فبركات وطنية وقومية اقرب للخيانه؟/6أ

شهران 3 أسابيع ago

عبد الأمير الركابي

مع القرن السادس عشردخل العالم والمجتمعات زمن التحول و "فك الازدواج"، كان ذلك الحدث قد ولد في ارض سومر، ارض المجتمعية التحولية الأول في التاريخ المجتمعي، بعد فترة انقطاع أعقبت الدورة الثانية العباسية القرمطية الانتظارية، واستمرت من القرن الثالث عشر،مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الإمبراطورية الازدواجية الثانيه، لتبدا الدورة الرافدينية الأخيرة الثالثة، بظهور أولى التبلورات المجتمعية بشكلها القبلي المعروف ب"اتحاد قبائل المنتفك".
هذا الحدث الانقلابي التصيري التاريخي، كتب له وكان متوقعا وقوعه تحت طائلة مظهر تاريخي ملازم للظاهرة المجتمعية منذ وجدت مكتمله ومنطوية على أسباب التحول في المكان نفسه الذي يشهد اليوم وراهنا، بدايات التبلور الضروري المفضي لتحقق واكتمال عملية التحول من "الانسايوان" الى "الانسان"، بعد توفر أسبابها المادية التي ظلت مفتقدة خلال دورتين تصيريتين تاريخيتين، أولى سومرية بابلية ابراهيمية، وثانية عباسية قرمطية انتظارية، ظلت ارض الرافدين خلالهما محكومة للازدواج التحولي البنيوي التكويني، غير القابل للعبور الى ماهو مهيأ لتحقيقه، بانتظارالوسيلة التحولية المادية، أي وسيلة الإنتاج المادية الضرورية المطابقة لنمط وتكوين مجتمعية التحولية.
ولم تكن هذه النقيصة الأساسية هي الوحيدة التي رافقت وكانت من دالات النقص في العملية المجتمعية الرافدينية، وعلى صعيد العالم، وما قد تسبب بعدم اكتمال اشتراطاتها وتحقق ماهو مضمر في كينونتها، والهدف المودع فيها ابتداء ووجودا، فالمجتمعية وجدت أصلا وتكاملت بنيويا تحوليا، محكومة لحالة من القصور العقلي، وهي ومن ضمن مضمرات ومكنونات وجودها التصيرية أصلا الاضطلاع بنقل العقل من كونه عنصرا ينتمي الى اشتراطات وزمن ماقبلها، الى عقل مجتمعي، ظل وهو موجود يترقى داخلها، في حالة قصور وتدن عن الإحاطة بها وب مكنونها، فكان من اهم وابرز مايميز تاريخ الظاهرة المجتمعية، حالة وخاصية المفارقة بين العقل ومحيطه الذي يسبح داخله.
بالمقابل وبناء على مايعتور الظاهرة مع بدايات اكتمال تبلورها، تظهر هذه بشكلين أساسيين: الأول ازدواجي تحولي رافديني هو الأسبق زمنيا، والثاني الأقرب له زمنيا، احادي، ينطوي على كل لوازم جلب الانتباه تاعقلي القاصرفي حينه، من ناحية رسوخ الدولة وبنيتها إزاء مجتمعها، والحجم والموقع، ونوع المنجز الثابت الارضوري، تمثل بالمجتمع الأحادي الدولة النيلي(1)، المحاذي جغرافيا، للتحولي غير القابل للاستيعاب العقلي في حينه، مايدفع بالعقل ابتداء، وبسبب قصوره الموضوعي، للوقوع تحت طائلة نمذجة الأحادية، مع تغير اشكال حضورها مابين، اول مواكب وقريب زمنيا وجغرافيا، واخير هو النمط الأحادي الأوربي المنشطر طبقيا، والاعلى دينامية وكينونة ومنجزا،من غيره من مشابهيه والمنتمين معه لذات النمط.
تنشا الظاهرة المجتمعية بناء عليه تحولية ازدواجية تعاني من نقصين: الأول مادي يتعلق بوسيلة الإنتاج المطابقة لعملية التحول، والثاني نابع من القصور العقلي الموضوعي ومايترتب عليه من سيادة المنظور والرؤية المفهومية الأحادية، والنقصان يستمران طاغيين لالاف السنين، ولدورتين تصيريتين تاريخيتين وصولا للحظة "التفارقية الرباعية" مع النصف الثاني من الالفية الثانية، حين تتوحد التفاعلية الكوكبية المجتمعية، ويحدث الانقلاب الالي المصنعي في مجتمع التحولية التقنية الانشطاري الطبقي، ويصير الانقلاب التصوري المفهومي الازدواجي التحولي اقرب الى الانبثاق بحصيلة التصادمية القصوى التي تنشأ في مجرى التفارقية الرباعية، بين الغرب في اعلى وارفع اشكال تجليه الأحادي الطبقي، وارض الرافدين مجتمع التحولية الازدواجية الأصل، العائد للتبلور في دورة تصيريّة تاريخية ثالثة راهنة، تظل غير مدركة عقلا لحين حضور التكنولوجيا وسيلة الإنتاج المطابقة لاشتراطات التحولية.
في حين وبينما يكون الغرب بحالة انتقال من الاقطاع الى الراسمالية، ومن الإنتاجية اليدوية الى الالية المصنعية، تكون ارض الرافدين "قبلية أولا"، و"انتظارية دينية تجديدية" كفترة ثانية، من دون اية بشائر يمكن نسبتها الى وعي الذات الأساسية، والتعرف على الكينونة والبنية، ذلك بينما تزداد اشتراطات وخصوصيات تشكل الدورة الحالية الثالثة، مع شدة ابهام وصعوبة ذهاب العقل الى فض اسرار الحقيقة الكامنه في المجتمعية، سواء لجهة معاناتها وتعاملها مع وطاة المتبقي من اثار الانقطاع التاريخي، واخر اشكال التجلي الشرقي العثماني الايل للزوال، او الحضور المميز النوعي للطرف الأكثر حيوية احاديا من التفارقية الرباعيه، العنصر الذي سيكون سببا بعد صمت القبلية والانتظارية، وبعد عملية فبركة وتحوير للبنية والتكوين، على مستوى الكيان والدولة، في ظهور نوع من "الوطنية" الايديلوجية الحزبية المرتكزه لموضوعات الغرب ونموذجه وممكناته، والمكملة لها، والتي تضطلع بمهمة "قتل الوطنية الازدواجية العراقية" بالتوازي مع محاولات الغرب قتل الكيانيه الازدواجية العراقية المتعدية للوطنية تاريخيا.
تمر عملية التشكل الثالثة الراهنه على مستوى التعبير الذاتي بطورين افتتاحيين: الأول صامت يكتفي بالتحرر بلا استقلال، والثاني مغرق بالنموذجية الاكراهية الأحادية، الكيانية والمفهومية، وفي موضع "وطنيته ازدواجية تحولية" سائرة الى "فك الازدواج" تقوم ظاهرة مشوهه تنتمي للغرب اصولا وتماهيا، لاصلة لها بالكينونة الوطنية، ولاببنية العراق الازدواجية التحولية، اقصى مطالبها وحلمها "الديمقراطية" و "الاشتراكية" و "الامة"التي هي تخيلات اكراهية مبني على فبركة لا أساس واقعي يبررها ، لابنيويا، ولا في المجال السياقي التاريخي التاريخاني، تستعمل فعليا لتعطيل والاجهاز على وجود وكينونه حية، كي تلغي مكانها ودورها في التاريخ العراقي وفي المنطقة، وعلى مستوى المعمورة(2).
لاتريد الوطنية الايديلوجية الأحادية التفكير باسباب وماوراء ثورة العشرين الكبرى، ومن اين ولدت بصيغتها الاستثنائية التي يسعى هؤلاء الى الحط منها وتحجيمها، بادراجها تحت يافطة "الثورة الوطنية العامة"، بنت الأرياف والبوادي التي "لاوطنية" يمكن ان تنبجس داخلها، ولا داعي للبحث في دينامياتها "البدوية"(2) و"المتخلفة"، مقارنة بمايؤول الى الغرب، والالتحاق بسوقه الاقتصادية، بغض النظر عن ان يكون مقحما وبرانيا، مثل تأكيد هؤلاء على قيام المستعمر باقامه بعض المشاريع، مثل السكك الحديد، وصناعة النفط، وكلها منشآت غير عضوية، وليست من صلب عملية تطور العراق وفعل بنيته الموضوعي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبق في مواضع متكرر ان نوهنا بألانماط المجتمعية الرئيسية وانواعها: الازدواجي الرافديني، واحادي الدولة ومثاله النيلي الاعرق، ومجتمعات أحادية اللادولة.
(2) يقول احد ابرز واضعي تاسيسات الوطنية الايديلوجية الحادية مفبركا مايريده ويشتههيه : " لاشك في ان المظهر الأول للحركة الوطنية الحديثة في العراق ـ وقد كان مظهرا ضخما ـ هو ثورة حزيران 1920 ضد الاحتلال الإنكليزي.
وقبل الاحتلال الإنكليزي للعراق، واثناء الحرب العالمية الأولى، وخلال الغهد العثماني، لم يكن هناك مظهر بارز لحركة وطنية حقيقية في العراق. لقد كانت هناك فئات وطنية صغيره كما كان هناك افراد قلائل يحملون أفكارا وطنيه وقوميهتنطوي على مناهضة الحكم العثماني، ولكنها كانت حركة ضعيفة غير منظمه، وكان مظهرها اكثر بروزا ماارتبط منها بالحركة القومية العربيه التي نشات لها مراكز خارج العراق في الاستانه او بعض المدن العربية، ولم يكن هناك الاصدى ضعيف لذلك داخل العراق، وقد كان الوضع العام في العهد العثماني تميز ببعد الناس عن السلطة، ذلك البعد الذي كان اكثر عمقا في الريف والقرى والبوادي" كامل الجادرجي/( مذكرات كامل الجادرجي وتاريخ الحزب الوطني الديمقراطي) دار الطليعة ـ بيروت / ص20، فالوطنية هي فقط التي تنتمي لمفهوم الغرب، وثورة حزيران " مظهر بارز وطني" بلا وطنية، والبلاد التي تعرف 150 تمردا ومعركة مسلحة ابان العهد العثماني، ومراكز تشكل قيادي وطني في "سوق الشيوخ"، و"النجف" بالتتابع، ليس لها ان تكون وطنيه، لانها من ماقبل غرب ومن الريف والبوادي، ف "الوطنية" شرطها ان تكون معلبة، ونافيه لكل ماقبلها ومايختلف عنها بنية وانتسابا، الى المكان التي هي كينونته، لصالح طاريء وافد.
مع هذا وكله لاتنتمي "وطنية الأحادية" حتى اليوم للخيانه، بل لمقاومة الغرب الاستعماري، بعد بيع الذات والكينونه، والمصادرة على كل ماينتمي للوطن وتاريخه والياته والغائها لصالح من تدعي مقاومته.
(3) اشاع من يعتبر "عالم اجتماع" مهتم بالخاصيات العراقية، اكثر النظريات الاستشراقية المنقولة من مدارس علم الاجتماع الأمريكي خراقة، حين حولها الى موضوعة "تنازع البداوة والحضارة" في عراق هو اعرق البلدان الزراعية، بلاد النهرين لا النهر الواحد، مختارا موضوعات الغرب، لانحيازه المسبق الساذج للغرب ومفاهيمه، وجهله المطبق وانعدام القدرة او الحافز "العلمي" والوطني الضروري لديه كي يتجاوزوطاة جهله بالحقيقة الوطنية التاريخية، وخاصية الدورات والانقطاعات مع مسبباتها المميزه لتاريخ مابين النهرين، مايلحق "علي الوردي"من الجهة الاكاديمية بترسانه المنظور الحداثي الببغاوي.
(4) ذلك مايعود الجادرجي ممثل الليبراليه الشعبوية ليؤكده، مشيرا في موضع اخر من نصه بالاستناج للتدخلية الانشائية الاستعمارية "الى ظهور طبقة عاملة يمكن ان تقارن بمثيلاتها من الطبقات العامله العصرية" نفس المصدر صص 22/23 والشيء ذاته يكرره زكي خيري الماركسي، ليتناوبا على صياغة والتاسيس لسرديتهما المفبركة المسقطة على العراق من خارج تاريخه وتكوينه وبنيته / يراجع زكي خيري مقدمة كتاب( من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920 ـ 1958) ج1 ط2 دار الرواد للطباعه/ بغداد.