عراق بلا غاز ؟!! ولا كهرباء/ج1

4 أشهر ago

المهندس أبو أمير الزيدي

(يعيد البديل العراقي هذه السلسلة من المقالات للمهندس أبو أمير الزيدي والتي كتبها قبل بضع سنوات  لأهميتها ... البديل العراقي) 

بداية, العنوان ليس من ابتكار مخيلة اعلامية بل اقتباس شبه حرفي من خطاب مشهور لرئيس وزراء العراق في حينه نوري المالكي بتاريخ 23 تموز 2013 وامام مؤتمر اقتصادي. حيث اتحفنا بقوله :

" التقارير التي تتحدث عن نهاية ازمة الكهرباء في العراق وبدء تصدير الكهرباء هذه السنة غير صحيحة  ,لدي نواب لايلتزمون مسؤؤلياتهم , لقد وقعت شخصيا عقدا مع شركة جنرال اليكتريك لبناء محطات كهرباء  تغذي المنظومة بسبعة الاف ميغاوات , وقعت عقدا مع سيمنز لبناء محطات تنتج ثلاث الاف وثلاثمئة ميغاوات لكن تبين ان هنالك خلل وغباء من المختص الذي وافق على هذه العقود ,المحطات هذه تشتغل على الغاز والعراق  ليس لديه غاز . من نشرة عراق بزنس نيوز 2 اب 2013

نعم هناك غباء ولكن ليس صحيحا انه حكرا على "المختص". كلام مذهل لو قاله روبوت  متحجر متكلس لتصدع من هوله. اهل البصرة يعانون من عقود من تلوث الهواء بسبب الغاز المحروق  الذي قدره  خبير النفط  سعد الله الفتحي ,وحسب تقديرات الربع الثالث من 2014, في مقال له منشور في جريدة الغلف نيوز ان العراق يحرق  1035 مليون قدم مكعب من الغاز يوميا من حقول البصرة فقط, وان الكمية في ازدياد حيث تدخل الخدمة حقول نفط جديدة اي   قرابة ضعف الاستهلاك اليومي للنمسا  مثلا  

نائب المالكي الدكتور حسين شهرستاني وقع عقدا اسطوريا مع الشركة الهولندية العملاقة شل في نوفمبر 2011 بقيمة حوالي 18 مليار دولار لتجميع واستغلال ومعالجة بل وحتى تصدير الغاز العراقي - والذي  كرم على اثره باعلى وسام هولندي منحته له الملكة الهولندية بنفسها

ولكن, ومع ادراكنا للتواضع المعرفي للمالكي , هل يعقل ان كل هذه الحقائق غابت عنه؟  هل المالكي  ينفذ دوره التضليلي المرسوم  بدقة كبليد او ابله ولو بهذه الفضاعة؟ ل"الغاء" الغاز العراقي من الوجود؟.

ربما في تفكيك هذه الالغاز تكمن بعض اسرار ازمة الكهرباء العراقية المزمنة خارج سياق الفشل والفساد المستشري  الذي لا يختلف عليه اثنان بدلالة تصويت بؤر الفساد مثل البرلمان والحكومة ضد الفساد. ولنحاول ان نرتب الوقائع هنا .

عقد اسطوري مع شركة شل بارونه شهرستاني  نتجت عنه هيمنة الشركة على مصادر الغاز العراقي الاساسية والمتمثلة في حقول البصرة, وما يلفت الانتباه اصرار شهرستاني على ان يتضمن العقد معملا لا تبرير له اطلاقا لتصدير الغاز  ,كما كتب خبير النفط سعد الله الفتحي في مقال له في جريدة الغلف نيوز الخليجية : "مصدر مطلع رفيع المستوى اخبرني ان موضوعة تصدير الغاز العراقي لم تكن اولوية شل انما هكذا ارادها شهرستاني  وزير النفط العراقي حينئذ "

 ألمحصلة الاولى لهذا الجهد اذن؟ عراق بلا غاز.

ومن ثم عقود كبيرة لتجهيز طوربينات غازية وقعها المالكي  بنفسه كما اشار, فكيف ستعمل بدون غاز (بغض النظر عن صحة الادعاء او عدمه انها لا تعمل الا بالغاز حيث وصفت التقاريرالغربية عقد جنرال الكتريك بانه يشمل طوربينات قابلة للتشغيل بانواع متعددة من الوقود)

المحصلة الثانية ؟؟اذن لابد من غاز لتشغيل طوربينات الكهرباء .

ويكتوي العراقيون بلهيب الصيف الحارق  فما باليد حيلة الى ان ياتي المدد والفرج مصحوبا ببركات المقدس المبهم. وياتي الفرج متهاديا ليخرجنا من الظلمات الى النور, انابيب غاز من ايران بكلف باهضة مباركة. نقتبس هنا  ايجاز  خبير النفط العراقي سعد الله الفتحي للموضوع في مقالة له في جريدة الغلف نيوز الخليجية بتاريخ  20 نيسان 2014  :

"بدلا من التعجيل في معالجة وتجميع الغاز المحروق , يفضل العراق ان يستورد الغاز من ايران باسعار باهضة تقدر ب11 دولار لمليون وحدة حرارية بريطانية  اي قريبا من المستويات الاوربية ". وفي مقال اخربتاريخ 22 شباط 2015  يكتب " تم توقيع الصفقة في عام 2011  لمد 227 كيلومتر من خط انابيب بمقاس 46 عقدة  وبكلفة 346 مليون دولار"  لتزويد ثلاث محطات كهربائية . يخترق الخط محافظة ديالى والى بغداد. اما  اثمان  هذا الغاز المستورد فهي  3700 مليون دولار سنويا "فقط""

واذ يقف المرء متسمرا تجاه هذه المصيبة ,حيث غاز عراقي يحرق هباءا منثورا واخر ايراني يستورد باثمان باهضة فهذا يهون تجاه المصيبة الاخرى الادهى  والامر: انبوب  غاز جديد وبسعة 56 عقدة يمد الى عقر دار المحرقة العراقية للغاز الوطني ..البصرة!!

 وبكل  صراحة وثقة يعلن الايرانيون ان تمويل كلف شبكات الانابيب هذه  ستكون من دفوعات العراق للغاز المستورد.وفي اخر تقرير من طهران بتاريخ 16 اب 2015  صرح عزيز الله رمزاني من شركة الغاز الوطنية الايرانية ان مسودة الاتفاقية قد تمت بعد اربعة ايام من المفاوضات المكثفة مع الجانب العراقي. وبث الخبر في الموقع الايراني ايران ديلي

وما العمل الى ان يكتمل مد هذه الاذرع الغازية الايرانية؟؟الصبر مفتاح الفرج وما هي الا صيوف قليلة  الى "الحل النهائي"  ولكم الفساد تمتعوا به وعقود هنا  وهناك واخرى تلغى وبينما تنتظرون الفرج النهائي  نمدكم بكهرباء ايراني جاهز عن طريق شبكة اخرى من الخطوط  الكهربائية وصفها مستشار لمحافظ ديالى :  " ان المبالغ التي دفعت لايران منذ عام  2004 حينما تم ربط خط كرمنشاه بالمحافظة تكفي لبناء عشر محطات كهربائية بطاقة اجمالية 2250 ميغاوات -  نقلا عن  عراق بزنس نيوز في 4 تموز 2010  " . كلام المستشار هذا في 2010  قبل انجاز  خط الربط الكهربائي الاخر من الكرخة الى العمارة في الجنوب اما الان  فحسب نشرة عراق بزنس نيوز في 16 نوفمبر 2014  فان العراق يستورد 1300 ميغاوات من ايران وبقيمة مليار دولار سنويا. (وهذه الطاقة تحصى زورا ضمن الطاقة الوطنية للمنظومة الانتاجية العراقية في التراشقات الاعلامية للسياسيين).

هناك اذن حسابات سياسية عاقلة, لا بل استراتيجية اقليمية تبدو واضحة عندما ننظر في مقاييس واحجام ونهايات شبكة الغاز الايرانية هذه .احجام تماثل واحيانا تتعدى احجام المنظومات الدولية الاوربية , خط 56 عقدة  واخر  46 عقدة.  واحيانا تهرب القطة من القفص وتبرز تصريحات تؤشر للنوايا . فصرح علي رضا نكزاد المتحدث باسم وزارة النفط الايرانية   " استنادا لاتفاقيات توصلنا لها فسيمد انبوب غاز بسعة 56 عقدة من حقول جنوب فارس الى الحدود العراقية ليغذي محطات الكهرباء العراقية وفي المستقبل القريب سيعقد اجتماع ثلاثي في بغداد بين ايران والعراق وسوريا لبخث  الخطط الضرورية لتمديده الى سوريا وبان الانبوب سيمد الدول الاسلامية  لبنان والاردن بالغاز كذلك ويمكن تمديده الى اوربا " نقلا عن عراق بزنس نيوز 19 كانون الثاني 2013 .

اذن تبعية غازية - كهربائية غير التبعيات الاخرى , وغير مسموح ان تبدو تبعية, فما العيب في اشفاق ام حنون  على ابناءها  وتزودهم بغاز مبارك  لتشغيل طوربينات الكهرباء الغازية. الا تغذي الام جنينها  بحبل السرة؟

 ومع الصيف اللاهب ولصوصية وفساد لا تسمح بحل الاشكالات , وكذب يفقأ العين   ينسال بسلاسة اعيا حتى صحفيين غربيين مهنيين غيرسياسيين  فلجأ احدهم في تقرير له عن الكهرباء,منشور في عراق بزنس نيوز, الى اقتباس من الروائي الامريكي مارك توين لمحاولة الفهم :

 " سهل ان تعرف ان كان السياسي يكذب, مجرد ان يفتح شفتيه فهي حتما تكذب"

 لم يدرك الصحفي انه بهذا الاقتباس يكرم لصوصا سطوا على ما يظن انه سياسة واعتبرهم سياسيين كذبة.

نباهة في البلاهة

ونحن نستعد لكتابة الحلقة الثانية في هذه السلسلة عن ازمة الكهرباء في العراق وردتنا  بعض التعليقات والردود  بعضها يشكك والبعض الاخر يتمسك بعروة الدفاع الكلاسيكي  فيهتف انها نظرية المؤامرة !! وعملا بمقولة عندما تصطدم الاراء تبرق الحقيقة  اود هنا ان اضيف التوضيحات التالية:

اولا- نحن لا ندعو هنا ابدا الى تقوقع  العراق او نشر ستار حديدي بيننا وبين جارتنا ايران وكفانا الاستاذ سعد الله الفتحي مشقة التوضيح هنا عندما اوضح في مقاله المنشور في جريدة غلف نيوز بتاريخ   شباط 22  الماضي  فكتب "  طبعا انا لست ضد استيراد الغاز الايراني ان اقتضت الحاجة  ولكني اعجزعن فهم كيف يكون هذا الامر اسهل من خيار الاسراع في تنفيذ برنامج اعادة  تنشيط البنى التحتية الغازية للعراق والتوقف عن الحرق وذلك باضافة بضع وحدات معالجة  والتي يجب اضاقتها في كل الاحوال  "

ثانيا- ترحب اكثر الدول عادة بعلاقات الترانزيت  النفطية والغازية لما تدره من منافع اقتصادية واستراتيجية ,ولا يشذ العراق او سوريا عن هذه القاعدة, تركيا مثلا  كونت لنفسها مركزا استراتيجيا  في مجال الطاقة من خلال عبور الانابيب لاراضيها من العراق او اسيا الوسطى, ولكننا نفهم ان هذه العلاقات تقام على اسس اتفاقيات  تجارية  صريحة وشفافة  واحترام متبادل, وليس عن طرق الهيمنة والتحايل وسفك الدماء  وتطهير مسالك المرور طائفيا او عرقيا او سياسيا, هذه تصبح بلطجة كولونيالية مهما  حاولت ان تتسربل بالمقدسات المبهمة .

ثالثا- ان ظاهرة التمدد الغازي هذه تقترب من الظواهر الكولونيالية الكلاسيكية بل اسوأ . كبار مناهضي الكولونيالية امثال ادوارد سعيد او طارق علي  استحضروا ظاهرة بانغلادش التي كانت اكثر تطورا ورقيا في صناعات النسيج حتى من مثيلاتها البريطانية المشهورة  لكن الغزو الكولونيالي البريطاني تطلب سحق صناعة النسيج البنغالية هذه فتم سحقها بالكامل.

لماذا تبدو ظاهرتنا اسوأ ؟ لانه بالاضافة الى سحق صناعة الغاز العراقية  توجب على العراق ان يمول امتدادات اذرع الغاز الايرانية, انهم يدرجونها هكذا علنا حتى في الدعوة للعطاءات!, فيصرح  المدير العام  للشركة الايرانية الهندسية لتطوير الغاز السيد علي غريبي : " ستدعو الجكومة مستثمري  القطاع الخاص لتقديم عروضهم  لبناء خط الانابيب ومحطات الضغط قريبا جدا ,  تقديرنا للكلفة انها  تقارب 1500 مليون دولار وان الاستثمار المالي اللازم سيتم استرداده بالكامل  من  دفوعات العراق  لاثمان الغاز "  - وكالة الانباء الايرانية .

  ونسـأل, طيب يا سيد غريبي واذا لم يشتر العراق غازكم, فكيف ستمول المشروع؟  ربما سيعتبر السيد غريبي هذا السؤال بلاهة  شديدة لكنه لن يهمله بل سيحتاط له بدهاء تاجر البازار وسينادي عفاريته الى مواقعهم ان عليكم بالغاز العراقي . وماذا عن الكهرباء والمولدات والناس تحت لهيب اصياف حارقة؟ هل سنشغلها بوقود اخر لحين توفر الغاز ؟ كما يقول  صانعيها, ستجيب عفاريت غريبي هذه كذلك عليها ان تنتظر الغاز وليس لديكم غاز.

اذن هناك نباهة في بلاهة القول:

 "المحطات هذه تشتغل على الغاز والعراق ليس لديه غاز" .