ج1/تجربة ماليزيا في عهد مهاتير محمد في التمرد على صندوق النقد الدولي! 

مهاتير محمد
4 أشهر أسبوع واحد ago

علاء اللامي

تفاقمت مشاكل الدول الريعية النفطية وفي مقدمتها العراق بعد انهيار أسعار النفط، وأصبحت الهرولة إلى الاقتراض الأجنبي الكثيف ركضا. وها هو رئيس الوزراء الجديد مصطفى الكاظمي، لم يكد يجلس على كرسي رئاسة الوزراء بعد التوافق الأميركي الإيراني، حتى وقع بعد ساعات مرسوما بالموافقة على مشروع قانون الاقتراض المحلي والأجنبي وحوَّله إلى مجلس النواب ليكون قانونا! ومع ذلك هناك، من يكرر دون ملل: ولكن ما البديل للاقتراض؟ ولماذا هذا العداء للاقتراض الأجنبي؟ وماذا سيأكل الناس وكيف سيعيشون؟ لا تخلو هذه الأسئلة من نزعة الابتزاز بطبيعة الحال ولكنها أيضا لا تخلو من المنطق والحجة في بحثها عن البديل إن كانت جادة في بحثها. وفي محاولة لمقاربة موضوع البديل الممكن أنشر هنا هذه الخلاصات المركزة في عرض توضيحي لتجربة ماليزيا في عهد الرئيس مهاتير محمد، وكيف أنقذ بلاده مرتين من ضياع، وضمن استقلالها وسيادتها، وتفادى السقوط في هوة التبعية للإمبرياليات الغربية وخصوصا الأميركية، ومن الإفقار والفوات الحضاري، بل، وإضافة الى كل ذلك، احتفظ بموقعه الشجاع والمنصف في الدفاع عن الحق الفلسطيني في مواجهة الكيان الصهيوني العنصري وخطة ترامب التصفوية المسماة "صفقة القرن".

*وأود التأكيد، قبل أن أبدأ هذا العرض التوضيحي، أن هدفي منه لا يتعدى تعريف الشباب فكرا وروحا بهذه التجربة الخاصة والشجاعة والباعثة على الأمل والمحاولة من قبل ذوي الكرامة، ولكنني لا أتبنى هذه التجربة بكاملها ولا أعتبرها البديل الوحيد أو الأنضج لأنني شخصيا أتبنى بديلا آخر هو البديل الاشتراكي الجذري الذي يستهدف بناء تجربة اقتصادية مستقلة ومختلفة عن تجارب الرأسمالية المتوحشة أو التابعة الكامبرودورية أو رأسمالية الدولة الفاسدة أو الفردانية والتي يتعلق مصيرها على مصير زعيمها الفرد ولكن هذا لا ينفي إعجابي بتجربة هذا القائد الشعبي الاستقلالي وتجربة شعبه. لننتقل إلى تجربة هذه الخلاصات عن تجربة الرئيس مهاتير والذي يلقبه شعبه بالمبجل:

*حكمَ مهاتير محمد مملكة ماليزيا مرتين كرئيس وزراء: المرة الأولى بين 16 يوليو 1981 وحتى 31 أكتوبر 2003، أي لمدة 22 عاما، وبعدها استقال من منصبه طوعا وهو في ذروة مجده وصعوده السياسي. والمرة الثانية حين فاز في الانتخابات في 10 مايو 2018 وله من العمر 93 عاما، واستقال من منصبه في 24 فبراير 2020 بعد خلافات حادة مع خصمه وحليفه في الائتلاف الحاكم إبراهيم أنور.

*في فترة حكمه الأول، قاد مهاتير عملية تغيير وتنمية شاملة، نقلت ماليزيا من حال إلى أخرى متقدمة فـ (ساهم مهاتير في تحويل الاعتماد الاقتصادي في ماليزيا من الزراعة والموارد الطبيعية إلى الصناعة والتصدير، وتضاعف دخل الفرد من عام 1990 إلى 1996. وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي الذي تشهده ماليزيا في الوقت الحالي وقد لا تحقق الهدف بنهاية عام 2020، إلا أن اقتصادها مازال مُستقرًا/ بايو غرافي).  ولكن مهاتير لم يهمل الزراعات الصناعية وهكذا تحولت ماليزيا، من دولة لا توجد فيها شجرة واحدة لزيت النخيل، إلى واحدة من أهم الدول المصدرة لزيت النخيل وأيضا للمطاط والأخشاب الثمينة وصار بإمكان المواطن حامل الشهادة أن يقيم دعوى قضائية ضد أي شركة أو مؤسسة ترفض تعيينه!

بعد الأزمة الاقتصادية الآسيوية في عام 1998، خالف مهاتير محمد آراء مستشاريه، وقرر ربط سعر صرف العملة بالدولار الأمريكي، ضمن ما سماها " سياسة الإنعاش الاقتصادي". وقد اعتبر بعض الاقتصاديين هذه الخطوة الجريئة سبباً في تعافي اقتصاد ماليزيا أسرع من الدول الأخرى، بعد أن فهم الرئيس أن لأميركا دورا في التسبب بأزمة الاقتصادات الآسيوية طالما أن الاقتصاد العالمي كله يقوم ويعتمد على وضع الدولار الأميركي، ولكنه رفض على الدوام إغراق بلاده بالديون الخارجية وخصوصا لصندوق النقد الدولي. غير أن خطوته هذه لم تضمن له استقرار اقتصاد بلاده طالما بقي تابعا للاقتصاد الدولاري وهذا ما حدث لاحقا.

*فقد تعرضت العملة الماليزية، وهي الرينجيت، إلى مضاربات واسعة بهدف تخفيض قيمتها، وظهرت عمليات تحويل نقدي واسعة إلى خارج ماليزيا، وبدا أن النجاح الذي حققته على وشك التحول الى فشل. وبعد بحث مستفيض للموضوع، أصدر مهاتير مجموعة قرارات تهدف الى فرض قيود على التحويلات النقدية، خاصة الحسابات التي يملكها غير المقيمين، وفرض أسعار صرف محددة لبعض المعاملات، وهذا يخالف سياسة تعويم العملة التي يصرُّ عليها صندوق النقد الدولي دائما. ورغم ضغوط الصندوق، أصر مهاتير على سياسته التي أثبتت الأيام أنها كانت ناجحة، حتى أن دولا كثيرة تدرسها وتحاول تكرارها/ بي بي سي.

*أكد مهاتير دائما رفضه لفكرة العولمة، حسبما تقدمها أو تفسرها الولايات المتحدة، ذلك لأنها ستؤدي إلى فتح أسواق الدول النامية أمام الشركات الامريكية العملاقة التي لا تقوى مؤسسات الدول النامية على منافستها، وينتهي الأمر باستمرار احتكار الشركات الكبرى/اليوم السابع.

*ورأى أنه لا يجب أن تقبل أي أفكار أو سياسات لمجرد أنها صادرة من الغرب، وطبق أفكاره عمليا عندما رفض تطبيق السياسات التي أوصى بها صندوق النقد الدولي أثناء أزمة الاسواق الآسيوية التي طالت دول منطقة جنوب آسيا بما فيها ماليزيا. بي بي سي.

*الأزمة المالية الآسيوية: وهي فترة تأزُّم مالي أصابت معظم قارة آسيا بدءاً من شهر يوليو عام 1997. بدأت في تايلند في أعقاب انهيار عملة البات التايلندي، إذ أجبرت الحكومة على تعويم البات بعد أن اختفت العملات الأجنبية التي كانت توازن معدَّلات تحويل العملة، لتنقطع الرابطة بين البات التايلندي والدولار الأمريكي. كانت تايلند تتحمَّل في ذلك الحين عبء ديون خارجية، ممَّا قاد الدولة إلى حالةٍ من الإفلاس، ليتبع ذلك انهيار عملتها. انتشرت الأزمة لاحقاً، وبدأت عملات كامل جنوب شرق آسيا وكوريا الجنوبية واليابان بالسقوط، وانخفضت أسعار البورصة المالية وكافَّة المنتجات.

كانت أكثر البلدان تأثُّراً بالأزمة المالية الآسيوية هي إندونيسيا وكوريا الجنوبية وتايلند، تليها بدرجةٍ أقل ماليزيا والفلبين ولاوس وهونغ كونغ، وكذلك الصين وتايوان وسنغافورة وبروناي وفيتنام، وقد عانت جميعها من انخفاض الطلب والثقة في السوق على مستوى المنطقة بأسرها.

ارتفعت نسبة الديون الأجنبية بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي من 100% إلى 167% في اقتصادات اتحاد دول جنوب شرق آسيا الكبرى بين عامي 1993 و1996، لتجتاز 180%. ارتفعت النسبة في كوريا الجنوبية من 13% إلى 21%، ووصلت فيما بعد حتى 40%.

*لقد استطاع مهاتير محمد خلال 22 عاما أن يحقق مكانة مشرفة لبلاده بين الدول الصاعدة بعدما ارتفع الاحتياطي النقدي من ثلاثة مليارات إلى ٩٨ مليارا، ووصل حجم الصادرات إلى ٢٠٠ مليار دولار. وبات قطاعا الصناعة والخدمات يساهمان بقرابة 90% من الناتج المحلي الإجمالي/ م.س. يتبع في لجزء القادم وهو الثاني  وفيه نستعرض كفاح مهاتير محمد وحكومته وشعبه ضد الفساد الحكومي وكيف استطاع خلال عشرة أيام تطويق الفساد وشله والبدء باستئصاله بدؤا من رئيس الوزراء السابق وزوجته والمدعي العام فنازلا!