كورونا.. الفقر يفكك عوائل "العامرية".. و"حملات" شعبية لتخفيف وطأته

3 أسابيع 4 أيام ago

عائشة زهير

"مع بداية حظر التجوال الأول في 17 اذار (مارس) الماضي، كنا نملك 500 ألف دينار (نحو 415 دولار) في المنزل، ولم يتبق منها شيء مع مطلع شهر نيسان (أبريل)"، بهذه الكلمات تروي أم نبراس (27 عاما) حكاية طلبها الانفصال من زوجها بسبب تدهور أوضاعها الاجتماعية والمعيشية، في وقت تتعرض للتعنيف في منزل والدها.

أم نبراس، وهي من سكنة منطقة العامرية غربي العاصمة بغداد، حالها لا يختلف كثيرا عن مئات العائلات الاخرى التي عانت من أزمات مختلفة بسبب حظر التجوال الوقائي الذي فرض في العراق بسبب جائحة فايروس كورونا المستجد، وأدى لتعطيل كافة الأعمال، خاصة وأن نسبة الفقر في البلد بحسب آخر إحصائية لوزارة التخطيط، تخطت الـ20 بالمئة أي ما يقارب 7 ملايين و500 ألف مواطن، اعتمادا على إحصائية اظهرت ان نفوس العراق تجاوزت الـ40 مليون نسمة.

هذه الشريحة من المجتمع، كانت الأكثر تضررا من إجراءات الوقاية، نظرا لكونها عائلات بلا رصيد مالي وتعتمد على العمل اليومي في توفير قوتها، وهذا ما يفعله زوج ام نبراس الذي يملك "بسطة" لبيع الملابس النسائية في سوق العامرية، ومع بداية الحظر جلس في المنزل دون أي عمل.

منطقة العامرية غربي بغداد، هي مثال لما يجري في أغلب مدن ومناطق البلاد، وتشهد كثافة سكانية ملحوظة تكتظ فيها الأسواق الشعبية وتضم شارعا تجاريا رئيسا، ومنذ بدء تفشي فايروس كورونا في العراق ولغاية الان، سجلت المنطقة 43 حالة إصابة

ومن جانب اخر، فقد وثقت "العالم الجديد" حالات اجتماعية رافقت اجراءات الحجر الصحي، التي ادت لتفكك بعض الأسر.

لم تتوقع عائلة أم نبراس، أن يستمر حظر التجوال لأكثر من 14 يوما، نظرا للأخبار المتداولة بشأن الفايروس، وهي فترة حضانته، قائلة "بعد صرف الـ500 الف دينار، في شهر نيسان (ابريل)، استمر حظر التجوال لفترة طويلة، حيث كان زوجي يرفض استدانة أي مبلغ من المال، لأنه يشعر بالحرج من الأمر، وهذا ما دفعنا تدريجيا الى الخلاف والشجار، ما اضطرني الى الذهاب لمنزل أهلي والسكن معهم برفقة طفلي الوحيد".

في منزل أهلها، تعرضت أم نبراس للعنف والتنمر من قبل والدها واشقائها، ورموا باللائمة عليها وعلى زوجها لعدم تمكنهما من توفير رصيد مالي لمثل هذه الظروف الصعبة، مبينة في حديثها لـ"العالم الجديد"، بالقول "لم نكن نعلم أن الأمور ستصل الى هذا المستوى من التدهور، بحيث وصل بنا الحال الى عدم القدرة على شراء الطعام ودفع أجور الكهرباء والانترنت".

المشاكل مع زوجها تطورت كثيرا، حتى وصل الحال بها الى طلب الانفصال، لأن الزوج لم يحاول زيارتها في منزل أهلها وإعادتها لمنزلها، مبينة "كان يتصل هاتفيا ويحملني مسؤولية تدهور وضعه المالي، وكأني أنا من فرضت حظر التجوال".

حاليا، لا تزال أم نبراس في هذا الوضع، وأنها تنتظر انفراجة في الأحداث، وأن يعاود زوجها العمل، حتى تعود لمنزلها، مبدية حالة من الندم على قرارها الأخير بالقول "أحاول أن أعيد النظر بقرار الانفصال".

فترة الحجر المنزلي في العراق، شهدت الكثير من حالات العنف المنزلي والانتحار والطلاق، وكانت لأسباب متعددة كثيرة، لكن أهمها الوضع المالي، وعدم استطاعة رب الأسرة توفير احتياجات عائلته، وخاصة العائلات التي لديها الكثير من الأطفال.
أما ولاء (30 عاما)، فقد تعرضت للضرب والطرد مع أطفالها الأربعة من قبل زوجها، والسبب هو الوضع المادي الذي تردى كثيرا بعد جائحة كورونا.

أم ولاء، تروي لـ"العالم الجديد" قصة ابنتها الموظفة التي أسست مع زوج يعمل كسائق لسيارة أجرة، أسرةً متوسطة الدخل، تعتمد كليا على راتب الزوجة.

وانها تسكن معها حاليا بعد أن طردت من منزلها من قبل زوجها الذي يعمل سائق سيارة أجرة، وعمله توقف منذ شهرين.

ولاء التي تسكن الآن مع والدتها كانت تعمل كمهندسة مدنية في شركة بناء خاصة، تم تسريحها من العمل بسبب جائحة كورونا، بعد عجز الشركة عن توفير رواتب العاملين، فيما كان زوجها يعتمد كليا على راتبها البالغ 1500 دولار، في توفير احتياجات المنزل ودفع قرض شراء سيارة الأجرة، البالغ 400 دولار التي اشتراها بالتقسيط.

وبحسب أم ولاء، فان الخلاف بين الزوجين، كان بسبب عدم تسديد قروض السيارة، مضيفة "زوج ابنتي حملها مسؤولية دفع القرض، ومسؤولية عدم تسديدها له بسبب تسريحها من العمل، ما دفعه الى ضربها وطردها مع أطفالها، وهي تسكن معي الان".

قلق الرجال

"لست موظفا حكوميا، بل أملك محلا تجاريا أوفر من خلاله القوت اليومي لعائلتي، والآن لم يعد العمل فيه مجديا ولا يسد الاحتياجات، نظرا لتحديد أوقات العمل وحظر التجوال المستمر، وتلف المواد الغذائية فيه"، كما يقول زيد (30 عاما)، الذي يملك محلا لبيع المواد الغذائية في شارع المضيف بالعامرية.

زوجة زيد، وخلال اتصال هاتفي مع "العالم الجديد"، بينت "أوضاعنا بدأت بالتدهور مع تزايد حدة وباء كورونا، ولدينا 3 أطفال يحتاجون الى العديد من الاحتياجات، لكن زوجي لم يستطع فتح المحل بصورة مستمرة".

وفيما يخص منحة الطوارئ التي أقرتها الحكومة، والبالغة 150 الف دينار، فأن زوجة زيد قالت "لم نستلم المنحة، رغم ذهابي الى مقهى انترنت، ودفعي 5 الف دينار لصاحب المقهى من أجل ملء استمارة التسجيل، لكن دون جدوى".

زيد، كبقية اصحاب المحال التجارية، خضع لساعات عمل محددة من قبل السلطات، ما أدى الى تعطل عمل اغلب محال المواد الغذائية أو تلف البضائع فيها نظرا لقلة الطلب وعدم فتح المحل بصورة مستمرة امام المتبضعين، فضلا عن شحة السيولة المادية لدى أغلب العوائل التي اعتمدت على توفير احتياجات بسيطة واساسية فقط.

أما أبو محمد (52 عاما)، فهو أيضا لم يستلم منحة الطوارئ، رغم انه يعمل سائق سيارة أجرة، وليس لديه وظيفة، ويعيل أسرة من 5 أفراد، ويروي هو الآخر قائلا "كنت أملك خطا لنقل طلبة المدارس بسيارتي، لكن عملي توقف منذ 3 أشهر، ومتطلبات الحياة لدي كثيرة إذ يبلغ الإيجار الشهري لشقتي 500 دولار، ومع فواتير الكهرباء والانترنت يصبح المجموع 600 دولار".

أبو محمد، أصبح في ظل هذه الظروف غير قادر على توفير مبلغ الإيجار ومتطلبات عائلته، ما اضطره في شهر حزيران (يونيو) الحالي، الى الاستدانة من شقيقه الأكبر، وهو حاليا يحمل همّ شهر تموز يوليو المقبل، في ظل استمرار خطر انتشار الفيروس والاجراءات الوقائية، مبينا "أشعر بقلق وإرهاق، لم أستطع النوم ليلاً، وأفكر يوميا ماذا سأفعل في الشهر المقبل".

حملات التضامن

شهدت العامرية حملات تضامن كثيرة مع بدء سريان حظر التجوال في آذار الماضي، وتمثلت بتوفير المساعدات الغذائية والمالية للعائلات المتضررة التي تعتمد على الدخل اليومي.

ومن بين الحملات، هي حملة "من الناس للناس"، والمسؤول عنها شباب تطوعوا لمساعدة هذه العائلات، عبر حث الميسورين على التبرع بالمال لشراء سلات غذائية وأدوية للامراض المزمنة.

العالم الجديد

 

ويقول مؤسس الحملة احمد جبار (30 عاما) لـ"العالم الجديد" إن "العمل طوعي تعاوني بين الأصدقاء لخدمة الناس، ولا نملك أي دعم من جهة حكومية، ونحرص على إيصال المساعدات للمستحقين على الرغم من مصاعب التنقل وتعقيدات نقاط التفتيش في السماح لنا بالدخول الى المناطق".

 

ويبين "لم نستلم التبرعات إلا بعد التأكد من سلامتها ونحافظ على عدم إظهار وجه المستفيدين في حملاتنا الاعلامية".