مابعد محمد وماركس؟/2

4 أشهر ago

عبدالاميرالركابي
لايكاد الباحث يصدق مستوى التعدي على الوقائع الحية المتصلة بالتاريخ الحديث خلال القرن العشرين بالذات، من قبل الغرب العقلاني "العلماني"، ودرجة استعماله للتاريخ تكريسا لموقعه المتوهم، بالاخص مع القرن العشرين، مع الحرب العالمية الأولى، والثورة الروسية، وصولا للحرب الثانية وظاهرة الفاشية، ( ومقتل 70 مليون من البشر) وانهيار اوربا الغربية، وبلوغ التطور الراسمالي الغربي لحظة الاقتراب من الافول الكلي. ويجري الخلط في الغالب مابين الغرب الأوربي وموطن الثورة الحديثة الراسمالية، وبين الولايات المتحدة الامريكية وكانهما وحدة، لابل وتعمد دمجها بالغرب الأوربي بتكريس نوع من البداهة والاستمرارية الأقرب الى الاستطالة البديهية كانما البيولوجية، فكأن الحدث الأمريكي كان قدرا مقررا من قوى الغيب او من اللوازم الموصوله بالغرب الأوربي، وبنهضته، وثورته الالية الحديثة.
ومما هو مذهل بدون شك، ومن اكثر النقاط اثاره للشك بالعقل الغربي وعقلانيته، ان أي عمل او قراءة لم تظهر على الاطلاق مستندة لفرضية ( مالذي كان مصير الغرب سيكون عليه لو ان القارة الامريكية لم تكتشف؟، والامر هنا يخص الجانب الاقتصادي كما نوه ادم سميث، والجانب الكياني وعلى مستوى البنية )، دعونا نتخيل ماهو ليس مجرد خيال، بل فرضية واقعية تقابلها "صدفة" من صدف التدبيرية الكونية، حيث اوربا المتازمه على مختلف الصعد، المحتربة حد الافناء المتبادل، التي تكاد تذهب الى الانتحار، والى الاتيان على كل ماانجزته وحققته في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بينما طرفها المطل على الشرق شرقا، يأخذ من قلبها نظريتها الأكبر الذاهبة الى مابعدها، ويحولها الى واقع، والى "ثورة"، ليخرج من الحرب وقد صار "منظومة" و "معسكرا" مقابلا، ليس اكثر من محطة وحالة لم تجعلها ماهي سوى اشتراطات من خارجها، دخلت لتعطي اوربا الغربية الأسباب للاستمرار والبقاء على ماهي، باعتبارها تابعا، وموضع لزوم ملحق ضمن معركة تحولت من دائرة " المعسكر الاشتراكي" مقابل " اوربا الراسمالية المصنعية"، الى "معسكر اشتراكي بزعامة روسيا"، مقابل وبالضد من معسكر راسمالي تكنولوجي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية.
ولم يكن التحول المشار اليه برغم اغفاله العمد والمقصود، شانا عاديا كما لم يكن تعميدة بملامح طور تاريخي مابعد اوربي، باستعمال السلاح الذري من قبل الامبريالية الامريكية، وبما يستحق ان يسجل كلحظة فاصلة تاريخية، تساوي الثورة الصناعية الاوربية، ذلك على الرغم من ان الغرب الأوربي وقتها، ومع الحرب الثانية، انتهى، والنموذج الراسمالي المصتعي بنويا ونموذجيا مجتمعيا فقد قدرته على الاستمرار حتى باعلى اشكاله وصيغه الفرنسية، لصالح النمط او النموذج الروسي، الذي يحل الفكرة مكان الطبقة، ماقد جعل من الراسمالية وتاريخها راسماليتان: "كلاسيكية" اوربية غربيه، و مابعد كلاسيكية "روسية / أمريكية"، الوطن المنشا الأوربي فيها تابع ثانوي، ومتراجع، يذكر بماآل اليه حال هولندا واسبانيا والبرتغال، ابان الصعود البريطاني الفرنسي والالماني .
لنحاول ان نتصور لو ان أمريكا لم تكن موجودة في القرن العشرين، بعد الكوارث الحالة بالغرب، والدمار الذ ي استوجب "مشروع مارشال" الأمريكي، مقابل صعود الاتحاد السوفياتي، وحيويته، وقوة حضوره النموذجي عالميا، وبين الأمم والشعوب المستعمرة، هل يمكن وقتها ان نزيل من تصورنا، احتمالية الانقلاب الاشتراكي في الغرب الأوربي، لحد اندراج اوربا الغربية تحت سقف الثورة الروسية بدل الفرنسية .... لنحاول احياء اللوحة الفكرية والواقعية، الحياتيه، وعلى مختلف الصعد يومها، دونما نسيان الحضور المفهومي الاشتراكي، واحزابه في الغرب، ارض المنشأ واحتمالات تطورهابعد الحرب الثانية، على انقاض اوربا المدمرة المتهالكة، ولنسال: هل كان من الممكن لاوربا الغربية ان تستمر "راسمالية" كلاسيكية، كما تهيئا لها ان تستمر حيه تحت طائلة الحضور والدعم الأمريكي؟
سارت الراسمالية والثورة البرجوازية الاوربية الحديثة من البدايات ماقبل الكلاسيكية التمهيديه الطرفية غربا، ومن ثم الى القمة الكلاسيكية الطبقية الالية، وبعدها الى الفكرة، او الايديلوجيا/ الالة. الامر الذي كان تطلب انماطا بنيوية ملائمة، تركزت في موضعين رئيسيين هما: روسيا، والقارة الجديده الامريكية، وكل طور او مرحله من مراحل صعود الراسمالية، يضفي على مابعده دفعا تراكميا، ويمنحه ممكنات ومعطيات مستجدة، تضاف لالياته ومحركات تطوره، ونموه، سواء على صعيد راس المال، او الطبقة، او الالة، بالإضافة لقوة الأفكار، وإمكانات تمازجهما او تلاقي بعضهما بحسب الظروف والتطورات، وصولا الى الفكرة الالة، وتراجع او تدني دور وحضور الطبقة كطبقة، الامر الذي كان قد طبع وميز حالتي، روسيا ثورة أكتوبر1917، وامريكا وثورتها البرجوازية الافتراضبة اللاحقة على الثورة الفرنسيه.
وليس ماتقدم اقل من اقتراح عملية اعقال وإعادة نظر في ظاهرة أساسية كبرى، لم يكن من المتوقع ان تعي ذاتها ابان زمن تصيرها البنيوي التاريخي، كما فعل على سبيل المثال ماركس، الذي افترض هو ورفيقه انجلس، رؤية للغرب الحديث "طبقوية" تخطيطية ذهنية، من دون اعتبار لناحية مستجدة أساسية، طرات على الاليات وميكانزمات الحالة، مثلتها الالة وحضورها، ومااوجدته من ممكنات ومحتملات استقلالية للطبقات، لم يعد معها الصراع الطبقي "طبقيا" بحتا، او صافيا بين طرفين لا وسيط، او قوة قابله للاستخدام من قبلهما ضد بعضهما، هذا عدا عن مفهوم البنية الفوقية والبنية التحتية، الذي يخرج الأفكار عن نطاق الفعالية المستقلة الحاسمه ضمن اشتراطات تحول مادي، ونقص في التبلور الطبقي لاحدى الطبقات كما الحال في نقص الطبقة العاملة البروليتارية الامريكية البنيوي، مامنح البرجوازية المفبركة هناك، القدرة على الحضور كتصور ونموذج موروث منقول، من دون تفاعلية تاريخية، ولا تراتبية على مستوى المراحل التاريخية، كما على صعيد البنية المتشكلة خارج المجال المهاجرة، المنتقلة منه، والذي كانت تنتمي له، الامر الذي حصل مايعاكسة من حيث الدلالة والمضمون، وضمن اشتراطات تاريخية وبنيوية عادية، انما خاصة، بحيث لعبت الفكرة "الحزب اللينيني"، دور النافي المعوض عن الطبقة الغائبة.
تلعب الفكرة في التاريخ أحيانا، دور القوة المجتمعية او الطبقية البديله، بحيث تتحقق المجتمعية او الطبقية فيها، ومن خلالها، ماينطوي على دلالات الازدواجية التي تعود للمجتمعية الغائبة غير المنظورة، الكامنه في البنى المجتمعية، والتي يعجز العقل عن الإحاطة بها، الامر الذي لايمكننا توقع شكل وزمن تجليه لاحقا، مع انه قد وجد بصورة مثالية، ويمكن اعتبارها " كلاسيكية" تاريخيا لهذه الجهه، وقعت في الجزيرة العربية في القرن السابع للميلاد،حين غدت الابراهيمية في مجتمع احادي اللادولة، وضمن اشتراطات اختناق وهيمنه امبراطورية خانقه ومهددة للوجود، ومعطلة للاليات، التي تمنح مجتمع اللادولة الأحادي الجزيري الخاضع لاقتصاد الغزو، المتنفس الضروري واللازم لجعله قابلا للتوازن والتنفس عبر الممر التجاري القاري الممتد من جنوب الجزيرة عبر البحر، الى الهلال الخصيب، وهو ماعمل الفرس على قطعه، مع خنق الكيانية الجزيرية، الامر الذي ألحق بالوحدة المجتمعية القبلية، حالا من التازم وتخلخل في الوظيفة والفعالية، مدمرة، جعلتها ترضخ لقوة الفكرة، "القرآن"، مناظر "ماالعمل" مع اخذ اختلاف الاشتراطات بنظر الاعتبار، بحيث انقلب المجتمع الجزيري بخاصيته وامتيازه الاحترابي الاستثنائي حد الاعجاز، الى "مجتمع عقيدي" بدل كل تاريخه السابق كمجتمع "قبيلي"، الامر الذي استمر طيلة الفترة النبوية/ الراشدية، من دولة اللادولة العقيدية المحاربة، التي عنوانها ومهمتها وآليه استمرار وظيفتها الاحترابية، "الفتح" الذي تنتهي مع انتهائه، لصالح عودة صيغة تغلب قبلي جديد، يحول العقيدة الى "ايديلوجيا"على يد معاوية بن ابي سفيان بعدما كانت، وجعلها النبي محمد كينونة، وصفة انقلابة جوهر.
ليس هنالك من شك في اننا نحاول قلب منهجية التناول لماهو محور البحث هنا، بنبذ ونفي مفعول الأحادية، وثقل حضورها العقلي، وبالذات بما خص المقطع الحديث الأوربي الطبقي والتاريخي، وحقيقة آلياته وفعل معطياته، ونوع ظواهره، خارج الالية الطبقوية، ومسبقات قرارها بخصوص القوى الفعالة، وبالذات استبعاد ناحيتي الفكرة او الأفكار وموقعها، والالية وتطورها، وصولا الى التكنولوجيا وارتباط تبلورها كعنصر مستجد فعال بالطور الأمريكي من تطور الراسمالية، وحاجة نوع الراسمالية المصطنعه في المهجر، لمايتعدى الالة والمصنع، باعتبارالحاحية استقلال الراسمال، الامر الذي كان يقتضي من روسيا ابان مابعد الحرب العالمية الثانية، وتبدل الصراع شكلا وموضعا ونوعا، من اوربا، الى القارة الجديده، ثورة استئنافية أخرى، تنتج لينينا ثانيا، يضع اسسا مختلفة وملائمه للطور الصراعي الثاني المختلف كليا، الامر الذي لم يحدث في حينه، وكان دليلا على ميل كفة الميزان لغير صالح روسيا ابتداء،وصولا لانهيارنظامها واختفائه عند نهاية القرن المنصرم.
ـ يتبع ـ