...). والحال، إن الواقع على الأرض لا يؤكد لنا أن انتفاضة تشرين قد هزمت أو خطفت من قبل من أشار إليهم الكاتب: فلا الانتفاضة في موجتها الثانية قد انتهت بالاختطاف لأنها تواصل التعبير عن رفضها لكل مشاريع وحلول النظام البائسة وترفض مرشحيه للحكومة الانتقالية الواحد تلو الآخر ومعهم ترفض برامجهم وحلولهم المخادعة، ولا الانتفاضة القادمة المحتملة صودرت لسبب بسيط هو أنها لم تبدأ بعد حتى نحكم عليها وعلى شعاراتها وتوجهاتها وقياداتها!

4-إن محاولات القوى والزمر والشخصيات التي توصف عادة بالمدسوسة والمندسة، سواء كانت تعمل  أو تتعامل مع بعض أحزاب النظام أو السفارات الأجنبية والجهات الفاسدة من خارج النظام وعلى مقربة منه، ليست جديدة بل بدأت نشاطاتها مع بداية الانتفاضة، وهي كانت مستمرة وناشطة طوال الانتفاضة في مرحلتيها السابقتين، وقد فشلت فشلا ذريعا في جميع محاولاتها لركوب الانتفاضة والسيطرة عليها، وكل ما حدث هو أن صوت هؤلاء المندسين أصبح عاليا في فترة انحسار الانتفاضة وانتشار الوباء وهذا أمر طبيعي يعبر عنه المثل الشعبي "لو غاب القط ألعب يا فأر"، والقط هنا هو التظاهرات المليونية والقوى العراقية الحية ذات المصلحة في إنهاء نظام المحاصصة الطائفية العميل والمحمي مكن قبل واشنطن وطهران،  ولا يمكن الاعتراف بنجاح هؤلاء إلا حين يفلحون فعلا في قيادة تظاهرة مليونية - أو حتى نصف مليونية - واحدة  تهتف بشعاراتهم الأميركية، وهم فشلوا في ما هو أقل من ذلك بكثير ولا يجرأون حتى على رفع العلم الأميركي  أو صورة صغيرة له.

5-لقد كانت آخر محطة من محطات الانتفاضة التي انتصر فيها الخطُّ الوطني على المندسين وأصدقاء السفارات الأجنبية هي حين دعوا الى القيام بتظاهرات واسعة تستهدف النفوذ الإيراني وتسكت على الاحتلال الأميركي وقواته وقواعده، وردا على هذه الدعوة لأصدقاء أميركا، خرجت التظاهرات المليونية في بغداد والمحافظات ودون ان يشارك فيها التيار الصدري الذي توقع أن تكون المشاركة فيها متواضعة ولكنها أذهلت الجميع وكررت موقف الانتفاضة الاستقلالي الأصيل  المناهض للاحتلال الأميركي والهيمنة الإيرانية معا، وألقمت الساكتين على الاحتلال الأميركي من مدنيين ويساريين واتباع المقاولين حجرا كبيرا فضاعت أصواتهم في أمواج تلك المليونيات الهادرة.

6-نتذكر جميعا ما حدث بعد تلك التظاهرات، حيث أن الانتفاضة دخلت في مرحلة انحسار وتراجع لأسباب موضوعية وذاتية عديدة، وهنا ارتفعت أصوات أصدقاء أحزاب النظام والسفارات والمجموعات الممولة من مقاولي السياسة كالبزاز وفخري كريم والكربولي والخشلوك والزرفي وتكاثرت الخيم العشائرية والحزبية والتابعة لجهات دينية إثر ذلك، وبدأ بازار تشكيل الحكومة الانتقالية ثم جاءت جائحة كورونا لتدخل وتهيمن على المشهد العام.

 7-أعتقد أنه ما يزال من المبكر جدا الخروج بهذا الاستنتاج القائل إن الانتفاضة المحتملة (لن تكون لها علاقة بانتفاضة تشرين) والسبب بسيط فهي انتفاضة محتملة ولم تنطلق بعد. هذا أولا، وثانيا، فالشباب الوطنيون والاستقلاليون الذين يعترف بوجودهم الجميع، ورغم ضعفهم العددي واللوجستي، ولكن تأثيرهم ما يزال جوهريا ومهما، وهم لا يزالون موجودين ولم ينسحبوا أو يستسلموا ويتركوا الانتفاضة للمجموعات والزمر المدسوسة والمندسة. وثالثا، لأن هذه المجموعات لم تشكل حتى الآن قوة مؤثرة وقائدة للانتفاضة وهي تطلق التصريحات والبيانات الركيكة والمضطربة حول المستقبل ولم تنجح حتى الآن في القيام بفعالية واحدة باسمها وتحت شعاراتها.

8-سيكون من المفيد والضروري التفريق بين ظواهر وأصوات وشعارات ظهرت منذ الأيام الأولى للانتفاضة، بخصوص معاداة إيران، وضعف الصوت المعادي للاحتلال الأميركي، والبحث عن سبب هذه الظاهرة في طبيعة المرحلة التي مرت بها الانتفاضة، وفي اعتماد السفارة والإدارة الأميركيتين أسلوبا خبيثا ونفاقيا هادئا ويغازل المتظاهرين، في حين اعتمدت إيران أسلوب العداء الصريح والفظ وتوجيه الاتهامات المهينة للانتفاضة والمنتفضين علنا وبشكل هستيري وعلى لسان كبار قادة النظام وهذا ما سهل مهمة أصدقاء وحلفاء السفارة الأميركية من مجموعات اندست بين صفوف المتظاهرين مستغلين حالة الغضب الذي أحدثته ردود الفعل الإيرانية والحليفة لإيران من الأحزاب والمليشيات الولائية، ورغم كل الاتهامات الموجهة لتلك المليشيات بالقتل قنصا واغتيالا وخطفا للمتظاهرين إلى جانب المتهم الأول أي الحرس الرئاسي الخاضع لأوامر عادل عبد المهدي، فقد ظلت غالبية المنتفضين على موقفها المتعاطف وحتى المدافع عن قواعد الحشد الشعبي وتضحياته وفرَّقت بين هذا الحشد المضحي وبين تلك المليشيات الحزبية الولائية الفاسدة وغير الدستورية.

9-يقول الصديق الكاتب لقد (اختفى الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية وحل محله الحديث عن اختيار اسم لرئيس الوزراء بديلا عن الرئيس المستقيل، أو عن الانتخابات المبكرة. وهي نفس المواضيع التي تناقشها الأحزاب السياسية المشتركة في العملية السياسية تحت قبة مجلس النواب أو في تصريحاتهم اليومية). وهذا الكلام صحيح ويمكن الاتفاق معه، ولكن هذه الأمور لم تحدث مؤخرا بل اختلطت الأصوات الوطنية بالأخرى الانتهازية منذ الأشهر الأولى ونجاح التيار الصدري في دس كوادره في الانتفاضة وهم الذين قاموا مثلا بإزالة الشعارات الوطنية الجذرية من على المطعم التركي حين سيطروا علية وصار موقعا ومقرا لهم وللأسف فقد سكتت العناصر الوطنية على هذا الفعل العدواني والبلطجة السياسية. إن الأكثر دقة هو أن الحديث عن تغيير الدستور واسقاط العملية السياسية لم يختفِ تماما، ولكن أصوات الإصلاحيين المزيَّفين والناشطين المؤيدين للتيار الصدري والمرجعية الدينية والمجموعات المدنية اللبرالية الانتهازية وخاصة مجموعة فخري كريم وشعارهم الداعي إلى (الانتخابات المبكرة تحت إشراف دولي) والدخول في بازار الصرعات حول اسم رئيس وزراء الحكومة الانتقالية هو الذي أصبح سائدا، أما من حيث الجوهر فإن شعار تغيير النظام جذريا لم يسقط، بل تم احتواؤه فهناك من اعتقد أن الانتخابات المبكرة هي الطريق إلى تحقيق التغيير المنشود وهذا خطأ كبير وقاتل ولم يستطع الخط الوطني مواجهته بنجاح للأسف بل أن بعض ممثلي هذا الخط خُدعوا به واندرجوا مع المنادين به بدلا من يرفعوا الشعار الصحيح وهو تشكيل حكومة خبراء انتقالية باسم الانتفاضة تحل البرلمان وتجمد الدستور وتكافح الفساد وتحاكم قتلة المتظاهرين وتستعد لإجراء انتخابات تشريعية بعد كتابة دستور جديد.

10-نعم، لقد حققت أحزاب النظام التي حاولت الدخول في عماد وإحداثيات الانتفاضة وخاصة التيار الصدري وحزب الحكمة وتكتل العبادي "النصر" - مجموعة الزرفي، بعض الحضور في الانتفاضة، ونصبت بعص خيم الاعتصام وأثرت على مجراها، وكان لظروف الانحسار العام والوباء الذي جاء خلال ذلك دوره الكبير في هذه المساعي ولكن الأمور لم تحسم بعد، ولا يحتمل أنها ستحسم لصالحهم مع بداية الموجة الثالثة المحتملة من الانتفاضة.

11-ولهذا، سيكون من الصعب الاتفاق مع قول الكاتب (المحصلة هي أن أمريكا وعملاءها نجحوا في تحويل الغضب الشعبي على الأحزاب والمليشيات الموالية الى إيران الى عداء شعبي ضد إيران. واختفت من الساحات الشعارات الثورية التي سادت في الفترة الأولى ...أي أن ساحات التظاهر تحولت الى جزء من العملية السياسية التي خرجت من أجل اسقاطها). إن هذه التفاصيل التي يطرحها الكاتب هي في أحسن الأحوال مجرد مخاوف وشكوك واحتمالات ضعيفة لا يسندها الواقع وحجم الخراب والفساد في العراق، وإنما زعيق إعلامي تطلقه أبواق الذين يحاولون اختطاف الانتفاضة. أي إن هذه الكلام ليست تحليلا علميا لواقع الحال وحركته وأحداثه فجماهير الانتفاضة غائبة اليوم لظروف طارئة ولكن ليست إلى الأبد، وفي غيابها فإن باستطاعة كل مجموعة من الأشخاص أن يجلسوا في خيمة ويصدروا بيانا يعبر عن مطالبهم البعيدة عن شعارات الانتفاضة ولكن أين سيذهب هؤلاء وبماذا سيهتفون حين يعود المارد الشعبي بتظاهراته المليونية الى الشوارع والساحات؟

12- وأختم بهذه الخلاصات المركزة: الانتفاضة التشرينية لم تنتهِ برنامجا وشعارات وطموحات لأن أسئلتها ودوافعها وأسبابها ما تزال قائمة بل وقد تفاقمت مؤخرا، ولكن موجتها الثانية انتهت بانسحاب مادتها الجماهيرية لظروف طارئة معروفة للجميع. وأن تلك المادة الجماهيرية الحية ستعود بمجرد زوال تلك الظروف الطارئة، وهي أحوج ما تكون الى التحليل الشجاع والقراءة الجريئة لنقاط ضعفها لمعالجتها ونقاط قوتها لترسيخها وتفعيها ومن أهم نقاط ضعفها:

*تأخرها وترددها في فرز قياداتها الميدانية في هيئة لجان شعبية ومجالس شعبية منتخبة من بين ومن قبل المشاركين في الانتفاضة وبشكل شفاف وعلني، والتبرؤ من كل الهيئات والتنسيقيات السرية والمجهولة.

*تعويلها على بعض أحزاب النظام وشخصياته الفاعلة والفاسدة، وعلى المرجعيات الدينية والمتمسكة بسياسة "وسط العصا"، وينبغي التوقف عن هذا التعويل ورفض أية محاولة من قيادات هذه الأحزاب والمرجعيات للنطق باسم الانتفاضة وجماهيرها وتطبيق شعار: الانتفاضة تعبر عن نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى وسطاء ومفاوضين عبر بيانات صادرة عن لجانها ومجالسها المنتخبة في الميدان.

*تقيد الانتفاضة بالخطوط الحمراء التي وضعتها بعض الأطراف على حركتها وفعاليتها من قبيل عدم التظاهر والاعتصام في مناطق معينة في العاصمة بغداد، لهذا يجب منح صلاحية تحديد أماكن التظاهرات والاعتصامات وإحداثياتها للقيادات الميدانية في حالة التظاهرات المليونية.

*وأخيرا وبعد كل الذي قلته أعلاه أصارح القارئ أنني لا يمكن ان اكذب على نفسي وعلى القارئ وأزعم أنني متفائل بما يخص الانتفاضة ولكنني أيضا لست متشائما هذا "اللاتشاؤم" والأمل يصدر من حقيقة أن هذه المعجزة التي اجترحها شباب العراق ونسميها انتفاضة تشرين قد فاجأت التاريخ والناس لن تعجز عن تقديم معجزة أخرى تتجاوز بها عثراتها وأخطاءها ونقاط ضعفها وتلقي بمن يخرج على جوهرها الاستقلالي من تجار السياسة والمناصب والمتسلقين في سلة مهملات التاريخ وتتقدم إلى الأمام وستنتصر.

*وافر الاحترام للصديق الكاتب لأنه فتح باب النقاش بقوة وضوح حول واقع وآفاق الانتفاضة، حتى لو جاء ذلك الوضوح مشوباً ببعض التشاؤم. نأمل ألا يؤثر ذلك سلبا على معنويات البعض والأمل كبير في أن يكون نوعا من تشاؤم العقل المطلوب والملازم لتفاؤل الإرادة بانتصار الشعب.

رابط يحيل إلى مقالة الأستاذ سلام موسى جعفر:

http://www.albadeeliraq.com/ar/node/2841