ج3/ مهاتير يستدعي المتقاعد نور يعقوب ليهزم المضارب سوروس وينقذ اقتصاد ماليزيا

سوروس ممازحا أوباما
شهران أسبوعين ago

علاء اللامي

نستكمل في هذا الجزء قراءتنا في مقالة بعنوان (المواجهة بين مهاتير محمد والمستثمر الذي كاد أن يقضي على الاقتصاد الماليزي):

 جورج سوروس" هو ملياردير أمريكي يهودي مضارب، تمكن في عام 1992 من كسر "بنك إنكلترا" وإجباره على فكِّ ربط الإسترليني بالمارك الألماني وربح سوروس في هذه العملية أكثر من مليار دولار. وكان حاضراً، حيث بدأ في فبراير/شباط 1997 أي قبل ما يقرب من 5 أشهر من اندلاع الأزمة المالية في دول آسيا بالهجوم على البات التايلاندي والرينجيت الماليزي والبيزو الفلبيني والروبية الإندونيسية.

تركز الهجوم في البداية على البات التايلاندي ولكن سرعان ما انتقل إلى عملات كل من الفلبين وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وهونج كونج وماليزيا. وتم هندسة ذلك الهجوم بشكل جيد لدرجة أن السرعة والحدة التي هبطت بها عملات تلك الدول أذهلت الكثير من المراقبين.

*خلال الأشهر الثلاثة الممتدة بين يوليو/تموز وأكتوبر/تشرين الأول من عام 1997، خسر البات التايلاندي 40% من قيمته، بينما تراجعت الروبية الإندونيسية بنسبة 40%، في حين تراجع كل من البيزو الفلبيني والرينجيت الماليزي بنسبة 27%. أما الوون الكوري الجنوبي فقد خسر 35% من قيمته تقريباً.

*قام "سوروس" من خلال صندوقه "كوانتم فاند" بالمراهنة ضد البات التايلاندي بحوالي مليار دولار، وذلك من خلال بيع العملة التايلاندية المربوطة بالدولار الأمريكي في ذلك الوقت على المكشوف، مراهناً عن أن البنك المركزي سيضطر في النهاية إلى تعويم البات لتلامس قيمته الأرض.

*لمقاومة هجمات المضاربين الرامية إلى خفض قيمة العملة قام المركزي التايلاندي بإنفاق جزء كبير من حيازاته الدولارية على شراء البات في سوق الصرف الأجنبي، كما قام برفع أسعار الفائدة وحظر تداول الأجانب على البات خلال الأشهر القليلة الأولى.

*انخفضت احتياطيات البنك من 37.2 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 1996 إلى 30.9 مليار دولار في يونيو/حزيران 1997، كان من ضمنها 23.4 مليار دولار تخص التزامات قصيرة الأجل. كما ارتفعت الديون الخارجية للبلاد إلى 100 مليار دولار.

*تمكنت هذه الإجراءات فعلاً من دعم البات، وهو ما كبد "سوروس" وغيره من المضاربين خسائر معتبرة، إلا أن هذا الدعم سرعان ما انهار، حيث عاد المضاربون للهجوم على العملة بعد من تأكدوا من أن المركزي التايلاندي استنفد كل قوته ولم يعد يمتلك أي شيء يمكن من خلاله الدفاع به عن العملة.

*بحلول أغسطس/آب 1997، استنفد المركزي التايلاندي كل الأموال والأدوات التي يمكنه من خلالها صد ضربات المضاربين، ليضطر البنك في النهاية إلى تعويم البات.

*كيف واجهت ماليزيا هذه الأزمة: نور محمد يعقوب، هذا هو اسم الرجل الذي صمم بدقة مجموعة من السياسات غير التقليدية التي انتهجتها ماليزيا لإدارة الأزمة ومواجهة هجوم المضاربين بالعملات بقيادة سوروس. كان يعقوب يشغل منصب مدير مكتب تداول العملات الأجنبية في البنك المركزي الماليزي. وتمت إقالته بعد تسببه في خسارة البنك الأموال الكثيرة عندما راهن على أن بنك إنجلترا لن يسمح بتعويم الإسترليني خلال الأزمة التي تعرض لها في أغسطس/آب 1992، على خلفية هجوم شنه مجموعة من المضاربين بقيادة سوروس. فما هي تفاصيل خطة نور يعقوب الذي استدعاه مهاتير محمد وعهد إليه بمهمة مقاومة هجوم المضارب سوروس وكيف نجحت في حماية الاقتصاد الماليزي من تعويم العملة والإفلاس ودون ان تلجأ هذه الدولة إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي أو غيره كما فعلت الدول الأخرى؟

مع بداية الأزمة المالية التي يقف وراءها المضاربون بقيادة الملياردير الأميركي سوروس، قام مهاتير محمد باستدعاء نور يعقوب من التقاعد، واجتمع معه في مكتبه، وطلب منه أن يشرح له الأزمة. أعجب مهاتير بالشرح والتفسير الواضح للأزمة من جانب يعقوب، وطلب منه أن يبدأ على الفور في العمل على تصميم حل للأزمة. يشير الكثير من الخبراء إلى أن السياسات المالية التي صممها "يعقوب" كانت غير عادية من حيث درجة الدقة ومستوى التعقيد، وبموجبها:

*أخضعت السلطات الماليزية كل بند من بنود ميزان المدفوعات لتحليل وفحص دقيقين، من أجل التوصل إلى أفضل الطرق لمنع التدفقات النقدية قصيرة الأجل من الخروج والقضاء على أنشطة المضاربة على "الرينجيت" العملة الماليزية.

*وبعملية أشبه بالعمليات الجراحية الدقيقة تمكنت ماليزيا من توجيه الضوابط الصارمة المفروضة على التدفقات النقدية ناحية رؤوس الأموال قصيرة الأجل، دون أن تمس رؤوس الأموال طويلة الأجل أو الاستثمار الأجنبي المباشر التي كان الاقتصاد يعتمد عليها. كانت السياسة غير التقليدية وربما الأكثر شذوذاً هي تلك التي فرضتها ماليزيا على التدفقات النقدية الخارجة.

*حيث طلبت ماليزيا من غير المقيمين الانتظار لمدة عام كامل قبل أن يقوموا بتحويل أرباحهم في سوق الأسهم الماليزي. أي أن الأجانب الذين باعوا حيازاتهم في سوق الأسهم الماليزي لم يتمكنوا من الحصول على أموالهم قبل عام.

في فبراير/شباط 1999، استبدل المركزي الماليزي هذا النظام من خلال مقياس الضرائب المتصاعدة على مكاسب رأس المال الخارجة، والتي تراوحت قيمتها من 10 إلى 30%.

*أما السياسة الأكثر دهاءً فقد كانت تلك الخاصة بالقضاء على سوق تداول الرينجيت بالخارج، والذي كان ينظر إليه على أنه مصدر لأموال المضاربة والسبب في الضغوط على أسعار الفائدة المحلية. لبلوغ تلك الغاية، طلبت الحكومة الماليزية إعادة جميع الرينجيت المتداول في الخارج إلى الوطن في غضون شهر واحد، وأكدت على أنه بعد انقضاء ذلك الشهر سيتم اعتبار الموجود من الرينجيت في ماليزيا دون غيرها كعملة قانونية، أي أن تلك الأموال التي ستبقى خارج ماليزيا ستصبح بلا قيمة.

*تم منع الماليزيين أنفسهم من الاستثمار في الخارج دون الحصول على موافقة مسبقة من البنك المركزي، كما تم حظر إقراض الأجانب من جانب الماليزيين. وبتلك الإجراءات البسيطة، نجحت ماليزيا في القضاء على السوق الخارجي للرينجيت.

عن هذه السياسة يقول نور يعقوب: من الأسهل علينا منع من لديه رينجيت من إقراض المضاربين، وليس منع المضاربين من الاقتراض.

من بين التدابير التي اتخذتها ماليزيا أيضاً في سعيها لمحاصرة أنشطة المضاربة التي يقودها "سوروس" قيامها بتثبيت سعر الصرف عند 3.8 رينجيت لكل دولار أمريكي، وقامت بإغلاق "السجلّ المركزي للطلبيات المحدّدة" (CLOB) – وهو طريقة تداول تستخدمها معظم البورصات على مستوى العالم – والذي كان ينظر إليه على أنه يمثل ثغرة يتمكن من خلالها الأجانب من إخراج عائدات مبيعات أوراقهم المالية.

مستوى التعقيد والتطور الذي اتسمت به السياسات نجح في تجنيب ماليزيا - التي رفضت اللجوء كجيرانها إلى صندوق النقد الدولي - الأسوأ. ومع الوقت تحسنت قيمة الرينجيت الذي نجا من فخ التعويم، وهو ما انعكس على الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، والذي نما بنسبة 5.8 في عام 1999 وبنسبة 8.5% في عام 2000، عقب انكماشه بنسبة 7.4% في عام 1998.

*في التاسع والعشرين من سبتمبر/أيلول، أي بعد أيام قليلة من عودته من هونج كونج، أجرت صحيفة "فورتشن" الأمريكية مقابلة مع "مهاتير محمد" حول اتهاماته لسوروس، وجهت إليه المجلة خلالها الأسئلة التالية:

فورتشن: هناك تصريحات معادية للسامية في التقارير التي تنشرها الصحف الماليزية عن السيد "سوروس". ما الذي تنوي فعله حيال ذلك؟

مهاتير: لا، لسنا معادين للسامية، لأن العرب - كما تعرفون - هم أيضاً من الشعوب السامية. لطالما عاملنا اليهود الأمريكيين دون أي تمييز على الإطلاق. ولكن عندما يقوم شخص يهودي بمثل ما قام به سوروس فإن التأثير هو ذاته عندما يقوم شخص مسلم بعمل إرهابي. على الفور يتم ربط المسلمين بالإرهاب، رغم أن عامة المسلمين لا يتصرفون كإرهابيين.

فورتشن: هل أنت قلق من أن نزاعك مع السيد سوروس سوف يتسبب في إحجام المستثمرين الأجانب عن المجيء إلى ماليزيا؟

مهاتير: ليس لدينا خيار آخر. لقد كبد سوروس ومن معه اقتصادنا مليارات الدولارات من الخسائر، وإذا كنا سنجلس مكاننا لا نفعل شيئاً خوفاً من أن يولي المستثمرون الأجانب وجوههم عنا، فسوف ندفع الثمن غالياً لاحقاً.

فورتشن: إذا كان السيد سوروس موجوداً هنا أمامك، ماذا ستقول له؟

مهاتير: سأقول له اذهب إلى مكان آخر.

*الصورة للملياردير سوروس يمازح الرئيس الأميركي السابق أوباما في نزهة بحرية، من تقرير حول تآمر الاثنين لدعم الانقلاب اليمني الفاشي في أوكرانيا ضد نظام الرئيس الأوكراني المنتخب وحليف روسيا فكتور يانوكوفيتش.