لماذا وصف السفير الأميركي 14 تموز بحركة رعاع، وكيف رد عليه حنا بطاطو؟

شباب بغداديون يسقطون تمثال الجنرال مود
أسبوعين 6 أيام ago

علاء اللامي

لماذا قال السفير الأميركي غالمان إنَّ 14 تموز العراقية ليست ثورة ووصف جماهيرها التي خرجت تأييدا لها بالرعاع، وكيف رد عليه الباحث حنا بطاطو؟ في الكتاب الثالث من ثلاثيته حول تاريخ العراق الحديث يسأل الباحث حنا بطاطو السؤال الآتي على ص 115من الكتاب (هل ترقى 14 تموز العراقية إلى مستوى ثورة أم إنها مجرد انقلاب؟ ثم يدرج الباحث رأي السفير الأميركي والديمار ج. غالمان ببغداد آنذاك وفيه يقول السفير (ما حدث ذلك اليوم لا يمكن تسميته ثورة بشكل من الأشكال، إنه ببساطة استيلاء على السلطة من قبل جماعة صغيرة محدودة. صحيح أن هناك تظاهرات انطلقت في ذلك اليوم، ولكنها كانت تظاهرات خالية من أية صفة عفوية وأن جموع الناس المهللة الجامحة التي شاركت فيها كانت لا تمثل العراقيين، بل رعاعا جمعهم المحرضون...) ويعلق بطاطو على كلام السفير الأميركي بسخرية مريرة فيقول (لا شك في أن غالمان يعتمد على اللون إلى حد كبير نسبيا - لون ملابس المتظاهرين- ولا شك أيضا في أن مشاركة حوالي مائة ألف شخص في التظاهرات تشكل شيئا أكثر من الذي يحاول وصفه. وإنْ كان هذا لا يهدف إلى إنكار وجود "الرعاع" بين الحشود، فإن من المفيد أن نذكِّر أن "الرعاع" يظهرون تقريبا في كل ثورة، وفي النهاية فإنَّ الثورة عبارة عن شأن فظ وقاسٍ وعنيف، في جزء منها على الأقل. وإنَّ عناصر التحريض والتنظيم الواعي ليست بالضرورة غريبة عن مفهوم الثورة. وبغض النظر عن مشاركة العامة فإن علينا الاعتراف فورا بأنه إذا كان لأحد أن يعزل رؤية المرء للدور المبادر الذي لعبه لواء المشاة العشرون بقيادة عارف، أو العمل التحضيري الطويل للضباط الأحرار، فإنه لا بد من الموافقة على أن ما حصل يوم 14 تموز كان عملا من تخطيط جماعة صغيرة بمعزل وسرية عن الشعب. وهكذا كان الأمر فعلا بشكل جزئي. ولكننا نكرر أن على المرء أن ينظر نظرة أوسع أفقا إلى الأشياء. وأن يضع أحداث 14 تموز في إطارها التاريخي الطبيعي. بهذا المنظور تبدو هذه الأحداث وكأنها ذروة نضال جيل عراقي كامل من الطبقات الوسطى والوسطى الدنيا والعاملة، وهي أوج ميل ثوري كامل ومتشرب في الأعماق كانت له تعبيراته التي تمثلت بانقلاب 1936، والحركة العسكرية 1941، والوثبة الشعبية في 1948 والانتفاضة في 1952 ثم انتفاضات 1956، وكان الضباط الأحرار،بخيوطهم المرئية وغير المرئية، مقتنصين في هذا الميل."..." الواقع أن إلقاء نظرة سريعة على الآثار اللاحقة لهذا الحدث يكفي لجعلنا نعرف إننا امام ثورة أصيلة، ولم يكن لظاهرة سياسية سطحية أنْ تطلق كل تلك المشاعر بهذا العنف، أو لتثير المخاوف أو الآمال بهذه الجدية التي غزت سنتي 1958 و 1959. الواقع أن 14 تموز أتى معه بأكثر من مجرد تغيير الحكم، فهو لم يدمر الملكية أو يضعف كل الموقع الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية وحسب، بل إنَّ مستقبل طبقات بأسرها ومصيرها تأثر بعمق. ولقد دُمِرت إلى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ ملاكي الأراضي ولكبار ملاكي المدن، وتعزز نوعيا موقع العمال المدنيين والشرائح الوسطى والدنيا في المجتمع. وتغير نمط حياة الفلاحين نتيجة لانتقال الملكية - الإقطاعية - ولإلغاء النزاعات القبلية وإدخال الريف في صلب القانون الوطني. وصحيح أيضا، أن التيه ميَّزَ مسار الثورة وأنها كانت لها تعاقبات صعود وهبوط، ولكن هذا ناجم عن عدم انسجام الطبقة الوسطى وعن الانشقاقات في صفوفها وصفوف سلك الضباط الذي هو الذراع المسلحة والشرعية القائدة فيها).

وأخيرا، فهل تعلم - عزيزي القارئ - أن كلمة "انقلاب" أدق من كلمة "ثورة" في التعبير عن كلمة (Revolution) باللغتين الإنكليزية والفرنسية التي تترجم رسميا إلى ثورة؟ كيف ذلك؟ إن كلمة ثورة (Revolution) قادمة من حقل علم الميكانيك، وتعني أصلاً (دوران الجسم حول نفسه أو انقلابه 360 درجة على محوره). أي إن الجذر الفعلي لها هو "الانقلاب على المحور" وليس "الثوران"ومن مشتقاته "ثور" اسم الحيوان المعروف. بمعنى، أنّ الصِّلة مع دلالة الانقلاب أقوى من الدلالات الأخرى في كلمة "الثّوَران" أو الهيجان. وقد استعار علم الاجتماع الأوروبي الحديث هذه المفردة «ريفوليشون»، من علم الميكانيك كما قلنا، ليضفي عليها دلالات ومحمولات اجتماعية وسياسية أخرى، لتعني: كلَّ حركة اجتماعية وسياسية تؤدي إلى انقلاب شامل في المفاهيم الفكرية والسياسية، بما يتضمنه ذلك الانقلاب من تغيير جذري شامل في أوضاع المُلكية). وكنت قد تطرقت إلى هذا الموضوع في مقالة سنة 2011 أقتبس لكم منها هذه الفقرة (ليس خالياً من الدلالات، ذلك الترابط الوثيق في العربية بين مفردتي ثورة وانقلاب. فالمفردة الأخيرة تستعمل بمعنى ثورة في عدد من اللغات الشرقية المتأثرة بالعربية كالفارسية والأوردية حتى الآن، لكن هذا الترابط كان سبباً للاختلاف السياسي عند العرب أنفسهم).
أما كلمة انقلاب، أو انقلاب عسكري، فهي في الإنكليزية (The coup) وتعني حرفيا: ضربة مفاجئة أو موفقة، وفي الفرنسية (Le coup d'Etat) وتعني حرفيا: ضربةَ دولةٍ!
*في العراق مثلاً، ينظر إلى مَن يرى ما حدث في 14تموز/ يوليو 1958 انقلاباً عسكرياً، بوصفه رجعياً ومعادياً للثورة، أما مَن يراها ثورة، فكان تقدمياً وجمهورياً. لكنّنا، على الرغم من هذه النظرة الأيديولوجية إلى المصطلح وهو شيء لا يخلو من الصحة النسبية، لا يمكن أن نغفل أنّ كلمة انقلاب، أقرب من حيث تكوينها اللغوي ومضمونها الدلالي إلى المعنى العلمي المراد بمفردة «الثورة»، من كلمة «ثورة» ذاتها... مع ذلك، نجحت مفردة «ثورة» المحدودة لغةً، في الاستحواذ على المكنون الدلالي للمصطلح كاملاً، ضمن ما يسميه علم العلامات «السيميولوجيا»، بالانحراف الدلالي للعلامات اللغوية، وانحسرت مفردة «انقلاب» في العربية لتدل على الانقلاب العسكري فقط.). وفي ما يخص 14 تموز كما أراها فهي بدأت كانقلاب عسكري قام به ثلاثة آلاف عسكري ثلثهم فقط يحمل سلاحا، تحول بمجرد الإعلان عنه إلى ثورة شعبية عمت بغداد والمحافظات واقتلعت النظام القديم التابع للأجنبي من جذوره بل وأربكت حتى العسكريين الثوار الذين بادروا عصر ذلك اليوم إلى إعلان حالة منع الجولان ثم حالة الطوارئ لضبط الأمور التي خرجت عن أية سيطرة.
*رابط يحيل الى المقالة كاملة:
Image removed.http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=286097&r=0

الصورة: شباب بغداديون يسقطون تمثال الجنرال الاستعماري البريطاني ستانلي مود.