اللاصعودية: شروط الفبركة وعراق التشكل

شهران 3 أسابيع ago

عبدالاميرالركابي
مر العراق ابان تشكله الحديث الثالت بثلاث حقب استغرقت أربعة قرون، بدات مع القرن السادس عشر، الأولى قبلية، والثانية انتظارية دينية تجديدية، والثالثة حقبة فبركة حداثية، حاولت كل منها ان تسبغ خاصياتها على البلاد مكرسة مفهومها للعراق ووطنيته، على اختلاف طاقاتها، وممكنات تمثيلها للبلاد بحسب درجة ومدى اتساع ودرجة تبلور تشكلها الوطني، مابين تاسيسي اول انطلق من ارض سومر التاريخية وتمثل في "اتحاد قبائل المنتفك" في القرن السادس عشر، الى الفرات الأوسط ومايشابه بابل او الكوفة في الدورتين السابقتين السومرية البابلية الابراهيمية والعباسية القرمطية الانتظارية. وهي حقبة اعلى واوسع شمل التشكل الوطني الحديث خلالها العراق الأسفل "عراق السواد " برمته، في حين بدات طلائع ونزوعات التمدد شمالا تلوح في الأفق.
وفي الحالتين لم يكن مطروحا احتمال ان تضطلع القوى المتصدية لموقع القيادة، وان الظاهرية، خلال الحقب الحديثة، بمهمة التعبير عن الذاتية الوطنية، في وقت لم تكن هذه خلالها قد طرحت، او صارت قابله وممكنة التمخض بما يتناسب، وما تتضمنه الكينونه والذاتية البنيوية الاشمل في كيان ازدواجي، بنيته الأساس المتكرره عبر الدورات والانقطاعات، امبراطورية "تحولية"، كانت أصلا، وعلى مدى دورتين استغرقتا الاف السنين، تتجاوزان قدرة العقل على الإحاطة، عدا عن بلورة التصورية النامة عن الحقيقة المجتمعية الخاصة والشاملة الكوكبية المضمره، والمودعة فيها.
وكما ظلت حالة التفارق بين الحقيقة المجتمعية وطاقة العقل على الإحاطة غالبة عراقيا، فانها قد ظلت كذلك معممة على الظاهرة المجتمعية، وادراك منطواها على مستوى المعمورة، في حين ظلت المجتمعية البشرية خاضعة لقانون التصير بهدف بلوغ لحظة التحول عبر وعي اشتراطاته عقلا، ناهيك عن عوامل تحققه ماديا على صعيد وسائل الإنتاج، وهو ماكانت الدورة الثالثة الراهنة مرشحة للاقتراب منه، وماكان اقتضى تعرض عملية التشكل التاريخي الرافدينية الثالثة الراهنة لحقبة مختلفة عن مثيلاتها وماسبقها، فرض عليها ان تمر بها، وان تواجه وللمره الأولى، وطاة عامل براني خارجي قاهر، محمل بألاسباب الموحية بإمكانية إزالة و محوفعل الاليات التاريخية الازدواجية التحولية الامبراطورية، الراسخة والتاريخية.
وكان من اهم مميزات الطاريء المستجد، توفره على أسباب ومقومات الفبركة الكيانية، وطاقة إحلال نموذج يتم اقحامه واحلاله مكان الممكن والمضمر الطبيعي المكنون في البنية، او البنى التاريخية المجتمعية والكيانية، وبقطع سيرورتها، واليات تشكلها تحت اشتراطات لحظة من المتغير التاريخي على مستوى المعمورة، تبرر بقوة، الوحدانية النموذجية، والنمط المجتمعي بقاعدته وبؤرته الغرب الأوربي وحداثته، وثورته الالية ومايتصل بها ويواكبها وينشا عنها من منجزات ضخمه، غير عادية، تشمل مناحي الحياة كافة، مايكون كافيا لتعزيز وتوطد فكرة الاتباعن والرغبة في التماهي، بما هي من طبيعة في الكائن البشري، ومن اهم خواص بنيته العقلية، وإذ تضاف هذه الناحية الى نوع المتغيرات التي تنشا عن ظاهرة الغرب الحداثية، وما يتولد عنها من انقلاب على صعيد البنى المجتمعية، والادوار ومصادر الفعالية ونوعها، وبالذات في مجال الثنائية الطبقية في مجتمع الانشطارية الطبقية الاوربية النموذجي، فان حالة من الاختلال التوهمي، ولحظة غلبة تصورية غير قابله للاستيعاب بحسب ماتنطوي عليه، تصبح شائعه، وتغلب على المقاربات العقلية في المركز الحداثي وخارجه. بما يكرس قانون الفبركة، ويجعل منه ممارسة مبررة، ان لم تكن مطلوبة باعتبارها مقصدا وغاية عليا.
يواكب مثل هذه الظروف على المستوى العالمي، تداخل النزوع للفبركة وفرض النموذج، بنوع من القصور المفهومي يعم العالم والغرب الأوربي منه بالمقدمة، أساسه الاعتقاد بتطابق الحالة الغربية مع القانون التصيري التاريخي كما هي ظاهرة، او جار ادراكها آنيا، وبالذات وخصوصا ابان الطور الانتقالي المصنعي من عمرالحداثة والغرب الالي، مع ماازدحم به من متغيرات غير قابلة للاستيعاب الاني، وكانت تبرر على الأقل خلال مايقارب القرنين من الزمن، اسقاط الموروث المجتمعي والطبقي والياته، على حالة تتضمن نفيه وانتهاء مفعوله، ففي حين كان الغرب وقتها ومع الانتقال للالية والثورة البرجوازية قد شارف وصار مقبلاعلى الخروج من انشطاريته الطبقية، واصلا من التناغمية البشرية الطبيعية انتاجيا، وبدء توقف وانتهاء عمل المؤسسات والعناصر الفاعلة الطبقية والاحادية التاريخي،ة لصالح مايتعداها ومابعدها من عملية وطور انتقال تحولي، تكرست بقوة اشكال من التصورات والمفاهيم والرؤى التي تريد اسباغ المنظور الأحادي الايل للزوال، على مايضاده، وحدث أصلا وفي مجرى الحقيقة والاليات التصيرية التاريخية كعتبة مفضية الى زواله.
ونحن هنا نعلم تماما باننا امام فرضية انقلابية تصورية قد لايكون من المتاح اليوم قبول مقاربتها، او التعامل معها كافتراض قابل للاعتبار، فمفهوم او تصور الحداثة الغربية السائرة الى مابعد غرب طبقي او مجتمعي ماتزال خارج الادراك العقلي، وخاضعة لقانون التفارق العقلي المجتمعي الأصلي، حيث تعذر الإحاطة التاريخية العقلية التقليدية بمنطوى الظاهرة المجتمعية واغراضها، وتلك معضلة ماتزال خارج التداول، وبعيدة حتى عن مجرد قبول مناقشتها، قبل الاعتراف بها، وليس بالإمكان باية حال مثلا، مقابلة فكرة الصراع الطبقي واحتدامه، والراسمالية وحضورها، وطلب مابعدها، او تصور مثل هذا الاحتمال، خارج مفهوم الصراع الطبقي كنمط صراعية منته، يعود الى زمن سابق، ومقتصر على ماقبل الانقلاب الالي، أي انه نمط من الانشطارية المقرونه بالانتاجوية التناغمية بين الكائن البشري والطبيعة، والبيئة العامل فيها، او عليها وفي كنفها، وانه كنوع من المجتمعية، لايعود قائما حين تصبح العملية الإنتاجية قابلة لان، او من الممكن ان تستقل، وان تفصل بين الكائن البشري وبينها، لتصبح ساعية باطراد الى اكتساب الياتها الذاتية المستقلة،. مايقلب كليا أسس العلاقات المجتمعية ونوعها، ويحل مكانها آليات أخرى جوهرها تحولي بظل بداية مجتمعية أخرى، مابعد مجتمعية لايحكمها قانون (التجمع/ انتاج الغذاء) بل الوجود لاجل صناعة " الانسان" المتحرر من الحاجات، بمعنى اسقاط ضرورة العملية الإنتاجية وسعيها الاستقلالي بحالته الالية الراسمالية.
ثمة عالم او قوة ناشئة منبثقة عن اليات الانقلاب الالي، مرافقه له، ومن منتجاته العضوية تتطلبها أسباب كينونة منتجية أساسية ضمن المجتمع الالي، واشكال التوسع ومناحي انبثاقيات الحياة ووسائلها المستحدثة، وتعاظم السكانية، واشكال التوضع والانتقال والاتصالات، والتجمع البشري المستجد، تولد قوة أساسية جديدة ثالثة، سواء في الكيانات الانشطارية المجتمعية، او الطبقية، ليست خاضعه لحكم أي من الطبقتين، الراسمالية او العمالية، تمتاز بالاستقلالية الموضوعية والإنتاجية، وتجد مايبرر تحققها الكياني في طبيعة الثورة البرجوازية، والدولة الليبرالية، والحقوق المدنية الفردية غير القابلة للمصادرة، المرافقه لتبلورها، مايجعل القوة الثالثة التحولية، بموقع الفعالية والحضور غير العادي، حيث لاتعود الأفكار والفلسفة مجرد ممارسة افرادية نخبوية شبه منقطعه، بقدر ماهي طاقة تغييرية غير عادية، ولازمة لزوما أساسيا لكلي طرفي الصراع البروليتاري والراسمالي، لاغنى لهما عنها، في وقت تقع القوة المنوه عنها تحت طائلة القصور المؤقت والانتقالي عن التعبير عن ذاتها، واحتياز دورها الذي وجدت لكي تؤدية ضمن العملية المجتمعية التحولية،
وقبل ان تصل القوة التغييرية المستجده الى وعي حقيقتها كقوة تحولية مستقلة، تقع داخل ثنائية ( ماركس/ هيجل)، أي نفي الذاتيه المتعدية للطبقتين لصالح ماورائهما، الامر الذي يستمر طاغيا خلال مابقرب من قرنين من الزمن، ويتعمم على العالم من ضمن تعميم النموذج الليبرالي المستجد الأوربي وبين طياته، وهو ماينعكس وقتها كشكل من الفبركة من الأسفل، تكمل صورة وصيغة الفبركة من اعلى من حيث تنفيها، بنقس الايقاعية الجارية والحالة على المنشأ، او البؤرة الاوربية.
لم يكن العراق في مثل هذا الوضع ليعزل عن وطاة الفبركة التي تجلت هنا كضرورة ملحة في موضع هو موضع التحولية والانشطار الأعلى المجتمعي الازدواجي الامبراطوري، ومع وطاة والحاح حضور النموذج الأوربي المتغلب على مستوى المعمورة، فذهب تجليات الفبركة لتتخذ هنا صفة الضرورة والالحاح الذاتي، النافي في العمق للطاريء المستجد، كما وجد كضروره ونوع من التحدي غير العادي لنموذجية الغرب، ونمط كيانيته ودولته، التي جاءت لتكره المجتمع العراقي المتشكل حديثا، وقبل تشكل الغرب زمنيا، على إيقاف والتخلي عن اليات تشكله الانشطاري المجتمعي الازدواجي الامبراطوري، وحرفها لصالح نمط مجتمعية متجاوزة عراقيا، ليس اليوم، بل منذ وجدت المجتمعية واصلها، وبؤرة اكتمال عناصرها البنيوية التحولية في سومر.
في العراق كما في اوربا، تظهر حالة تحولية انتقالية ممهدة مادتها القوة الثالثة، ومفضية الى الانقلاب العقلي الأعظم، من بين تضاعيف، وبعد الوقوع تحت طائلة الانتاجوية اللاتناغمية واللاطبقية المنتهية اولا، ومن ثم المرور الاجباري بها، حين يصير العالم من يومها مابعد طبقي وبعد مجتمعي.