مزاجية كورونا كما ترصده نيويورك تايمز

3 أسابيع 4 أيام ago

نادية عدنان عاكف

تتساءل النيويورك تايمز في مقالها البارحة، ما السر وراء مزاجية فايروس كورونا بحيث أنه يضرب إيران بشدة فيحصد آلاف الضحايا، فيما يبدو الوضع في جارتها العراق تحت السيطرة ولم يتجاوز العدد المئة. لماذا تسجل جمهورية الدومينيك 7600 حالة فيما لم تسجل هايتي على الجهة الأخرى من الحدود سوى 85 اصابة. الوضع في أندونيسيا متأزم حيث يعتقد أن الفايروس حصد أرواح الآلاف، بينما استطاعت ماليزيا أن تحصر العدد بمئة، بفضل إجراءاتها الصارمة.
بعض العواصم العالمية مثل نيويورك ولندن وباريس كانت الأكثر تأثرا، حيث شهدت أوضاعا كارثية، بينما عدد من المدن الأكثر اكتظاظا في العالم مثل بانكوك وبغداد ونيودلهلي ولاغوس لم يصابوا لحد الآن بشدة.
نظريات عديدة تم طرحها للسبب وراء استهداف الفايروس لمدن معينة بقسوة وترك مدن أخرى، لكن لحد الآن ليس هناك أجوبة علمية مثبتة. مئات الدراسات تجرى حاليا لفهم تأثير العامل الديمغرافي، والجينات، ووجود أمراض مسبقة على انتشار المرض في منطقة دون أخرى. المقال لا يقدم ردودا واضحة ولا أجوبة قاطعة، هو يطرح النظريات المتداولة ويقدم أمثلة لدعمها، وأخرى للتريث بشأنها
من النظريات الرائجة هي أن ارتفاع درجات الحرارة، وارتفاع نسبة الشباب بين السكان عوامل تساعد البلدان على الافلات من الخطر. لكن اندونيسيا وبيرو والبرازيل، تتمتع بجو استوائي حار، ومع ذلك لم تنج من ضربات قاسية يجعل هذه النظرية محل شك
مما لا شك فيه أن الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي وإغلاق المدن كان عاملا مساعدا على التقليل من الخطر، لكن دول مثل بورما وكامبوديا لم تسجل سوى إصابات محدودة رغم عدم التزامها.
واحدة من النظريات المطروحة أيضا هي أن الفايروس لم يصل الى تلك المناطق، لكنه سيصلها في النهاية. لقد بدت كل من روسيا وتركيا بعيدة عن الخطر لفترة من الزمن، ثم فجأة هاجمها بشدة.
الإنفلونزا الإسبانية ضربت الولايات المتحدة في صيف 1918، بدا أنها اختفت في الصيف، لتعود وتضرب بشكل أقوى في خريف العام نفسه، ثم ضربت في موجة ثالثة في العام التالي، لتخفت بعد ذلك بعد أن أصابت ثلث سكان الأرض
الخبراء يقولون أن المعلومات والإحصائيات قليلة ما يجعل الاستنتاجات في هذه المرحلة غير دقيقة. اغلب المناطق حول العالم تعاني من قلة في أجهزة الفحص، ما يجعل المعلومات المتوفرة حول مدى انتشار المرض، وأعداد الوفيات التي يسببها أقل من الواقع.
اللقاءات التي أجريت مع أكثر من 24 من العلماء في مجالات الأمراض المعدية، وعلم الأوبئة، وخبراء الصحة حول العالم، تحصر العوامل التي تؤثر على مدى انتشار المرض في منطقة ما بالعوامل الديمغرافية، الطقس، الثقافة، وسرعة رد فعل الحكومات القائمة. كل من تلك العوامل يرتبط بعدد من التحفظات والأمثلة المضادة، ولكنها العوامل التي يجدها الخبراء حاليا وفي ظل المعلومات المتوفرة الأكثر منطقية والأقرب الى الصحة.
قوة الشباب:
كثير من البلدان التي استطاعت ان تتجنب موجات قوية من الوباء، تتمتع بنسبة عالية من الشباب مقابل كبار السن. ويبدو أن المرض بين الشباب يأتي بأعراض أخف، ويكون المريض الشاب أقل قدرة على نقل المرض الى غيره من كبار السن. حسب رأي روبرت بولينجر بروفيسور الأمراض المعدية في جامعة جون هوبكينز. والمرض يكون قاتلا بنسبة أقل بين الشباب، كونهم أقل احتمالا لاكتساب الأمراض المزمنة التي يمكن ان تؤدي الى الوفاة في حال اجتماعها مع كوفيد 19.
قارة افريقيا تتمتع بأكبر نسبة من الشباب، حيث يعد اكثر من 60% من سكانها أقل من سن الخامسة والعشرين. ويلاحظ أنها القارة الأقل تأثرا، حيث لم يصب سوى 45,000 من بين 1.3 مليار انسان في افريقيا. بينما ايطاليا واحدة من اكثر المناطق تضررا، معدل العمر فيها 45، ومعدل أعمار الذين توفوا جراء كوفيد 19 هو 80 عاما.
الشباب الذين يصابون يتمتعون بأجسام قوية ومناعة عالية تجعل الأعراض خفيفة بالنسبة لغيرهم. في السعودية وسنغافورة مثلا، غالبية الإصابات تم تسجيلها لدى المهاجرين، الذين يعيشون في مهاجع مكتظة. لكن لم يسجل بين هؤلاء وفيات أو حتى حاجة لدخول المستشفيات، حيث كانت الأعراض خفيفة، كون غالبيتهم من الشباب
هناك استثناء لهذه القاعدة يتمثل في اليابان. حيث تتمتع اليابان بأعلى معدل أعمار في العالم، ومع ذلك لم تحوي سوى على 520 وفاة جراء كورونا. بينما الإكوادور التي تتمتع بواحدة من أخفض معدلات العمر في العالم، حيث لا تتجاوز نسبة الذين تتعدى أعمارهم سن الستين ال11%، شهدت مأساة خطفت أكثر من 7000 ضحية.
كما يحذر العلماء ان بعض الشباب الذين لا تظهر عليهم أعراض المرض، يملكون قدرة كبيرة على نقل العدوى.
العامل الثقافي: وما تعنيه النيويورك تايمز بهذا العامل، هو العادات الاجتماعية والثقافة السائدة
. فمثلا يعتقد أن عادة التحية من بعيد المتعارف عليها لدى الهنود والتايلنديين واليابانيين قد تكون ساهمت في حمايتهم من انتشار العدوى الى حد ما. كذلك عادة لبس الأقنعة والكمامات المتداولة في اليابان.
رعاية المسنين في المنازل، وعدم انتشار دور العجزة في الدول النامية قد تكون ساهمت في ابعاد الخطر عنهم. فقد كانت دور رعاية المسنين في البلدان المتقدمة من أكثر الأماكن تضررا من هذا الفايروس.

وهذه القاعدة ايضا فيها استثناءات، إذ أن عادة المصافحة وحتى الأحضان بين الرجال منتشرة في العراق ودول الخليج مثلا، ومع ذلك لم تشهد هذه البلدان انتشارا للمرض
العزلة الوطنية تعتبر عاملا آخر لحماية البلدان من الانتشار الواسع للمرض. البلدان المعزولة والمحاصرة لأسباب سياسية مثل سوريا وفنزويلا وليبيا لم تشهد سوى حالات محدودة جدا. ولذلك أيضا نجد أن بعض المناطق المعزولة بحكم قلة الاتصال بالعالم الخارجي جنوب المحيط الهادي وجنوب الصحراء الكبرى بقيت محمية.
الحرارة والضوء:
الطريقة التي انتشر فيها الفايروس في مناطق باردة كالولايات المتحدة وإيطاليا، فيما كان وجوده محدود في مناطق حارة كالتشاد وغيانا، تشير الى أن الفايروس لا يفضل درجات الحرارة المرتفعة. وهو ما يتناسب مع سلوك الفايروسات الأخرى المنتمية الى عائلة كورونا، مثل الفايروس المسبب للزكام، والذي ينشط في المواسم الباردة والرطبة.
لكن مع الأسف هذا لا يعني بالضرورة أن ارتفاع درجات الحرارة لوحده من شأنه أن يقضي على الفايروس، فنحن نعلم أن أحد أكثر البلدان تضررا منه هي البرازيل، والتي تتمتع بجو استوائي حار ورطب
الإغلاق المبكر والصارم للمدن:
الأدلة على نجاعة الإلتزام بالتباعد الاجتماعي في الحد من انتشار المرض واضحة جدا، ومنها نذكر نجاح اليونان وفيتنام في السيطرة على الوضع بفضل ردة فعلها المبكرة.
في افريقيا التي عاشت تجربة مريرة سابقا مع إيبولا و الإج آي في، كانت سباقة لاتخاذ إجراءات السلامة. فنجد أن مطارات سيراليون وأوغاندا مثلا بدأت بفحص درجات الحرارة والالتزام بلبس الكمامات قبل فترة طويلة من اتخاذ مطارات الولايات المتحدة وأوربا اجراءات مماثلة. فيما أغلقت السنغال وأوغاندا حدودهما وأعلنا حظر التجوال، وبدآ باتخاذ اجراءات تتبع المرض مبكرا بمجرد اكتشاف أولى الحالات.
حدث هذا في بلدان تعتمد وزارات الصحة فيها على المساعدات الإنسانية لمواصلة العمل. لقد كان الأمر بالنسبة لهم يتعلق بمسؤولية وطنية. مصير بلدانهم كانت تقع على أكتافهم، فكانت ردة فعلهم سريعة ومسؤولة. (فيما عجزت الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان تتمتعان بإحدى أضخم الميزانيات في العالم عن تحمل مسؤولياتها تجاه شعوبها)
حين تلقت أوغاندا أول إصابة واكتشفت أن المصاب كان قادما من دبي، اتخذت إجراءات لعزل كل المسافرين القادمين من دبي. كما تتبعت آثر 800 ممن قدموا من دبي خلال الأسابيع السابقة.
لكن التباعد الإجتماعي لا يمكن أن يستمر لفترات طويلة، لأن الناس تحتاج للعودة الى العمل لإطعام عوائلها.
من جهة أخرى الاستثناءات يمكن تسجيلها في هذه الحالة أيضا، فمثلا كامبوديا ولاووس لم تتخذ إجراءات صارمة للتباعد الاجتماعي، ومع ذلك لم يسجل فيها أي حالات جديدة منذ حوالي الثلاث أسابيع
في النهاية يتفق العلماء على أنه ليس هناك سببا واحدا أو عاملا أساسيا يمكن من خلاله تحديد مدى انتشار الفايروس في بلد ما، إنها تركيبة تلك العوامل مجتمعة

وسوم