منهاج حكومة الكاظمي: إنقاذ نظام المكونات وإرضاء الأميركيين وخصومهم!

يرفضون الكاظمي
4 أشهر 3 أسابيع ago

علاء اللامي*

في منهاجه الحكومي، يحاول رئيس جهاز المخابرات الوطني، المكلف بتشكيل الحكومة الانتقالية، مصطفى الكاظمي، أن يُرضي جميع الأطراف المتناقضة والمتعادية، ليضمن وصوله الى كرسي الرئاسة وبقاءه فيه: فهو يحاول إرضاء وإسكات الأحزاب وفصائل المليشيات بتمييع جرائم الفساد وقتل المتظاهرين السلميين الذين فاق عددهم سبعمائة شهيد وأكثر من خمسة وعشرين ألف جريح ومعتقل ومعوق ومخطوف. هذه الجرائم التي شاركت فيها إلى جانب قوات الشرطة والمليشيات قواتُ من الحرس الرئاسي نفسها، كما ورد في اتهامات علنية وجهها بعض ساسة النظام ومنهم مثلا الشيخ صلاح العبيدي، القيادي في التيار الصدري ومستشار زعيمه مقتدى الصدر.

والكاظمي يحاول - في الوقت ذاته - إرضاء الإدارة الأميركية، التي تربطه بها علاقات قديمة وعميقة منذ أيام المعارضة العراقية في لندن، حيث بدأ نشاطاته بمعية حلفاء الاحتلال المعروفين كأحمد الجلبي وكنعان مكية وغيرهما. كما يريد إرضاء حلفاء واشنطن المحليين من الساسة الكرد والعرب السنة الرافضين لإخراج قوات الاحتلال الأميركية علنا وعلى رؤوس الأشهاد. وهو يحاول فعل ذلك من خلال تسويف قضية سحب قوات الاحتلال الأميركية وغيرها، وإهمال تطبيق قرار مجلس النواب العراقي واجب التنفيذ من قبل السلطة التنفيذية والقاضي بإخراجها من البلاد، ومقاربة هذه المهمة بكلمات دبلوماسية مطاطة وشروط لا علاقة لها بها، تلمح بقوة للقبول ببقاء تلك القوات إلى زمن غير معروف، من قبيل تكراره لتعلة (الحفاظ على أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب).

أما الشعب العراقي، وفي طليعته شباب انتفاضة تشرين والتي لا يجرؤ الكاظمي على تسميتها بالانتفاضة بل بـ "أعمال الاحتجاج" فليس لهم من الوليمة غير الانتظار الممل، وصحون الإنشاء اللفظي ومنها صحن "المجلس الشبابي الاستشاري" المثير للشبهات والذي سنتوقف عنده بعد قليل.

بعد قراءة متمهلة لهذا المنهاج، يمكن القول باختصار شديد، إنه أسوأ منهاج حكومي بين كل المناهج الحكومية السيئة التي قُدمت منذ الاحتلال الأميركي سنة 2003 وحتى اليوم؛ والسبب هو أنه الأكثر خطرا على المجتمع والدولة، حاضرا ومستقبلا. وتشير أسماء الوزراء المقترَحين والتي تسربت إلى الإعلام، أن حكومة الكاظمي ستكون، وبامتياز، حكومة تضم بعض مترجمي وأدلاء الاحتلال الأميركي من رجال الخط الثاني وممن يحملون الجنسية الأميركية أو يقيمون في أميركا وسبق لهم أن اشتغلوا مع قوات الاحتلال في سنواته الأولى كمترجمين وأدلاء وباحثين وإلإداريين ...إلخ. وموجب هذا المنهاج تتعهد حكومة الكاظمي بالآتي:

1-إجراء الانتخابات المبكرة، التي اعتبرت خشبة الخلاص للنظام المحاصر بالانتفاضة الشبابية، إنما دون تحديد أي موعد دقيق أو محتمل لها، ولكن بعد استكمال القانوني وتفعيل مفوضية الانتخابات وتطبيق كامل لقانون الأحزاب! معنى ذلك، أن انتظار تلك الانتخابات" المبكرة" قد يمتد لأكثر من عامين، أي حتى إكمال عهدة الحكومة الحالية المنصرفة والتي أسقطتها تداعيات الانتفاضة الشعبية. وفي هذا الصدد يؤكد منهاج الكاظمي على أن قانون الأحزاب وهو القائم على أساس "الطائفية السياسية" سيكون هو مرشد الحكومة في إدارة هذه الانتخابات، أمر يعني أن أحزاب ومليشيات الفساد والنهب باقية في الحكم ولن تتزحزح مليمترا واحدا عن مواقعها!

2-يركز المنهاج على (فرض هيبة الدولة من خلال حصر السلاح بيد الدولة والمؤسسات الحكومية والعسكرية) وهذا شبه محال أن يحدث مع بقاء الأذرع السياسية لهذه المليشيات التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة، فهما ليسا طرفين بل طرف واحد بذراعين، واحد مسلح والآخر سياسي لصوصي يوفر له الغطاء السياسي والتسليحي ليجني له المال من خزائن المؤسسات الحكومية!

3- قفز منهاج الكاظمي على مطلب تقديم قتلة المتظاهرين السلميين في انتفاضة تشرين إلى القضاء النزيه بعبارات مُضلِّلة من قبيل (القيام بحملة شاملة للتقصي والمساءلة بشأن أحداث العنف التي رافقت الاحتجاجات وتطبيق العدالة بحق المتورطين بالدم العراقي)، فالكاظمي يسمي الانتفاضة "أحداث عنف واحتجاجات" وقتل المتظاهرين السلميين برصاص القناصة وخراطيش الصيد والعبوات الغازية "تورطا في الدم العراقي"، وهي تهمة يمكن أن تشمل حتى رجال القوات القمعية الذين جرحوا بالحجارة أو قتلوا بنيران زملائهم ومساواتهم بضحاياهم! وهذا منتهى الاستهتار بدماء الشهداء، وكأن من كتب هذه الفقرة هو قائد المليشيات وقوات الحرس الرئاسي المتهمة بقتلهم!

4- يفرغ المنهاج مطلب إخراج القوات الأجنبية المحتلة والمفروضة قسرا على العراق من محتواه ومعناه، فبدلا من أن يتعهد بتطبيق القرار البرلماني بإخراجها في سقف زمني محدد يكرر جملا فارغة من قبيل (العمل على إنتاج رؤية وطنية للتفاوض بشأن وجود القوات الأجنبية في العراق ضمن نطاق الحفاظ على أمن البلاد واستمرارية مكافحة فلول الإرهاب وخلاياه)! وهذا يعني أن القوات الأجنبية المحتلة ستبقى وفق الرؤية التي حدد الكاظمي ومن وراءه إطارها القائل بـ (استمرار مكافحة الإرهاب وخلاياه) التي تكررها الإدارة الأميركية باستمرار، ويقينا فقد كان الكاظمي صريحا أكثر مما ينبغي بهذا الصدد، مؤكدا أنه الأكثر وفاء بين حلفاء الاحتلال الأميركي كما كان منذ أول يوم له دخل فيه المعترك السياسي ضمن صفوف المعارضة العراقية اللندنية، وتحديدا ضمن مجموعة أحمد الجلبي وبزمالة كنعان مكية. والغريب أن الكاظمي عاد إلى الموضوع في فقرة أخرى فكتب في الفقرة الخامسة (إجراء مفاوضات جادة مع قيادات الدول المشاركة في "التحالف الدولي" بما يحقق تطلعات الشعب العراقي بالسيادة الوطنية الكاملة) ثم يتذكر الكاظمي علبة البهارات فينثر قليلا منها على هذه الجملة ليفرغها من معناها حين يضيف (في ضوء مصالح العراق وعدم المساس بأمنه الداخلي)، والكاظمي هنا يتناقض ويتذاكى عبثا حين يجعل من موضوع الأمن الداخلي والحاجة لقوات أميركية شرطا للسيادة الوطنية؛ فأية سيادة وطنية هذه التي تحميها قوات احتلال أجنبية مفروضة قسرا على البلد المعني؟!

5- تكررت في المنهاج كلائش مملة وفقيرة من أي مضمون بخصوص (مكافحة الفساد وترسيخ قيم المواطنة مع احترام التنوع الديني والعرقي والقومي...إلخ) مما لا حاجة إلى تكرار التوقف عندها طالما أنه لم تقترن بإجراءات ملموسة وبإنشاء جسم قضائي خاص واستثنائي لمكافحة كارثة الفساد التي دمرت العراق اقتصاديا واجتماعيا تدميرا وضعه على حافة التفكك والتشظي الكياني.

6-حاول الكاظمي في الفقرة الأخيرة من منهاجه تقديم رشوة صغيرة ومضحكة لشباب الانتفاضة مع أنه لم يسمهم بهذا الاسم الممنوع عليه - كما يبدو - من قبل مرشحيه، وهذه الرشوة الفقاعة هي أنه وعد بالآتي (تؤسس الحكومةُ مجلسا استشاريا شبابيا تطوعيا مرتبطا بمكتب رئيس الحكومة، يمثل المحافظات العراقية كافة، وفيه يتم التنسيق مع هذا المجلس بشأن الخطوات الحكومية الخاصة في مجال الإصلاح، والعمل على تطوير فرصهم في بناء الدولة ويكون لهذا المجلس دور في صياغة آليات لحماية حق التظاهر وضمان سلميَّته...إلخ). فما معنى هذه العبارات العائمة والفارغة من أي مضمون محدد غير تشكيل مجلس استشاري للتثاؤب والنميمة وقبض المخصصات الفاحشة، مجلس لا يختلف كثيرا عن المجالس الاستشارية التي يشكلها حكام الخليج العربي مهمتها الوحيدة التصفيق لهم! غير أن التدقيق أكثر في هذه الفقاعة التي تمخض عنها تفكير رجل المخابرات سيحيلنا الى أن هذا المجلس لا يخلو من أهداف مخابراتية أخرى منها تحويل مجموعات من الشباب المتظاهرين الذين قد يوافقون على الانضمام الى هذا المجلس إلى هراوة مدنية وميدانية  بيد الكاظمي ضد خصومه السياسيين في الأحزاب، أو تحويلهم لاحقا إلى شبكة من الجواسيس والمخبرين ضد زملائهم المنتفضين يكتبون التقارير حول نشاطاتهم ومخططاتهم وغير ذلك فيحلون رسميا وبشكل علني محل زمر المندسين والمخربين الذين دستهم أجهزة المخابرات والمليشيات والأحزاب داخل الانتفاضة نفسها!

وتأسيسيا على ما سبق، فمن المرجح حتى هذه اللحظة أن ينال الكاظمي رضا جميع الذين قدم لهم تنازلاته وسوف يساهم بإمرار حكومته أصدقاء واشنطن جنبا إلى جنب مع أصدقاء طهران فجميع هؤلاء سيعتقدون انهم حصلوا على ما أرادوا من منافع في مقدمتها إنهاء انتفاضة تشرين - التي أقضت مضاجع الجميع وهزت النظام التابع وأعادت إلى الواجهة قضية استقلال وسيادة العراق والشعارات الطبقية للكادحين والفقراء - وتضييع دماء شهدائها وإنقاذ أسس النظام الطائفي المكوناتي الذي جاء به الاحتلال الأمريكي الذي يواصل حمايته من غضبة شعبه بمشاركة توافق الأمر الواقع مع إيران من موقعها كراعٍ وحليف أول لأحزاب ومليشيات الفساد والتبعية! أما الشعب العراقي وقواها الحية ممثلة بشباب انتفاضة تشرين الاستقلالية الطبقية فسوف يكون لهم قول آخر هو القول الفصل في قادم الأيام طالما ظلت الأسباب التي دفعتهم للانتفاض قائمة بل وسوف تتفاقم أكثر مع حكومة مترجمي وأدلاء الاحتلال من رجال الخط الثاني!

أما تاريخيا، فسوف يسجل التاريخ العراقي الحديث أن من يتشدقون بعنوان "المقاومة الإسلامية" في العراق، هم من أوصلوا أسوأ وأخطر رئيس حكومة إلى سدة الحكم، وأسقطوا المرشح الأقل سوءا منه - محمد توفيق علاوي - لأنه رفض الموافقة على شروطهم وإملاءاتهم فرفض جناح مهم منهم منحه الثقة، رغم أن علاوي نفسه من نسيج هذا النظام، وسبق له أن كان وزيرا ضمن إحدى حكومات المحاصصة الطائفية. غير أنهم أسقطوه هذه المرة لأنه وفى بوعد قطعه أمام العراقيين محاولا القيام بمحاولة جدية وتليق بحجم الدماء والتضحيات الهائلة التي قدمها المنتفضون التشرينيون لتشكيل حكومة انتقالية حقيقية وليست مجرد فقاعة سياسية.

*كاتب عراقي