اللادولة واللاثورة؟

5 أشهر أسبوعين ago

عبد الأمير الركابي

اللادولة واللاثورة؟
• ملحوظه غير هامشيه: أولا يجب ان اذكر بانني نسيت ترقيم هامشين هما ال ( 9) و (10) في الحلقة السابقة 3ج، مااقتضى التنويه، وثانيا فان الحلقة الحالية هي من نوع الابتكار المختلف عن " الهامش"المعتاد في النمط "البحثي" والكتابي الاكاديمي، بالعموم والغربي منه حاضرا، حيث لم يسبق ان طرأت حاجة توضيحية موازية، تستوجب قطع التسلسل لاجل ضمان التوصيل، ولاستحالة الفهم او مقاربة المطروح، او الجاري عرضه ومحاولة اثباته، من دون توقف توضيحي اعتراضي، هو قطعه اصيلة من كينونة البحث ،واجبه، لاغنى عنها، من الصعب تصورتحولها الى سابقة، خصوصاوانها ترد هنا كاضطرارمن المتعذر مقاربة مفهوم "اللاصعودية" الذي هو محور بحثنا الأساس من دون التعرف عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تتعرف البشرية خلال تاريخها، او تقارب وعيا، شكل ونمط لا ثورة اللادولة، فالتاريخ البشري كما هو معاش الى اليوم هو تاريخ الأحادية، وأول واهم مرتكزاتها التنظيمية المجتمعية "الدولة"، الغالبة بصورة كاسحة كنمط ومفهوم ملائم ومطابق لحالة ومستوى الاستيعابيه العقلية في حينه وحتى اللحظة، ومدى تطابقها مع الممكن المتاح مجتمعيا من اشكال وترتيبات المجتمعيات،هذا الشكل من التنظيم يرتقي لمستوى البداهة ربما مثل اليد والعينين، وبنية الجسد، انها الجسد المجتمعي من زاوية مفرداته، والاجزاء التي يتشكل منها، ومادام الانسان مازال دون مجتمعي عقلا،بمعنى انه يعيش تحت طائلة الظاهرة المجتمعية وعيا ووجودا،تبقى الدولة والثورة متلازمتان ومتنافيتان، تزيح احاهما الأخرى دائما، كما تتشكل معها باعتبارهما "وحدة"، والفعل او الحضور الثنائي الثاني هو فعل الدولة التي توجد فتوجد معها الثورة، بينما لاتفعل الثورة من جهتها ذلك، ولايمكن ان يكون متاحا لها اطلاقا ان تكون بدون دولة، او ضد دولة من اجل دولة أخرى مفترضة، متخيلة، اوحتى معتبرة محتمه بناء على استقراءات تسنى لها ضمن لحظة تاريخية، ان تبدومن نوع الحقيقة الانقلابية، خصوصا مع إضافة احتمالية او شبح نهاية الطبقات و"اللادولة"، على الأقل افتراضيا، او تصورا تحليليا.
ولاشك ان لنين هو من كثف هذا المثال الأخير، وهو شبه، او الأقرب الى النهائي، المفعم بالمجازفه الذاهبة بالعقل الى حافة الوهم، أوالانهيارالتاريخي الذي يمكن ان يتولد عن تخيلية التحقق المشفوع بأقصى قدر مما يبدو ملموسا حتى وان يكن من غير طبيعته، كما الحال في كومونة باريس والسوفيتات الروسية، هكذا يمكن ان يقرا كتاب "الدولة والثورة" خصوصا في حال وضعه بإزاء ماقبله، وماقد ارتكز اليه من تاريخ ايحاء غيرمنتج، او بتعذر غير معترف به، حيث انتهت الماركسية وماتزال بلا نتيجه متحققه وملموسة في ارض المنشأ، وفي المكان الذي راى ماركس انه الأعلى نموا وتشكلا بنيويا وتشريحيا ومن ثم الأنسب لفعل الانقلابة الطبقية.
من اين تاتي الثورة، ولماذا؟ انها فعل لايمكن تخيله بذاته اوكعملية مستقله، وهي من هذه الناحية ليست مثل "الدولة" بل تختلف عنها كليا، وحيث لاوجود للثورة من دون دولة فان الدولة يمكن ان توجد وعلى طور الخط، من دون ثورة، وبلا حاجة لها، لابل ومع كل السعي الذي هي قادرة عليه لكي تحول دونها، وتمنعها، والامر هنا متعلق بنوع او نمط من المجتمعية هي المجتمعية أحادية الدولة، فالثورات لاوجود لها في مجتمع اللادولة الازدواجي، ولا حتى في مجتمع أحادية اللادولة، مامن شانه وضعنا امام نماذج من "الثورات"/ التعبير مستعمل وحيث يستعمل فلكي يستثير مفهوما بالإمكان مقاربته اعتيادا من قبل الاعقل الأحادي/، ان وجدت، لامجرد نموذج واحد، كما يمكن ان نفهم من كتاب مثل ذلك الذي وضعه لنين، بينما هو واقع تحت وطاة القصور العام الشامل العقلي بازاد الظاهرة المجتمعية، أي القصور الذي رافق محاولة الغرب في العصر الحديث تجاوز نكوص العقل إزاء الظاهرة المجتمعية الموضوعي، مع تاسيسات "علم الاجتماع"، او الماركسية ونظرية الصراع الطبقي والمادية التاريخية، وهي محاولات ابتدائية لم تفلح في اماطة اللثام بالفعل عن ظاهرة المجتمعات والياتها واستهدافاتها النهائية.
وهذا النقص ليس بالعارض اطلاقا، خصوصا بقدر ماينجم عنه على صعيد المفاهيم التاريخية المجتمعية، واهمها اللاثورة، بالضبط كما اللادولة، حيث الثورة فعل تأكيد للادولة، ان كوروجينا (2355 ق ـ م) هو من سجل للمرة الأولى في التاريخ المجتمعي البشري في لكش في جنوب ارض مابين النهرين كلمة ( حرية/ امارجي) وكل المعروف اليوم من حقوق الانسان، وحقوق الفقراء والمستضعفين، والاهم انه قد وضع ملامح اللاثورة التي تكرس او تعمل على تكريس بنية اللادولة، فالشريعة هنا لاتحتاج الى من "يطبقها" من خارجها،مصادرا صفة " القانون التنفيذي"، انها فعل ارادي مجتمعي ناف للسلطة المنفصلة، او المستقلة عن المجتمع، وهي بلا شك درجة من التجلي الوجودي المجتمعي، ليس من صنف ذلك الذي يعتاش على القصور البشري العضوي الضروري جسديا وعقليا.
الدولة هي قصور "الانسان" العضوي العقلي، خلال طور وزمن "الانسايوان"، وهذا الحكم يشمل صنوها الثورة، فالقرامطة ومجلس عقائديتهم، ليسوا من نوع ثوار استبدال الدولة بدولة أخرى، وكذلك الحسين بن علي بن ابي طالب، الذي تلاحظ على سلوكة مواقف يصعب تفسيرها/ بتطبيق مفاهيم الثورات والدول/ من نوع تصديقه دعوات بعينها، او قبوله مواجهة الموت رغم عدم التكاف} الصارخ بين معسكره ومعسكر عدوه، بدل العودة من حيث اتى، انه ممثل تجلي دولة اللادولة الأحادية الجزيرية، كما تحققت ابان الاثورة المحمدية الابراهيمية الأخيره وانتهت بانتهاء عهد الراشدين، لصالح دول أحادية الدولة، او ازدواجية امبراطورية، والحكم نفسه ينطبق على اعلان " الانتظارية" أي إحالة الدورة الثانية الازدواجية الى المستقبل والى درورة ثالثة، كذلك ثورة حزيران العراقية الحديثة عام 1920، والتي يرى منظرو الجهالة"الوطنية" انها لم تحقق أهدافها كاملة كثورة تحررية وطنية، مسبغين عليها صفات ومقاصد لاتمت لها بصله، وبالضد من طبيعتها كثورة لاثورة لاتنتج دولة، والشيء نفسه ينطبق على ثورة 14 تموز 1958، ان مجتمعات المايا والازتك في أمريكا اللاتينية، لم تكن تعرف مايسمى الثورة ليس لانها "بدائية"، بل لانها مجتمعات لادولة لاتنتج نقيضها، أي مايسمى "الثورة"، وحتى لو ان الابراهيمية ترهن مملكة السماء ارضيا بسلطة عليا، الا انها تظهر في الحالة التي وجدت عليها كمؤقت نبوي اضطراري محكوم لاجل ونهاية يتوقف عندها.
لم يفهم ماركس دلالات "كومونة باريس" المتعدية للثورة والدولة، ولا بالطبع لنين بإزاء السوفيتات التي الحقها بالحزب بما هو صيغة دولة من خارجها، وكذا كل الماركسيين، وهو ما كانوا عاجزين عن ان ينسبوا وقوف اللاثورة اما البنك المركزي الفرنسي عاجزة، ليغزوا ذلك الى نقص ما في الوعي، بما انهم اخر التجليات الأحادية في الزمن البرجوازي، او الشكل الأعلى الممكن لتجلي الثورة على حافة اللاثورة، باقتراح مخطط لها اسمه "نظرية صراع الطبقات" كفرضية متواليتها التاريخية، الامر الذي اودع اللاثورة واشكال تمخضها غير المنظورة ايان الانقلاب الصناعي البرجوازي، الى التخطيطية الأحادية الممتزجة بشي من اثر اللاثورة كارادة، او من تجلي التغيير الفعلي والياته داخل المجتمعات، باعتبار الصيرورة التاريخية المجتمعية ومسارها من اللادولة الى اللادولة، ومن اللاثورة الى اللاثورة.
تمثل الشيوعيه الماركسية، اخر التجليات ونمط العقبات الأعلى القابل للتبني المؤقت كظاهرة ايهام متاخرة تكرس الثورة بينما هي ترهنها للدولة باسم الطبقة، لتحل مكانها "دولة انتقال" تقف دون حدود الظاهرة المجتمعية، ولا تفكر باجتيازها. كما هو متطابق مع الكينونة والاليات الناظمة للظاهرة المجتمعية، وديناميات وجودها وزوالها.
تنتج الأحادية المجتمعية الطبقية أي اعلى اشكال الاحاديات دينامية ابان اخر اشكال صيرورتها واعلاها على حافة انتهاء الزمن الأحادي، ظاهرتان: الأولى هي الدولة الوطنية القومية البرجوازية ( الدولة /الامة) الليبرالية، والمنظور الطبقي الانقلابي، المبشر بما بعد المرحلة البرجوازية من تاريخ هذا النمط من المجتمعات، وهما مفهومان متلازمان، وجودهما يؤشر لنهاية الزمن الأحادي، ولزمن الدولة الأحادية بمختلف اشكالها ومعها الدولة، باعلى الصيغ الممكنة ضمن اشتراطات تحققها، بالذات في الصفحة، او الحلقة الأولى من انقلابها التاريخي من الاقطاع الى البرجوازية الصناعية المصنعية، السابق والممهد للحلقة العليا الأخير، حلقة انبثاق وسيلة الإنتاج اللامجتمعية التكنولوجية، التي تأخذ المجتمعات من الإنتاج لسد جاجات "الانسايوان" الجسدية الى انتاج الانسان المتحرر من الحاجات العضوية.
ان عالم اليوم هو بالأحرى عالم مابعد الليبرالية البرجوازية المصنعية، والماركسية صنوها ومضادها، ورديفها الذي يواكب خاصياتها وتكوينها، وبنيتها المتوارثة، وهو يسير اليوم حثيثا نحو مجتمعية اللامجتمعية، مجتمعية ارث اللادولة الازدواجي واللاثورة، حيث لاماركسية ولا لينينة، وبالاخص لاماوية ولا مايشابهها من الجموحات التخطيطية الأحادية الأخيرة على حافة الانتقال الى "اللاثورة"، وعلى مستوى التشكل الحياتي اليومي الى "اللاتصير" الكياني للدولة الأحادية، المؤقته، وان تأخر زمن حضورها.

وسوم