مع الحكيم جورج حبش في مذكراته..ماذا قال عن مستقبل اليهود في فلسطين؟

مذكرات حبش
3 أشهر أسبوعين ago

علاء اللامي

يعتبر اللبراليون المتأوربون واليساريون الانتهازيون مقولة أو فكرة "زوال إسرائيل أو تفككها" وقيام دولة فلسطين الديموقراطية الواحدة كفر سياسي وتطرف أيديولوجي "قومجي" ينبغي تحريمه ومنع الحديث فيه، في حين يزداد، يوما بعد آخر، عدد الكتاب والباحثين "الإسرائيليين" الذين يناقشون هذه المقولة / الفكرة ويكتبون عنها كاحتمال ممكن وقائم، دونما خشية من هذه الاتهامات المبتذلة، ومن هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر:
1-المؤرخ الصهيوني المتطرف بيني موريس الذي (يعتقد بزوال إسرائيل وباستحالة وجودها كدولة "يهودية نقية")، وقد صرح في مقابلة أجرتها صحيفة هآرتس في 9/1/2004 بأن بن غوريون ارتكب خطأ استراتيجياً كبيراً بعدم إتمام مهمة الترانسفير - تهجير العرب الفلسطينيين كلهم- في عام 1948، وكتب في بداية العام الماضي (أن إسرائيل مكان ستغرب شمسه، وسيشهد انحلالا أو غوصا بالوحل، ويتحول اليهود فيها إلى أقلية ملاحقة وسيهرب من يستطيع إلى الولايات المتحدة)، وجاءت أقوال موريس هذه في حديث واسع مع ملحق صحيفة "هآرتس" بمناسبة صدور دراسة تاريخية جديدة له عن الفترة العثمانية.
2-أبراهام بورغ السياسي المخضرم والرئيس السابق للكنيست "البرلمان الإسرائيلي" الذي كتب (أن إسرائيل غيتو "مَعْزَل" صهيوني يحمل بذور زواله في ذاته).
3-شكك العالم الصهيوني الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، "إسرائيل أومان" باستمرار وجود هذه الدولة في مناسبات عديدة.
4-كتب ناحوم برنياع عدة مقالات في صحيفة يديعوت أحرونوت أكد فيها أن وجود "إسرائيل" أصبح مثيرا للجدل.
5-أما الكاتب إبراهام تيروش فقد تساءل صراحة في معاريف (هل أوشكت "دولة اليهود" أن تكون مشهداً عابراً في تاريخ المنطقة؟).
6-وليس أخيرا، فالكاتب الصهيوني المعروف "ب. ميخائيل" فكتب في يديعوت إن "نهاية دولة إسرائيل تلوح في الأفق"!
إن مقولة - فكرة زوال أو تفكك إسرائيل نتيجة تصاعد كفاح الشعب الفلسطيني أو بسبب عوامل داخلية تؤدي إلى انهيار مؤسسها وممولها وحليفها الغربي الإمبريالي لا علاقة لها بالمقولة الكاذبة المنسوبة لعبد الناصر والقائلة بـ "إلقاء اليهود في البحر" ومشتقاتها، وكان اخي وزميلي الكاتب نصير المهدي قد دحضها وبين زيفها في نص له قبل فترة. فما العلاقة بين المقولتين- الفكرتين؟
إن احتمال زوال أو تفكك إسرائيل يقترن ضرورة وسياقا ومآلا بقيام دولة فلسطين الديموقراطية لجميع سكانها - وهذا الحل أو الشعار ليس جديدا بل هو بعمر الصراع العربي الصهيوني - وبما يضمن ويتيح حلِّ ومعالجة الإفرازات والتداعيات والكوارث التي ترتبت على قيام هذه الدولة الأيديولوجية العنصرية المفتعلة وفي مقدمة ذلك عودة المهجرين والمقتلعين الفلسطينيين الى وطنهم، واجتراح حل معقول لحقيقة وجود الملايين من يهود الصابرا أي المستوطنين الذين ولدوا في فلسطين المحتلة بعد 1948.
بمعنى، أن حق الفلسطينيين في استعادة أرض وطنهم لا ينبغي أن يتجاهل حقيقة وجود خمسة ملايين مستوطن يهودي. اللافت أن من أشار وكتب عن هذه الرؤية، وخرج منها بتبني شعار "الدولة الفلسطينية الديموقراطية العلمانية الواحدة"، لم يكن من اليمين السياسي الفلسطيني، بل هو القائد الفلسطيني اليساري وحكيم الثورة الفلسطينية الراحل جورج حبش والذي ينظر إليه أعداء الشعب الفلسطيني بوصفه القائد "الأكثر تطرفا" وما هو كذلك. لنقرأ ما كتبه الحكيم في مذكراته على الصفحة 236 (حين أفكر بالموضوع الفلسطيني، أشعر أن من حق الفلسطينيين استعادة الأرض الفلسطينية حتى آخر شبر فيها لأنهم أصحاب الأرض. وفي الوقت نفسه لا يستطيع أي عاقل أن يتجاهل حقيقة وجود خمسة ملايين يهودي يعتبرون أنفسهم في دولة اسمها "إسرائيل"، وأن الدولة هي من حقهم. فهل نستطيع أن نفكر في حل يكفل لنا حقنا التاريخي على أرضنا؟ هناك معضلة كبيرة تواجهنا من هذا النوع، فهذه دولة قامت على أنقاض الشعب الفلسطيني. وبعد تفكير طويل، وصلت إلى قناعة عميقة بأن الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية هي الحل الوحيد/ ص236- صفحات من مسيرتي النضالية – مذكرات جورج حبش).
إن تطرقي لهذا الموضوع، في هذا المنشور القصير، يهدف بالدرجة الأولى إلى لفت الانتباه الى جوهره المهم ولكنْ المهمل، والدعوة إلى مناقشته بعيدا عن تحريمات اليمين السياسي التفريطي المساوم واليسار الانتهازي المشوه معاً، ولنا فيما قاله حكيم الثورة الفلسطينية قبس على الطريق، وستكون لنا وقفة تفصيلية مستقبلا حول هذا الموضوع شديد الأهمية.