لا عودة إلى حكم الدين القديم.. لابدَّ من كبح جماح وحش الحداثة

شهران 3 أسابيع ago

روجير كوهين  ترجمة: رحمة بوسحابة - الجزائر

في قصيدة "رحلة المجوس" التي نظمها الشاعر الأمريكي إليوت، يعود الملوك الحكماء الثلاثة إلى ديارهم بعد أن شهدوا ولادة المسيح في نهاية رحلة طويلة وصعبة، ليكتشفوا أن "هذا المكان لم يعد مريحا..تحت الحكم الديني القديم".

كان الملوك منزعجين:" لنعد إلى "أماكننا"،كانوا يشعرون أنهم في حضرة "شعب غريب يتشبَّث بآلهته". لقد تركوا ممالكهم منذ وقت ليس ببعيد، فما الذي حدث ليجعلهم يبتعدون عن كل ما كان مألوفًا يوما ما؟ كيف يمكن أن يرتابوا حول هذه العوالم التي شكَّلوها بأنفسهم؟

يُضطر الراوي- وهو أحد الملوك- إلى التكهًّن بما شاهدوه في بيت لحم أثناء الرحلة: "رأيت الولادة والموت... لكنني اعتقدت أنهما مختلفين ... هذا الميلاد كان معاناة قاسية ومريرة لنا ... كأنّه الموت ...موتنا نحن"، فميلاد المسيح هو أيضًا موت عوالمهم الوثنية، والواقع أنه ليس هناك عودة إلى "حكم الدين القديم"، بل هناك عودة بالمعنى المادي فحسب، ذلك أنه أصبح من المستحيل أن يعيشوا كما كانوا سابقا، ولم يعودوا يرون أتباعهم أمامهم،بل مجرّد غرباء مع معبوداتهم.

كنت أفكر في هذه القصيدة القصيرة باعتبار أن السؤال الأعمق الذي ربما يطرحه الوباء هو ما إذا كان هناك أي إمكانية للعودة إلى "النظام القديم"، هذه المعاناة يمكن أن تشكّل وحيا أو حتى خلاصا، أو قد تكون مجرد انقطاع مكلف. فبعد أن شهدنا ما لا يمكن تصوره، وأدخلتنا هذه الرحلة إلى عالم غير مألوف من الصمت والسكون والموت، واضطررنا إلى تغيير عادتنا التي فصلنا فيها، هل ستعود البشرية ببساطة إلى نهجها السابق أن كان ذلك ممكنا؟

إن المراهنة ضدَّ النزعة البشرية في انتكاسها إلى العادات السيئة القديمة أمرٌ سخيف، ذلك أنّ المأساة تميل إلى تعزيز التعابير المثاليّة حول الوحدة والتي أثبتت أنها سرعان ما تزول . لنتذكّر هنا أحداث 11 سبتمبر.

إن تاريخ الجشع والفساد والغباء والقسوة والعنف طويل، إذ لا يمكن استئصال هذا الجزء من الطبيعة البشرية. وكما بين القرن العشرون، فإنّه من الأفضل المراهنة على قدرة المجتمع الليبرالي على تخفيف هذه العيوب والمظالم بدلاً من الوعود الزائف لليوتوبيا باجتثاثها، فهذه الوعود تنتهي مكتوبة بالدماء.

في بودكاست مثير من هيئة الإذاعة البريطانية، يلمح الروائي البريطاني "ضياء حيدر رحمان" إلى قصيدة إليوت، ويخلص إلى أن الناس سيعودون بلا شك إلى النظام القديم إلى حد ما، "وفي ظرف قصير". وأشار أنهم سيفعلون ذلك لسبب بسيط هو أنه ليس هناك بديل في متناول اليد. ويتساءل: "ما الذي يمكن أن يكبح جماح وحش الحداثة؟ الوحش الذي جعل الشركات العالمية تهيمن على الأفراد، وتخلق- في مجتمع متقدم مثل المجتمع البريطاني- وضعًا ينخفض فيه متوسط العمر المتوقع للمسنين، وترتفع فيه معدلات الوفيات بين الرضع. وهو نفس الوحش – المشحون بغاز التوربين عبر التكنولوجيا-، الذي أنتج في الولايات المتحدة تفاوتًا سريعًا في النمو، وقلل من نسبة الانتقال الطبقي، ورفع نسبعدم الاستقرار في أماكن العمل والتفككات الاجتماعية على نحو واسع. لقد كان للفيروس التاجي -الذي يهاجم الأكثر ضعفا في المقام الأول- يوم مشهود في أمريكا هذه، بمجرد وعد دونالد ترامب "بجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" . لقد اتضح أن"المذبحة الأمريكية" لم تكن الوصف الذي قدّمه دونالد ترامب في اليوم الافتتاحي للماضي القريب للبلاد، بل كان توقعه للبلاد تحت حكمه.

بالطبع،أنقذت العولمة أيضا مئات الملايين من الناس من الفقر، وفتحت إمكانيات لا تعد ولا تحصى للتقدم البشري. لكن مع ذلك فإنّ دورات التاريخ تأخذ مجراها. فبحلول عام 2008، كان من الواضح أن النظام الاقتصادي العالمي اختلّ على نحو خطير. وقد تم إنقاذه حينها، لكنّه لازال يترنح إلى الآن، مصحوبا بغضب متزايد في المجتمعات الغربية. وكان صعود الأوتوقراطيين انعكاساً مباشراً لقدرتهم على استغلال هذا الإحباط الشعبي مع قوى عالمية مجهولة اخرى.

إنّ هذا الفايروس كشاف يجعل كل شيئ باديا للعيان، لقد آن الأوان لتتوقّف البشاعة -وكل ما كان يجب أن يتمّ كشفه على هذا النحو- ولنلاحظ كيف يتحوّل العالم بسرعة نحو الاخضرار، وكيف تنبعث الحياة الجديدة عندما صمتت القطارات والطائرات والسيارات، لقد أصبح ما كان يفعله "النظام القديم" المسعور بالسلامة البيئية الهشَّة للكوكب على مرأى الجميع.

أتفق مع رحمان بأن التغيير سيكون صعبًا، وقد كان كذلك دائما، غير أن الكثير من الناس في هذا العالم الهادئ، اختبروا بعض المعجزات المتحولة، مثل تلك التي جلبها الرضيع إلى المجوس في اسطبل على سرير من القش، لقد استمعوا إلى نصيحة الشاعر ريلكيه في السطر الأخير من قصيدته "الجسد القديم لأبولو": "يجب أن تغير حياتك" You must change your life

وقد تكون "إعادة التوازن" كلمة مفيدة في هذا المقام ذلك أنّ محاولات التجديد الشاملة مثل تلك اليوتوبيات تجنح نحو نهايات سيئة، فلنتحوّل من العالمية إلى المحلية، ومن الخارج إلى الداخل، ومن العدوان إلى الرحمة، ومن الغريب إلى الضيف، ومن الهيجان إلى السكون، ومن الكربون إلى الإخضرار..

كانت حياتي خالية من الاحداث الهامة في الأسابيع الماضية. لكنها كانت أكثر ثراء أيضا. لقد كنت أفكر في الأطفال والفيروس، هذا الشيء غير المرئي الذي قلب حياتهم، وأغلق المدارس وساحات اللعب، وأنهى فترات الألعاب play dates، وقدمهم إلى شركة زوم Zoom الأمريكيّة لخدمات التحادث عبر الفيديو، وكيف يرسمون مسبب المرض الأحمر القبيح، ذو الرأس المشوك، والأطراف النحيلة الطويلة، والفم المقلوب، وكيف ينصحون حيواناتهم المكسوة بالفرو بأنها لا تستطيع مغادرة بيت الدمى اليوم "بسبب الفيروس". وكيف سينسبون الغاء نشاطاتهم ل"لفيروس"، وكيف يضعون كمامات على الدمى القطنية بسبب الفيروس، وكيف يرغبون بأن نروي لهم القصص الخيالية لتلهيهم عن الفايروس...

لأجلهم، ولأجل هذا الكوكب الضعيف، ولأجل أكثر من 33 مليون أمريكي عاطل جديد عن العمل، يجدر بنا أن نحاول ضمان أن هذا "النظام القديم" ينتج عنه شيء جديد، شيء أكثر توازناً، يُولد من وحي غريب...

....................

* نيويورك تايمز ماي 2020

https://www.nytimes.com/2020/05/08/opinion/coronavirus-us.html