نظرية الثورة لينينيا وتحوليا عراقيا؟

شهران أسبوعين ago

عبدالاميرالركابي
تنتمي نظرية لينين في الثورة وبالأخص منها الاستخلاص الذي يمازج بين الثورة والنظرية الثورية، لعالم اخر، عالم انقضى اليوم ولم يعد قائما ولا ممكنا، كانت اللينينيه من نتاجاته المميزة البارزة كذروة لم يسبق ان حدثت تجسيدات على هذا الصغيد من نوعها وبوضوحها، والمقصود بالطبع نهوض الغرب الحداثي وثورته البرجوازية المصنعية، وماانطوى عليه من احتمالية انقلاب "طبقي" هو بالأحرى نتاج منظور "طبقوي" راهن أسهمت اشتراطات اللحظه في تكريسه على المستوى التنظيري، مع تعاظم احتمالية تعاقبية بدت اقرب للتحقق المنطقي الاني، في وقت لم تكن الانقلابيه البرجوازية الراسمالية قد بدت في حينه احادية ومغلقه على ذاتها، ولا معززة باحتمالية عدم الانتقال الى المرحلة التي تعقبها افتراضا، ماكان يقتضي الوقوع على الجاتب المستجد من كينونتها كما يتمثل في الخلخلة الطارئة على عمل قانون التعاقب الطبقي، بسبب توفر أسباب استقلالية المنتجية الراسمالية عن الاشتراطات المجتمعية الطبيعية المفترضة، والتي ظلت من قبل ولحين حدوث الثورة الاليه، قائمة ومحكومة لعوامل الصراعية الطبقية وديناميات العملية التاريخيه والعلاقة بين قوى الإنتاج ووسائل الانتاج.
وفي حين كانت الانقلابيه البرجوازية الراسمالية تحل باعتبارها محطة يمكن ان يتوقف عندها الصراع الطبقي انطلاقا من التغير الطاريء على الياته، وجدت اراء تقول بان نهاية الطبقات والتمايز الطبقي منوط باستمرار صراع الطبقات وتصاعد وتائره، الامر الذي تعزز في حينه تحت وطاة الطور المصنعي من الراسمالية، وماكان رافقه من احتدام مجتمعي انتاجوي/ طبقي، الامر الذي زين لماركس، وحدا به لان يقترب من ادماج مرحلتين في مرحلة تاريخية واحدة، جاعلا من الثورة البرجوازية بمثابة، او هي مرحلة من عتبتين، برجوازية واشتراكية، وهو ماقد تبدى له اوربيا حيث موطن التحول البرجوازي، معتبرا إياه الموضع الارقى والاعلى تكوينا تشريحيا، مايجعله مؤهلا اكثر من غيره للانتقال الى الاشتراكية وزوال الدولة والطبقات، وهو ماثبت بطلانه فورا، في الوقت الذي جرى الاعلان عنه، فكانت حياة ماركس بالأحرى مسيرة فشل على هذا الصعيد، برغم ماكان حققه ظاهريا على المستوى النظري الفكري، في وقت انتقلت مركزية وحضور نظريته الى خارج اوربا، لتتوطن فعالية في البلدان الأقل تطورا برجوازيا خارج منشأ الثورة البرجوازية، ولتتحول الى عامل تحقيق لماكان فات بعض البلدان الطرفية من انتقال، انتهى كمنجز برجوازي، بوسائل وأدوات بدت في حينه وابتداء، مضادة للبرجوازية والراسمالية، ومن غير طبيعتها وصنفها، ماقد عاد لاحقا وأضاف، وبصوره مدوية هذه المره، فشلا اخر الى فشل ماركس الأول ونظريته.
مثل هذا الالتباس المفهومي والعملي المكلف للغاية، هو بلا ادنى شك مظهر أساس من مظاهر الانقلاب البرجوازي الأوربي الحديث باجماله واشكال تحققه في المدى الاوسع اوربيا وفي الشرق والعالم، اسهم من دون شك في تحريك وتسريع فعل الاليات المستجده وتلك الكامنه بالفعل وراء هذا الحدث التاريخي، أي ماكان قد حفز التبدل في قوانين الصراع الطبقي لصالح استقلال الراسمال بالعملية الإنتاجية، وبدء تفاقم مسببات وعوامل انغلاق افق الانتاجيوية وصولا الى الكوارثية التدميرية الإنتاجية الراسمالية، للبيئة وشروط الحياة، وصولا لشمول حالة "العيش على حافة الفناء" للحياة على المعمورة، وحلول زمن التحول واللامجتمعية التكنولوجية، مايعني استنفاد طور الأحادية المجتمعية لدوره ومبررات وجوده، وانبثاق لحظة مابعده، مما كان غائبا ومؤجلا منذ بداية المجتمعات، وتعذر التحول المجتمعي الناجم عن الافتقار للأسباب المادية اللازمة والضرورية للانقلاب التحولي.
في زمن ماركس ولنين تحديدا، تندمج ظاهرة مايعرف ب" الثورة" ب " النظرية" على اعتبارهما وجهان لعملة واحده، مرحلتان تاريخيتان ضمن نفس المجتمعية الاحادية، الثانية من بينهما مستمدة من عوامل انحلال الأولى، ومن وعي كيفيات تسريع زوالها، مايجعل المشهد اقرب لاستخلاص "النظرية الثورية" للثورة من داخل الطور التاريخي الأسبق ضمن نفس المجتمعية وزمنها، واخراجها من بين تضاعيفه بصفتها داله عالم مابعد، الامر الذي يستوجب احضار صورة العالم اللاحق، او المتشكل المتصير داخل الراسمالية، من خلال البروليتاريا، ومنحه الاطار الذي يحتاجه لكي يصبح مكتملا كعالم، بغض النظر عن مدى تبسيطية ودوغمائية مثل هذا الفعل، الامر الذي لم يكن قابلا لجلب الانتباه في حينه.
هكذا يكون لنين ممثل الجزء الناقص، والذي يفتقر له العالم المضاد النقيض، المتشكل داخل البنية الراسمالية، وهو قوة الاكمال الضروري، بغض النظر عما قد حدث فعلا من اقحام سلطوية فئة مجتمعية اتيه من خارج العناصر الثنائية لقطبي الصراع البرجوازي البروليتاري، في حالة سعيه لاستغلال لحظة او اشتراطات التازم الصراعي الموضوعي بين طبقتين يفترض انهما تشكلان كمال بنية مجتمعية منقلبة داخل نفس الاطار والنمط المجتمعي.
الثورة التحولية التشرينيه مابين النهرينيه و "قرآنها"، لاينطبق عليها ماقد عرفته تجارب الماركسية، أوبالذات اللينينيه المتميزه، والأكثر تجسدا ملموسا منها، فما نتحدث عنه هو ظاهرة وفعل انتقال مابين عالمين وطورين: مجتمعي احادي متماثل، ولا مجتمعي تحولي، أي انهما ليسا من العالم نفسه، ولاالتباساته كما كان الحال مع الماركسية او ماقبلها من ظواهر حديثة، او سابقة، مايعني اننا اليوم امام وبصدد حالة إعادة بناء للحياة والعالم، مشابهة، ومن نفس جنس تلك التي عرفتها سومر يوم اضطلعت بارساء أسس المجتمعية، قبل ان تضطر لادخار سرها الأعظم، بانتظار "حلول الساعة" المنتظرة، التي اخذت تدق مؤخرا داخل تضاعيف الوجود والكون.
والثورة التحوليه ليست بنت اليوم، ولها تاريخ ينقسم الى جزئين، اول، هو التحقق ابان زمن الأحادية المجتمعية، وطغيانها، كما الحال مع ثورة كوراجينا وظهور كلمة ( حرية/ امارجي) للمرة الاولى في التاريخ في لوح مكتوب، مع كل مايتصل ب وماهو معتبر اليوم من قبيل "حقوق الانسان" والانتصار للضعفاء والمظلومين على وجه الأرض، وكما ثورة إبراهيم الناجي من النار و "الوعد خارج ارضه"، وغيرهما من تمخضات دالة على التحولية في غير زمنها واوان تحققها، ومنها في الطور الثاني الرافديني، ثورة القرامطة، والاسماعيلية، والانتظارية المهدوية الشيعية، التي تختم دورة من التاريخ، وتحيلها الى البعيد القادم، و منها أيضا الحلاجية، وتكرار نموذج الانسان الاله المسيحي السومري الاصل، ومنها اخوان الصفا والمعتزلة، وهي تكرار وطبعة ثانية من الابراهيمية الكوراجينية، حيث لم تكن اشتراطات التحول ممكنه، وحيث الانتقال الى اللامجتمعية مايزال بانتظار تحقق الاشتراطات المادية، عبر وفي غمرة التصيرية الفاعليه التاريخية.
يبدا الجزء الثاني من تاريخ اللاثورة التحولية، مع الدورة التشكلية التاريخية الثالثة من القرن السادس عشر بغد فترة الانقطاع الثاني التي استمرت من سقوط بغداد 1258، الى انبثاق الحاضر مجددا في ارض سومر الجديده في "المنتفك"، وفي هذا الفصل تواقت حضور الثورة التحولية مع اقتراب العالم من زمن انتهاء مفعول واستمرارية، او بقاء الأحادية المجتمعية، واعلى واكثر اشكالها دينامية، الانشطاري الطبقي الأوربي، وغلبته الأولى ابان صعوده الالي البرجوازي المصنعي، ووقتها تكون للتحولية وثبه دالة عليها في 31 حزيران 1920، و وثبة أخرى من نوعها جوهرا، مع اختلاف في التفاصيل والتراكمات في 14 تموز 1958 وهما محطتا حافة، حين تشتعلان يكون صوت التحقق النهائي على وشك ان يصبح مسموعا.
مع ذلك تعجز اللاثورتان عن ان تفصحا عن ذاتهما، او تتخلصان من وطاة الباقي من زمن الأحادية بصيغتها الغربية وفبركتها، فيعود ليحضر شكل اقسى من اشكال اللاثورة خارج زمن تحققها، دالته الأبرز غياب القدرة على الإفصاح عن الذات، والاستقلال عن وطاة مايسعى لالحاقها بعالمه وزمنه الأحادي، ماركسيا وقوميا وليبراليا( تحت يافطة ثورات التحرر الوطني/ البرجوازي على النمط الغربي). كما وبالاساس، عن طريق الدولة المركبه من خارج النصاب المجتمعي، ومن دون اتفاق لابل بمخالفة مقتضيات نضج التشكل الوطني التاريخي.
اللاثورة الرافدينية هي انقلاب بين زمنين ونمطين مجتمعيين، لها زمن انتقال بينهما، يبدا كما هو حاصل الان بالانفجار العفوي الخارج من قلب الحدثية التاريخية الكونية الراهنة، من المفهوم ان يظل مجللا بوطاة وبقايا عباءة المجتمعية الايله للانتهاء والزوال، في حين يبدا القران طورا اول، هو طور الإشارة والدلالة، وقتها لايكون بالإمكان وضع رؤى قرآنية كامله جاهزة بين يدي الباحثين في الساحات عن وطن، راوه دائما ومنذ ولدوا بعين غير عينه، بمعنى ان النظرية في اللاثورة التحولية، ملزمة بان تدل اللاثوره بالاضاءة لها على الطريق الضائع، وتكون وقتها ابتدائية، تتحاشى الصدمه، ولا تذهب لحد ادعاء الكمال، ولا الاتصال بالوحي، فبعد طول زمن الأحادية وتراكماته، لايجوز، ولايمكن تخيل احتمال القفزة، او الانقلاب بين ليلة وضحاها، خصوصا في الفكر، بين عالمين وزمنين من كينونتين وبنيتين ومآلين متباينين الى اقصى قدر يمكن تخيله.
انفجار عفوي وصعود الى السماء، يواكبه صوت دلاله يترسم العثرات والانكفاءات والتراجعات المتوقعه، ويبين مصادرها الخافية، ومايقغ خلفها فعلا لاتوهما، بامل الوصول للحظة الوقوف امام المفترق، وبمواجهة ملحاحية السؤال: "الى اين؟ وكيف؟" عندها، وبعد التمهيد والتعثرات الانتقالية، لابد ان يحضر ماهو لازم لاجل العبور الى العالم المتشكل"بين المايين"، حيث تنتظر وقتها لاثورة أخرى، يتكامل فيها العفوي الكوني، بالرؤية الذاتيه المؤجلة المنبثقة في وقتها المقرر، والتي ان اوانها بعد مامرت به وعرفته على مر عشرات القرون.
منظور لنين منظور عالم واحد، وطور مجتمعي واحد بعتبتين، ومنظور التحولية العراقي، منظور انقلابية بين مجتمعين، بين صيغتين وشكلين مجتمعيين، اخرهما ينفي أولهما، وينهي مبررات وجوده ،وهو مابدات ارض مابين النهرين تشهده اطلالته العظمى منذ 1 تشرين 2019.