الكارثة الاقتصادية الوشيكة في العراق خلال الأشهر القادمة: الأسباب والحلول الممكنة

الخدمات في الاقتصاد الصيني
4 أسابيع يوم واحد ago

علاء اللامي

لكي نفهم أسباب الكارثة الاقتصادية الوشيكة في العراق خلال الأشهر القادمة لنطلع على هذه المعلومات! وهل تعلم أن الخدمات تشكل ثلثي النمو الاقتصادي الصيني تقريبا؟ أكتب هذا النص بلغة مبسطة جدا لأمثالي من غير المتخصصين في علم الاقتصاد، محاولا التعريف بالموضوع من وجه نظر القارئ والإعلامي ومعلوماته وثقافته العامة. الهدف من ذلك هو توضيح أسباب وماهية الكارثة المحدقة بالعراق شعبا ووطنا خلال الأشهر القادمة، والتي لن يخفف منها الارتفاع البطيء لأسعار النفط لأن المشكلة ستبقى قائمة، طالما بقي الاقتصاد العراقي ريعيا نفطيا بنسبة 95 بالمائة، عاجزا عن إطعام شعبه وتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي، ولا دور للخدمات في اقتصاده، ومدمرا زراعيا وصناعيا بقرار أميركي ينفذه عملاء الاحتلال الطائفيون الذين حملهم الى الحكم في سنة 2005 وتساهم فيه دول الجوار الإقليمية وخصوصا إيران وتركيا. وسأركز في هذا النص على الخلاصات التالية: الفرق بين تمويل العجز والإصلاح الاقتصادي. تمويل العجز في الاقتصادات الريعية النفطية. النماذج الروسي والسعودي و"اللبناني العراقي" لتمويل العجز. لماذا وصل العراق إلى هذه الحالة الكارثية. طريقان لمعالجة العجز المالي.
*هناك فرق كبير بين "تمويل العجز المالي" في موازنة دولة ما، وبين عملية "الإصلاح الاقتصادي" الشاملة. الأمران مختلفان تماما... فتمويل العجز يعني البحث عن حل لمشكلة اقتصادية طارئة تتعلق بنقص السيولة والعائدات وعدم القدرة على تمويل ميزانية الدولة من مصادرها المعتادة والإيرادات السنوية المتوقعة.
*تكون هذه المشكلة أكثر حدة في الاقتصادات الريعية النفطية خصوصا، كما هي حالة العراق اليوم، وقد تؤدي الى كارثة الإفلاس والمجاعة وحالة الدولة الفاشلة والوصاية الدولية! وقد بات من شبه المؤكد الآن، أن قوى خارجية ومحلية قررت إضعاف العراق في البداية ثم جعله عاجزا كبلد عن إطعام شعبه، في ظل غياب دولة مؤسسات حقيقية، ومع تسلط قوى وأحزاب ومليشيات الفساد والعوائل الدينية جنوبا والاقطاعية شمالا والقبلية غربا والتي تجمعت في حكم الطغمة الأقلوية "أوليغارش Oligarchy" وهي طغمة مليشياوية وتابعة لقوى أجنبية ومحمية من قبلها، تتحاصص زعاماتها الطائفية والعرقية ثروات البلاد "عائدات النفط تحديدا التي تشكل نسبة 95 بالمائة من الناتج الإجمالي المحلي" وتنهبها بموجب اتفاق أو توافق سياسي.
*يخلط البعض بين تمويل العجز المالي في موازنة الدولة وبين الإصلاح الاقتصادي الشامل فيدعون مثلا الى تمويل الميزانية عبر تنشيط الزراعة والصناعة في كلام إنشائي مكرر ولا علمي! فتنشيط أو دعم الزراعة الصناعة يدخل في عملية الإصلاح لا التمويل، وما يحل مشكلة التمويل هما طريقان فعلان وسريعان:
1- مكافحة الفساد تحت شعار "من أين لك هذا " من قبل نظام وطني ثوري يطرد الاحتلال الأميركي ويسقط أحزاب ومليشيات الفساد فينهي الهيمنة والتدخلات الإيرانية. ولكن هذا الطريق تم قطعه مؤقتا حين سفكت دماء أكثر من ستمائة متظاهر سلمي قتلوا برصاص الأجهزة الحكومية والمليشيات ومعهم أكثر من عشرين ألف جريح ومعوق ومفقود، فهو يبقى إذن طريقا محتملا وممكنا ولكنه مؤجل الآن.
2- تطوير اقتصاد الخدمات (Service economy) وضبط العائدات اللانفطية إذ أن اقتصاد الخدمات صار يشكل أكثر من نصف الناتج الاجتماعي المحلي في أغلب دول العالم، وحين نعلم أن نسبة عائدات النفط في عائدات الدولة العراقية يصل الى 95 بالمائة فهذا يعني أن قطاع الخدمات لا يقدم أكثر من 1 إلى 3 بالمائة أما العائدات اللانفطية فلا تتجاوز هذه النسبة أيضا.
*لقد تمكنت دول ريعية نفطية من كسر الحالة الريعية والخروج منها بتنمية اقتصاد الخدمات كما هي الحال في الإمارات العربية بلغت حصة الخدمات في اقتصادها 70 بالمائة والكويت والسعودية بنسبة متصاعدة، أما في إيران المحاصرة فقد تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لشعبها بنسبة 80% ووضعت ميزانية سنوية للعام الجاري صفرت فيها عائدات النفط أي لم تحتسب أي عائدات منه بعد أن نجحت في تخفيض نسبة الاعتماد على النفط في السنوات السابقة الى 30 بالمائة فقط
*في هذا السياق طرح الصديق فالح البدري (Falh Albadry)، في منشور له يوم أمس، فكرة مهمة وجديدة، ووجدت من المفيد الإضاءة عليها والتنويه بها:
*الفكرة باختصار تضع الباحث عن حل للأزمة الاقتصادية الحالية التي تعاني منها جميع اقتصاديات العالم بفعل الجائحة وتداعياتها أمام ثلاثة نماذج هي:
1-تعويم العملة المحلية، أي تحرير سعر صرفها جزئيا أو كليا من تدخل الدولة، وترك السعر يتقرر بموجب حالة سوق المال. وقد جُرِبَ هذا الحل في روسيا فهبط سعر الروبل من 32 إلى 69 روبل مقابل الدولار الواحد. ومن تداعيات ذلك انهيار القدرة الشرائية للعملة إلى أقل من النصف، وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وكل هذه المضاعفات تدفع ثمنها الطبقات محدودة الدخل والوسطى التي تمثل أكثر من ثلاثة أرباع السكان.
2-الاستقطاعات ورفع ضريبة المبيعات وهذا الحل يعني تحميل الجمهور أعباء الأزمة وقد جرب هذا الحل في السعودية ويمكن اعتباره سرقة على المكشوف أيضا من جيوب الناس لحل مشاكل الدولة والمهيمنين عليها، ولم ترشح بعد نتاج إيجابية من هذه السياسات الاقتصادية ولكن الأكيد انها خلفت ضغطا شعبيا قويا في مواجهة الدولة.
3-الاقتراض الداخلي والخارجي للتمويل وسد العجز وهذا الحل يطبق بتردد في لبنان وهو حل خطر ويصفه الصديق فالح بأنه انتحار ولا أظن انه يبالغ في الوصف فالاقتراض هو أقصر الطرق نحو الفشل والافلاس والوصاية على الدولة الفاشلة...إلخ
*خلال استعراضه لهذه الحلول، تطرق الصديق فالح الى ما يكرره المتحدثون العراقيون في الإعلام والتواصل سواء كانوا متخصصين أو غير متخصصين من كلام وشعارات حول تنشيط الزراعة والصناعة لسد العجز وخلص إلى القول إن الصناعة والزراعة يخلقان فرص عمل ويخلقان تراكم رأسمالي داخلي ولكنهما لا تمولان ميزانيات الدول، وأن ما يمولها هو قطاع الخدمات وذكر امثلة على ذلك منها: في الصين تصل نسبة مساهمة قطاع الخدمات إلى 60%. وفي الولايات المتحدة إلى 70 بالمائة! ويختم الصديق كلامه بالخلاصة التالية: بلدكم -العراق- ليس غنيا، النفط لا يجعل أي بلد غنيا.
*روابط لبعض المصادر المعتمدة للأرقام الواردة عن الخدمات في بعض الاقتصادات العالمية زودني بها الصديق فالح فله الشكر الجزيل ولكم أيضا شكرا موازيا على تفاعلكم ومساهماتكم في مناقشة هذا الموضوع المهم.
رابط1: عن قطاع الخدمات في الهند وغيرها باللغة العربية:
Image removed.https://www.bbc.com/arabic/business-51597446…
رابط 2: مساهمة الخدمات في الصين 59% باللغة العربية :
Image removed.https://alborsaanews.com/2020/01/18/1286105…
رابط 3: باللغة الإنكليزية عن الخدمات كقيمة مضافة:
Image removed.https://data.worldbank.org/indicator/NV.SRV.TOTL.ZS…