"الاستبدال" و"المنتفك"/ وقفه ثانية ج/ 7

3 أسابيع 5 أيام ago

عبدالاميرالركابي:مع القرن الخامس عشر، كانت مفاعبل انهيار البناء الازدواجي الامبراطوري الثاني العباسي القرمطي الانتظاري ومترتباته، بخاصياته الاستثنائية، قد شارفت على اخلاء مكانها متراجعة لصالح عملية استئناف تاريخي لدورة جديده، ولم يكن من قبيل الصدفة ان تكون منطقة بذاتها هي سومر التاريخية جنوبا، نقطة عودة التشكل الجديد، جيث تتركز الاليات الأعلى المجتمعية مع ارفع اشكال احتدام المجابهة مع الطبيعة، بجانب الوفرة الطبيعية، ومع الوقت بدات ثلاث قبائل هي ( الاجود، وحميد، و بني مالك) تجد نفسها ماخوذة للتقارب، بما او جد مناخا متوافقا بينها، لم يكن يشبه، او هو نفس ذلك الذي عرفته سومر في الدورة التاريخية الأولى، يوم كانت سومر"عاصمة العالم"، ونمط المجتمعية الوحيد المتشكل على مستوى المعمورة، في حين هي اليوم تنظر اذا نظرت الى بغداد عاصمتها التي كانت قبل الانهيار، فتجدها محتلة من السلاسلات المتتالية الحضور، وبقايا الامبراطوريات التي دمرتها أصلا عام 1258، وتتطلع جنوبا فياتيها وللمرة الأولى عبر تاريخها الطويل، صدى مستجد نوعا ايته تمدد الغرب واساطيله على سواجل الخليج.
كانت اللحظة التي رافقت بدء التشكل التاريخي الجديد غير عادية على مستوى العالم والمنطقة الى الشرق الابراهيمي، ففي فارس كانت التمخضات التمهدية للصفوية تتفاعل في اذربايجان، والعثمانية تصعد الى الاناضول، لتبدا عملية امتداد نفوذها الى الشرق الأوسط، تعبيرا عن متبقيات واشكال التجلي المتاخر للدورة الثانية، التي اطلقتها المنطقة في القرن السابع من الجزيرة العربية، والكيانية الإمبراطورية الرافدينية، فكان ذلك عامل استقرار لشكل وجهة الامساك برقبة عاصمة الدورة الثانية الإمبراطورية المنهارة،من دون جنوبها المستعصي، برغم التنافسية العثمانية الصفوية عليها، الامر الذي سيستمر طيلة أربعة قرون تتعدى العمر ألفعال للمنتفك، التي ستتحول المبادرة من يدها لصالح دولة اللادولة المدينية الانتظارية النجفية.
هذا المناخ بالإضافة للمحركات الأصل الذاتية، عزز وجهة التشكل الكياني الاستبدالي المعتاد، ووضع المنطقة مدار البحث امام حقبتين: أولى تنامت ابانها ضرورات الالتقاء والتجسد الكياني، وثانية امكن خلالها، وتوفر ماهو لازم من الأسباب لتشكلها ضمن اشتراطات نمطها وطبيعتها"، وإذ يذهب بعض من حاولوا متابعة ظاهرة المنتفك الى اطلاق تسمة "الامارة" عليها، وهو ماتستحقه شكلا، وبالمقارنة باية حالة من نوعها، فان مايسبغ عليها من هذا النوع من الاحكام يظل بعيدا عن توصيفها، واجمال حقيقتها كحالة تشكل ملائم للظروف لدولة لادولة غير قابلة للتجسد الارضوي، حين تكون بحالة اضطرار لاتخاذ صيغة من صيغ الاستبدال( الملكية الاسمية او / النبوة)، واليوم شكل الاتحاد القبلي، يبدا أولا مشمولا باستحالة التجسد لتعذر انتاج "القيادة" من الداخل، ويصل لاحقا الى استقدام قيادة شكلية منزوعة السلطة، مؤلفة لقبائل متعذر بينها لتمايز غلبة هي غير قابله لانتاجه بنيويا، الامر الذي يجري حله عن طريق "ال شبيب"، القبيلة النبيله التي تسكن منطقة صفوان، فيصار لتركيب رواية تغلب، تضعها بموضع "الزعامه" التي بها يكتمل قوام الاتحاد القبلي استبدالا.
واللحظة التي نتحدث عنها، هي بدون شك لحظة عودة تشكل المنطقة الشرق متوسطية في الدورة، او الطور الثالث الحالي، تسبقها لحظة من التوهمية، تستمر لاكثر من قرنين، تتصدرها مصركنموذج ومحور، ومقابلها الجزيرة العربية، بينما يلغى من الاعتبارـ او حتى مجرد النظرـ مظهر التشكل الثالث التاريخي المابين نهري، ومعه الشرق متوسطي، والحاصل هنا مفهوم، ان لم يدخل في باب ماهو بديهي، بحال اخذنا بالمقارنة بين تشكل "حديث" بدون رؤية ذاتيه وان يكن ذاتيا، ومتبقيات من دورة سابقة، ميلها المتوافق مع كينونتها، الاستعارة، ابان زمن صعود ظاهرة الغرب على انقلابيتها وهيمنتها النموذجية المفهومية.
لامجال بالطبع للنظر الى المنتفك بصفتها "امارة"، فالعراق بنية وتكوينا لايقبل ظاهرة من هذا النوع، وهو حالة تشكل كياني محكوم بقانون الصعود من الأسفل، بحيث لايمكن اطلاقا منح المنتفك اية خصوصيىة "كيانية"، او مايتعدى كونها "حلقة ابتداء تشكل" لو ان الوعي المطابق لها ولنوعها قد توفر، او كان متوفرا قبل الان، لوضعت في باب مايتعدى بمراحل ضوئية، ظاهرتي محمد على الالباني، ومحمد بن عبدالوهاب الجزيري، الذين افتتحا التاريخ الانحطاطي الثاني، المطلق عليه اسم "عصر النهضة" والسلفية.
والمعضله الأهم والاكبر التي تبرز هنا، هي تلك المتولدة من نوع الاطار المعتمد في النظر الى التشكل الكياني الاستئنافي بناء لطبيعته النمطية، واذا كان نمط تشكل احادي، ام ازدواجي مجتمعي كما هو حال كيانية مابين النهرين، وقبل هذا وذاك، اذا كان خاضعا لمفهوم بداهة الدولة كظاهره مجتمعية هي بالأحرى اخطر ماعرفته الظاهرة المجتمعية مع ابتدائها من انتكاس، لحق بالمجتمعية التحولية الأولى، مستغلا افتقارها للعنصر، او العامل التحولي المادي الضروري، أي وسيلة الإنتاج اللامجتمعية/ التكنولوجية العليا، التي كان محكوما على الظاهرة المجتمعية المرور بدورتين تاريخيتين كبريين قبل بلوغها.
لم يكن هنالك ماينتسب الى الحاضر في الشرق المتوسطي، الا عملية التشكل المابين نهرينيه كما ممثلة بالمنتفك، في حين كانت مصر ومعها ساحل الشام، والجزيرة العربية، والقسم الأعلى من ارض مابين النهرين، ومن ضمنه العاصمة الامبراطورية المتبقية من الدورة الثانية / بغداد، خاضعه للمتبقيات الانحدارية المتخلفة من الدورة الثانيه، او مايطلق عليه توصيف مرحلة الانحدار او التردي، الامر الذي كان من شانه ان هيأ المناخ المناسب للعبور نحو صيغه او شكل من الانحدار الانحطاطي الثاني، امتاز وبفعل حضور الغرب ونهوضه، بالميل لاستعارته، وتوهم توطينه بالتماهي معه، مع تعدد اشكال الاستعاره والرضوخ بلا ديناميات، ومع التنكر الكلي للديناميات التاريخيه الخاصة عجزا، الامر الذي تهيا لمصر بجكم ضخامتها وموقعها وانسجامها الأحادي ككيان قابل للايهام بالتطابق مع النموذج الغربي، ان تلعب فيه دورا رئيسا ومحوريا، ساحليا لمايشبه جسد الطير بجناحين، شامي الى الشرق، ومغربي على الطرف الممتد غربا من ارض النيل، حيث مصدر اخر واهم التحاق لمصربالدورة الثانيه وصعودها مع الفاطمية الرافدينية، التي كرست هي وليس الفتح الجزيري، التحاق مصر بالامبراطورية الازدواجية، ونموذجها تعريبا واسلمة، قبل ان تصير ايوبيه ومملوكية، او عثمانية خاضعه خضوعا تاما بلا أي نامه لفرمانات تعيين الولاة من الباب العالي.
لم تكن مصر على الاطلاق، ولاكان لها ان تعرف أي شكل من اشكال نمو الحاضر وتبلوراته بالاخص بحسب كبنونته، وماكان مستحيلا من داخلها بنيويا، حصل من خارجها على يد ضابط الباني وسلالته، في حين لعبت ساحل الشام وبالذات مسيجيه لأغراض التحاقية ضمن لحظة سانحة لاجل تكريس اندماجية راجحة، دورا في بلورة تصورات مفبركة، بالاخص قومية، او ماقد اطلق عليه "علمانية"، وجودها والاعتقاد بها، مخالف كليا لابسط قواعد العلم والمنطق، وبالاصل للغرب وظاهرته وخلفياتها، وشروط ومسارات تحققها التاريخي في ارضها، وصولا الى الماركسة واحزابها التي ولدت وقتها كانعكاس لثنائية الغرب وانشطاره بعد ثورة أكتوبرالروسية، وتلبيه لاسباب ونوع تمايزات مجتمعية لاعلاقة لها بموضوعات الماركسية، او اللينينيه.
بالمقابل عرفت الجزيرة في العصر الحديث، نوعا من فبركة من نوع اخر ذاتي الأصول والتشبه، ومكان الانطلاق والتحقق، وبدل العقيدة التي تقلب المجتمع القبلي، أقيمت اليوم دعوة قبلية تستعمل العقيدة كايديلوجيا ووسيله، خارج الاشتراطات التاريخية التي انبثقت ضمنها الدعوة الأولى المحمدية، بموجباتها، وافقها التاريخي الكوني، لتنتهي بعد هزيمتها الى مزيج ريعي قبلي، يستعمل الدين والدعوة سلفيا، محققا درجة من الايهام القصوى، لاشيء يمكن ان يجعلها قابله للحياة سوى ماكان اوجبها تاريخيا مما يضاد كليا الدعوة الأصل، بعد وعلى اثر وقوع المنطقة تحت طائلة الانهيار بعد سقوط بغداد 1258 حين عرف "اسلام زمن الانهيار التوهيمي" على يد ابن تيميه، ارتكازا لتيار ومذهب إسلامي ( الحنبليه) كان بالاصل هامشيا أيام صعود واستمرا الزمن الامبراطوري الازدواجي الرافديني الثاني.
لم تكن المنطقة غائبة عن الحاضر، بدلالة عودة التشكل الرافديني الثالث منذ القرن السادس عشر، لكنها كانت محكومة بالغياب، وبالرضوخ للظاهرة الغربية الصاعدة، مع الإلغاء وانعدام الوعي المعتاد للاليات، وقوانين تصير المنطقة التاريخية، فغلب على مدى قرنين زمن من التوهمية الكاذبة التي تردد اغنية "لماذا تقدم الغرب وتاخرنا؟"، بينما هي توغل في تكريس التاخر، وتتغاضى عن أي ملمح من ملامح او احتمالات النهوض، الامر الذي وجد له انعكاس داخل ارض الرافدين، فوجدت الفبركة البنيوية والاستعارية، لتنشا هنا من دون بقية أجزاء منطقة الشرق المتوسطي، والاحتشاد النمطي، حالة وبؤرة اصطراع ذات طابع كوني مضمر، وغير مرفوع عنه الحجاب، طرفاه: الاليات التاريخية المتجددة، بإزاء نموذج وحاله الغرب بوجهه الاستعماري والنموذجي، بصفته دولة أحادية، وان باعلى اشكالها"الليبراليه" الديمقراطية، او الاشتراكية المفترضة غير الممكنتين ولا القابلتين للتحقق.
الصراع المقصود، هو ماقد عرفه العراق على مدى القرن الفائت، وميز تاريخه، وطبعه بطابعه ابتداء من ثورة حزيران 1920 ثورة مجتمع اللادولة التحولي، الى اللحظة الراهنه، مع بدءانتهاء صلاحية النموذج والمشروع الغربي الراهن، وتوفر أسباب الانتقال التحولي التكنولوجي، بعد الاف السنين من الانتظار، ووقوف العالم من هنا فصاعدا على عتبة، اللادولة، وبدء مسار التحول الى مابعد مجتمعية.
ـ يتبع ـ

وسوم