بعد «روما» وقبل بكين

شهران 3 أسابيع ago

حسام مطر

في ظلّ جائحة «كورونا» واقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية، تتكثف الكتابات حول أفق النظام الدولي والاستراتيجية الأميركية للتعامل مع تحوّلاته. في هذا السياق، صدرت دراسة ذات دلالة مهمّة عن مجلس العلاقات الخارجية في الولايات المتحدة، بعنوان «نهاية النظام العالمي والسياسة الخارجية الأميركية»، لكلّ من روبرت بلاكويل وتوماس رايت (أيار/ مايو 2020).

المركز الناشر يزوّد الرؤساء الأميركيين بعدد كبير من صانعي السياسة الخارجية. مثلاً، جرى تعيين 15 عضواً من المجلس في إدارة بيل كلينتون، و14 في إدارة جورج بوش الابن، و12 في إدارة باراك أوباما (بحسب مقالة في مجلة «نيوزويك»). أما بخصوص الكاتبين، فبلاكويل كان كبير مفاوضي الولايات المتحدة مع «حلف وارسو»، وكانت كونداليزا رايس تعمل لديه، ثم عُيّن سفيراً في الهند، وبعدها مسؤول ملف العراق في مجلس الأمن القومي، عامي 2003 و2004، ويوصف بكونه فظّاً ومغروراً ومتغطرساً. أما رايت، فهو مدير «مركز الولايات المتحدة ـ أوروبا» في مؤسسة «بروكينغز» الشهيرة. لهذه الأسباب، يمكن أن تكشف هذه الدراسة اتجاهاً أميركياً رئيسياً في نظرته إلى العالم والشرق الأوسط في هذه المرحلة الحساسة. بدأ إعداد الدراسة في أيلول/ سبتمبر 2019، لأنّه «بدا واضحاً أنّ النظام الدولي يعاني من مشكلة حادة».

تبدأ الدراسة بإشارة لافتة، إذ تصنّف وباء «كورونا» على أنه، إلى جانب التنافس الأميركي ـــ السوفياتي خلال الحرب الباردة، الاختبار الأعظم للنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة، الذي مضى عليه سبعة عقود، فهذا الوباء أو «الإغلاق العظيم» (على نسق الكساد العظيم) قوّض ذلك النظام أكثر من عشرات الصراعات العنيفة. وهذه الخطورة القياسية للوباء، ناجمة عن طبيعته من ناحية، وعن أزمة النظام الدولي المتحقّقة سلفاً من ناحية أخرى. وبالنظر إلى تداعيات الوباء وعواقبه، فهذه «لحظة اللايقين الدولي الراديكالي»، حيث من الصعب توقّع النتائج بعيدة الأمد للوباء في عالم متشابك ومتّصل بشكل غير مسبوق في التاريخ.

ترى الدرسة أنّ تطوّرَين برزا خلال العقد الأخير، أنهيا النظام العالمي لما بعد الحرب الباردة:

1ـــ سلسلة من القرارات لقوى كبرى (بالتحديد الصين وروسيا) للانحراف عن تفاهمات مشتركة للتوازنات نشأت بعد عام 1990، وهي قرارات أَحيَت صراع القوى الكبرى وتريد العودة إلى النظام الويستفالي، ونظام شبيه بذلك الذي كان في أوروبا القرن التاسع عشر، أي نظام يتمحور حول توازن القوى والسيادة الوطنية ومجالات النفوذ.

2ـــ تحوّلات مذهلة في مسائل عالمية على مستوى التكنولوجيا والاقتصاد والبيئة طرحت قضايا لم تكن مُثارة في نظام ما بعد الحرب الباردة.

في المحصلة، وبحسب الدراسة، أصبح العالم الجديد والقواعد القديمة يسيران بشكل متوازٍ فلا يلتقيان، وهذا أمرٌ سرّعته جائحة «كورونا». وهنا نجد أنّ من أبرز نتائج الجائحة تصعيد التنافس الأميركي ـــ الصيني، بعدما كان يتقدّم بحذر وهو ما يسهم في تعزيز نوع من الإجماع الأميركي عابر للانقسامات على أولوية مواجهة الصين، وهذا ما سيكون من شأنه إعادة تشكيل السياسة الخارجية الأميركية حول العالم، ولا سيما في الشرق الأوسط.

أمام هذين التحوّلين تقدّم الدراسة أطروحتها المركزية: حيث أنّ من المستبعد قيام نظام عالمي موحّد متّفق عليه، أقلّه الآن، إذ ستواصل القوى الكبرى السعي لتحقيق استراتيجياتها في مناطقها وحول العالم، لذا على الولايات المتحدة أن لا تحاول العودة إلى النظام الدولي الليبرالي، كما الحال بعد الحرب الباردة (وهي أطروحة التيار الليبرالي المعولم عموماً)، بل عليها العودة إلى بناء نواة تحالف من الدول الليبرالية الشبيهة بأميركا، كما فعلت في أواخر أربعينيات القرن الماضي. أي أنّ الدراسة تقترح استنساخ نموذج الحرب الباردة، مع تأكيد أقل على المسائل العسكرية وزيادة الشراكة في محاولة حلّ التحديات الجديدة التي تواجه «المجتمعات الحرّة»، والتعاون المحدود مع المنافسين والخصوم في حلّ قضايا عالمية مشتركة، مثل تغيّر المناخ والانتشار النووي والإرهاب والاقتصاد العالمي. فحين كانت واشنطن قوة هيمنة مستقرّة، كانت تبشّرنا بنظام دولي ليبرالي، أمّا الآن، هي تعود إلى سياسة الأحلاف والمحاور بواقعية صريحة، فها هي تأكل «إلهها» الذي صنعته من «قيَم».

وبتفحّص التوصيات المقدّمة لتحقيق هذا التحالف، يتبيّن أنّ الدراسة تضع الصين مقام الاتحاد السوفياتي كهدفٍ للحرب الباردة الجديدة. يوصي الكاتبان بضرورة إيقاف التدهور في ميزان القوى مع الصين، عبر تطوير نفوذ أميركا في آسيا وتقوية حلفائها هناك، وثم التنافس مع الصين عبر استراتيجية تحدّد مدى وشكل التعاون معها في مجالات التجارة والتمويل ونقل التكنولوجيا والدفاع والسايبر والبنى التحتية الحيوية (الاتصالات والطاقة)، فيكون التعاون هو الاستثناء. هذا سيتيح لأميركا تجنّب المواجهة مع الصين ثم منافستها استراتيجياً.

والتوصيات الأبرز لتحقيق ذلك، مرتبطة بكلّ من روسيا والشرق الأوسط، حيث توصي الدراسة بالمساكنة مع روسيا وتقليص المشاركة في الشرق الأوسط، لمحاولة عزل الصين عن حلفاء مثل روسيا وإيران وتكريس قدرٍ أعلى من الموارد والجهود الأميركية لمواجهة الصين، بدل المنافسة المفتوحة مع روسيا أو الوقوع في وحول الاستنزاف في الشرق الأوسط. فتنصّ الدراسة على:

• الانخراط المشروط مع روسيا في قضايا مثل الشرق الأوسط والأسلحة النووية وأوكرانيا، أي القبول بجملة من المصالح الحيوية لموسكو مقابل تحييدها عن بكين.

• تقليص المشاركة في الشرق الأوسط. وهنا تنصّ الدراسة حرفياً على أنّ «الولايات المتحدة استثمرت بشكل هائل في الشرق الأوسط الكبير، وينبغي عليها أن تكفّ عن محاولة إصلاح الإقليم الأكثر شلَلاً وتدميراً ذاتياً في العالم. لقد حان وقت سحب القوات الأميركية من أفغانستان في السنة المقبلة، حتى لو بدون اتّفاق مع طالبان، وإدراك أن احتمال حلّ الدولتين في المسألة الفلسطينية الإسرائيلية هو أكثر بعداً اليوم، وإنهاء الدعم للحرب السعودية على اليمن، وإحياء وتحديث الاتّفاق النووي لمنع إيران من الاستحواذ على أسلحة نووية، ولنكن واضحين، على الرغم من أنّ الولايات المتحدة تأمل أن تصبح إيران ديموقراطية ولكنّ هذا قرار متروك للشعب الإيراني، وعلى الولايات المتحدة أن لا تحاول ابتداء السعي لذلك، وتخفيض علاقات أميركا مع الشركاء العرب والتركيز على المصالح المتبادلة بدل عرض دعم عام لأهدافهم المحلية والدولية. ومع الاستمرار في التزامها الدائم تجاه أمن إسرائيل وسلامتها، ينبغي على الولايات المتحدة أن تعيد توجيه مواردها بعيداً عن الشرق الأوسط إلى شؤون أكثر صلة بمصالحها القومية اليوم ومستقبلاً. فعليها أن تتعامل مع صعود القوة الصينية، وتعميق علاقاتها مع حلفائها في آسيا وأوروبا، والسعي لتطويرات كبرى في التكنولوجيات الحديثة والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود مثل تغير المناخ والأوبئة. هذه النقلة، ينبغي أن تكون تدريجية وبالتنسيق مع الحلفاء الأوروبيين، لتجاوز الفراغ في الإقليم، بالفعل على الاتحاد الأوروبي تحمّل عبء أكبر في محاولة تشكيل الشرق الأوسط الذي يؤثر جداً في مصالحه الوطنية. وهذا سيكون حملاً ثقيلاً» (انتهى الاقتباس).

هذه الدراسة، وبالنظر إلى هوية الناشر والباحثين، تكشف عن الزخم المتصاعد للاتجاه الأميركي، الديموقراطي والجمهوري، الداعي للتخفّف من الشرق الأوسط بحيث تتحوّل الولايات المتحدة في المنطقة من قوة هيمنة ضارية إلى قوة كبرى منزوعة المخالب ومرغمة على القبول بأدوار قوى كبرى منافسة وقوى إقليمية صاعدة. ولذا، كانت عملية اغتيال قائد قوة القدس الشهيد قاسم سليماني، محاولة لإزالة أحد أبرز مصادر التهديد لجهود واشنطن في إنشاء ظروف إقليمية ملائمة لاستكمال الاستدارة شرقاً، ولم تكن العملية بالتالي ضمن مسار لتنشيط السياسة الهجومية للولايات المتحدة.

بالتأكيد، لا تزال هناك وجهة نظر معاكسة تطلب أن تكون واشنطن واضحة، أنّها لن تغادر الشرق الأوسط بسبب الصعود الصيني تحديداً. يجادل أنصار هذا الرأي، أنّ الأهمية المتزايدة للشرق الأوسط للصين التي تصنّف المنطقة بكونها «جارة»، والتي هي المنطقة الأكثر أهمية للصين في العالم بعد منطقة الباسفيك (شهادة لكريستين وورموث من «راند» أمام لجنة العلاقات الخارجية، أيار/ مايو 2019)، توجب منافسة الصين في الشرق الأوسط. ولكن هذا الوجود الأميركي يجب أن يركّز حصراً على المصالح الحيوية في الإقليم، ويدرس أيّ قرار لاستخدام القوة بحذر شديد نتيجة الإخفاقات العسكرية المتتالية. ولذا، النزعة الانكفائية لواشنطن تتغذّى من عامَلَين هما: الإنجازات الإقليمية لأعداء واشنطن والصعود الصيني. بمعنى ما، هناك شبه إجماع في واشنطن على خيار التراجع في الشرق الأوسط والنقاش حالياً محصور بالدرجة، إضافة إلى أنّ الأميركيين عموماً باتوا يقاربون سياستهم في المنطقة من منظار صيني أكثر منه إسرائيلي أو نفطي.

في حقبة الحرب الباردة، كانت أوروبا هي مركز المواجهة، وفي حال اكتملت الانعطافة الأميركية الحالية نحو نسخة محدثة لحرب باردة بوجه الصين، سيكون مركزها شرق آسيا وجوارها، وبهذه الحال ستقاس أهمية الشرق الأوسط من منظار الصراع الأميركي ـــ الصيني. حينها، ستواصل أميركا الهروب من المواجهات العسكرية المكلفة، وتتراجع قدرتها على فرض خياراتها الاقتصادية والسياسية إذ ستصبح الصين، إضافة إلى روسيا، بحاجة لبناء رؤوس جسور في المنطقة من خلال شبكة من الدول الحليفة، وبالتالي ستُضطر إلى تبنّي سياسة إقليمية جريئة وتنافسية.

إن جزءاً كبيراً من السياسات الأميركية في عهدَي أوباما وترامب، قام على افتراض جوهري وهو تحضير المنطقة لما بعد الهيمنة الأميركية، أيّ التخفّف من المنطقة لملاقاة الصين في العمق الآسيوي وتسييج المنطقة بأنظمة تابعة في الخليج ومصر وتركيا وإسرائيل (وحتى جرت محاولة في إيران)، لمنع الصين من النفاذ إليها. فسعت واشنطن، خلال العقد الأخير، إلى تحطيم الأعداء واستنزافهم قدر المستطاع وسحق الدول المعاندة وإنهاء القضية الفلسطينية، وتمكين أنظمة الاستبداد الموالية وشحن الغرائز والصراعات، بما يضمن إسرائيل آمنة ورادعة، وخليجاً مستقراً، ومصر مستَتبعة ساكنة، ومشرقاً مشتعلاً ومنقسماً ومحاصَراً من لبنان وصولاً إلى إيران.

لكنّ أزمة واشنطن تتمثّل في عامل الوقت، فبعد عقد من الزمن بكلّ ما فيه من توحّش وتبديد للموارد وإنهاك للحلفاء والأدوات، هي غالباً إمّا عانت من هزائم قاسية أو حقّقت نجاحات جزئية غير كافية أو مستدامة. محور المقاومة صامد، ولو بكلفة، ولذا هو أيضاً يواجه سؤال الوقت، وتركيا تنوّع خياراتها، وإسرائيل رادعة ولكنّها مردوعة في أكثر من ساحة، والخليج منقسم وضعيف، ومصر قنبلة موقوتة، والحلفاء في صراع فتّاك. فهل لدى واشنطن مهلة عقد إضافي لترتيب شؤون المنطقة أم تستكمل استدارتها الآن؟ الدراسة التي نحن بصددها، توصي بترك المنطقة لمصيرها منذ الآن، قبل فوات أوان ملاقاة الصعود الصيني.

لا تنفي هذه الوقائع أنّ محور المقاومة يحتاج في استكمال الصمود وتشكيل مستقبل المنطقة، إلى توفير موارد مستدامة وإنتاج تسويات سياسية والقيام بمساومات وتلبية احتياجات اجتماعية، وتعزيز المشروعية الشعبية، وزيادة التشبيك مع قوى أخرى. في السنوات الأخيرة، تعمل واشنطن بطاقتها القصوى ضد محور المقاومة، استعجالاً لترتيب المنطقة للدور الجديد ذي البصمة المنخفضة، وهذا ما يفسّر في المقابل تركيز المحور على الصمود وحماية المنجزات والردع، وليس التمدّد في هذه المرحلة. على المديين المتوسط والبعيد، سيحصد المحور نتائج صموده وأثر احتدام التنافس الصيني ـــ الأميركي، ولذا ينبغي أن يركّز على التكيّف في المدى القريب، ويرتّب أوراقه ومبادراته وقوّته لما بعد ذلك.

في تبريره لتجاهل النظام السعودي لتصريحات دونالد ترامب المذلّة، قال علي الشهابي، وهو المدير التنفيذي لـ«معهد الجزيرة العربية» في واشنطن: «كانت واشنطن مثل روما في الإمبراطورية الرومانية، ونحن دولة (يقصد السعودية) تابعة، عليها أن تحيي الإمبراطور. يمكنك وضع قردٍ في البيت الأبيض وسنحييه». بالمناسبة، يجادل والتر شيدل في كتابه «الهروب من روما» (2019)، أنّ سقوط روما جعل التطوّرات المعاصرة ممكنة من الإبداع المستدام إلى التقدّم الثقافي الواسع، ثم الازدهار والأعمال الخاصة والحقوق الفردية والحرية، لذلك «كان لموت الإمبراطورية الرومانية تأثير أعظم من وجودها السابق». لذا، أنت أمام خيارين في زمن ترنّح «روما»، إمّا أن تبحث عن قرد جديد في مكان آخر لتخضع له، وإما أن تساهم في تشكيل العالم الجديد الذي تأمل أن يكون أكثر عدلاً.

 

* أستاذ جامعي