أزمة الكهرباء, معارف أولية في مواجهة التجهيل/ج3

4 أشهر ago

المهندس ابو امير الزيدي

لمضاعفة انتاج الطاقة الكهربائية العراقية الحالية,للكهرباء الوطنية,  يتطلب تخمينيا استثمار مبلغ اقصاه عشرة مليار دولار . هذا على افتراض ان الطاقة الوطنية الحالية تقارب العشرة الاف ميغاوات. واذا كانت الطاقة الحالية اقل او اكثر فيمكن تعديل الرقم  تبعا لها . والقاعدة التخمينية العامة القديمة المتبعة عند خبراء ومهندسي الكهرباء في العالم ان الميغاوات الواحد يرصد له تخمينيا  حوالي المليون دولار . ولتوفير الف ميغاوات يلزمها مليار دولار. فانتاج عشرة الاف ميغاوات اضافية يلزمها  محطات اضافية بكلفة 10 مليار دولار.  في العقد الاخير نلاحظ هبوطا في هذه الارقام  مع التوسع في استخدام الطوربينات الغازبة واشتداد المنافسة في الاسواق.

الارقام هذه تخمينية تقريبية قد تقل ولكن نادرا ما تزيد ةقد تتارجح اعتمادا على نوع التكنولوجيا اوالوقود المستخدم وسعة المحطة ,وعادة كلما زادت سعة المحطة قلت كلفة الميغاوات الواحد, فمثلا محطة غازية بسعة الف ميغاوات قد تكلف مليار دولار ولكن محطة مماثلة بسعة الفي ميغاوات قد تكلف مليار ونصف المليار دولار.

الارقام اعلاه ليست حكرا على ذوي الاختصاص انما متوفرة في الشان العام في الاف المواقع للشركات والمعاهد والجمعيات والاتحادات المهنية والبحثية والصحافة  المهنية في امور الطاقة مثل  باور ماغازين وباور انجنيرنغ  والكثير منها يجري دراسات كلفة مقارنة بين مختلف انواع الوقود والتكنولوجيا وبدقة تخمينية معقولة. هنالك مثلا دراسة قصيرة لجهة استشارية تدعى ESMAP اعدت للبنك الدولي للانشاء والتعمير ومتوفرة على النت  تقارن بين الكلف لانواع مختلفة من المحطات  في ثلاث دول :الولايات المتحدة , رومانيا , والهند

 هذه الارقام تصح حتى في البلاد ذات الكلف العالية مثل الولايات المتحدة ,فنجد تقرير لجهة استشارية امريكية تدعى بلاك اند فييج اعدته للمختبر القومي لابحاث الطاقة المتجددة  NREL وبتاريخ شباط 2012, يخلص التقرير الى ان الكلفة الاجمالية لمحطة طوربينات غازية بسيطة (معتمدا  نفس مصدر الطوربينات العراقية اي شركة جي اي)  هو 660 الف دولار للميغاوات مع هامش يزيد او ينقص 25% واذا اعتمدنا الحد الاقصى للزيادة (اي زائد)  تكون الكلفة 850 الف دولار للميغاوات

الارقام هذه تعتمد لتقدير الكلفة الاجمالية للمحطة كاملة وليس فقط طوربيناتها  او مكائنها, وتشمل حتى تكاليف الانشاء والاعمال المدنية ولكنها لا تشمل تكاليف التشغيل وشبكات التوزيع المحلية و الوطنية. اي ببساطة انها تشمل كل شي  ما دون المحول الرئيسي للضغط العالي.

نظرة في تفاصيل بعض المحطات العملاقة التي تقام في الخليج مثلا تؤكد هذه الكلف التخمينية , مع ما فيها من سرقات ورشاوي "معقولة",  مع ان هذه المحطات تحتوي كذلك على  وحدات اضافية كبيرة لتحلية المياه . فمثلا  تكلفة محطة راس لافان القطرية  كانت اكثر قليلا من 900 مليون دولار وطاقة المحطة 1025 ميغاوات وتشتمل كذلك على وحدة لتحلية ماء البحر بطاقة  60 مليون غالون يوميا . ومحطة قطرية  عملاقة اخرى بطاقة 2000 ميغاوات وبكلفة حوالي 1700 مليون دولار. والتفاصيل والكلف التعاقدية هنا متوفرة في الصحافة المهنية العالمية مثل باور ماغازين وباور انجنيرنغ

Power Magazine ; Power Engineering.

 تتبع مشاريع كردستان الكهربائية تقريبا هذه التخمينات ,مع ما فيها من فساد "معقول".  حيث  برز صوت ومن داخل برلمان  الفساد في صيف 2012  يقول (كردستان صرفت مليار  دولار وزادت طاقتها الكهربائية الفي ميغاوات ونحن صرفنا سبعة  وعشرين مليار منذ عام 2003  وزادت طاقتنا الف ميغاوات فقط) - قاسم  محمد الناطق باسم اللجنة البرلمانية للنفط والغاز اب 2012. – ولكي لا يجهلن احد علينا نسارع ونقول ان ما يعنينا في هذا الاقتباس ليست السبعة وعشرين مليار, انما المليار الكردي الذي اضاف ملياري ميغاوات واذا اضيفت كلفة الطوربينات التي تسلمتها كردستان كحصتها من صفقة كبيرة للمركز  وصحح رقم المليار دولار الى الرقم الدقيق الحقيقي  سنجد ان ارقام كلف الاستثمار الكردية  في الكهرباء تقترب  من ما عرضناه اعلاه .

ومن داخل العراق  مثال اخر على الوعي العام بالكلف الكهربائية : صرح السيد راسم اسماعيل مستشار محافظ ديالى للبناء والاستثمار ان المبالغ التي دفعت لايران منذ عام  2004 عندما تم ربط خط كرمنشاه بالمحافظة تكفي لبناء عشر محطات كهربائية بطاقة اجمالية 2250 ميغاوات -  نقلا عن  عراق بزنس نيوز في 4 تموز 2010 –(وخارج سياق موضوعنا نؤشر على تاريخ الربط هذا ,انه تم في  اوج فترة العربدة الامريكية).

ومن باب اذكروا محاسن موتاكم نتوقف عند عقد رسمي عراقي يؤكد التقديرات اعلاه ويبدو شاذا عن النمط العام في الهدر والبرمكة والنهب,لا ندري هل كان العقد حسب منهج لملم الشهير ام بمنهج تنافسي اعتيادي,  فقد اوردت  نشرية عراق بزنس نيوز بتاريخ 11 كانون الاول 2011 ان شركة الستوم الفرنسية وقعت عقدا  بمبلغ 400 مليون يورو (اي اقل من 600 مليون دولار في حينها) لاقامة محطة تعتمد طوربينات الستوم الغازية  في المنصورية بطاقة 728 ميغاوات .العقد  من نوع مفتاح باليد , اي يشمل كل شي, تجهيز الطوربينات  والمولدات والفلاتر ...الخ وحتى خزانات الوقود والمياه والاعمال المدنية والنصب والتشغيل التجريبي  . وبغض النظر عن وجود مبالغ مخفية في هذا العقد ام لا, فان  تناسب الرقمين المعلنين اعلاه اي الكلفة \الطاقة  يقل حتى عن الرقم التخميني المشار اليه في بداية المقال .

اذن يصبح اثارة سؤال العجز المريع في الكهرباء ليست امرا مشروعا فقط انما  ضرورة عاجلة : كيف عجزت "الدولة" عن توفير استثمار 10 مليار دولار لحل الازمة؟  واذا زدنا ان اكثر من نصف هذا المبلغ قد تم صرفه فعلا وسلمت اجهزته في العقود المليارية  يصبح السؤال ادانة تستوجب اجراءات قضائية رسمية او شعبية مباشرة او على الاقل برلمانية في اي دولة  تملك برلمانا وليس تنبلخانة بحراسات خاصة.  سنحاول التعرف على هذه القوى ونلاحظ:

  1. اي مراجعة سريعة للعقود التي تم منحها  لاقامة محطات الكهرباء او لنصب ما تم استلامه فعلا من معدات ستجد العشرات من الشركات من كل حدب وصوب  تنقض كالجوارح على فريستها, من كوريا والصين والهند الى ايران وتركيا ومصر واليونان والدنمارك وحتى السعودية . ولكن  هناك غياب شبه تام لاي جهد عراقي ,خاص او عام,  فيما عدى شركة يتيمة تتخذ من الامارات والاردن مقرا لاعمالها يبدو انها تتوفر على شيء من العنصر العراقي – هندسي فاعل وليس  ديكور زينة- .امر مدهش حقا ولا يمكن باي حال من الاحوال اعتباره صدفة او سهوا بالاخص اذا تاملنا في الانجازات العراقية الوطنية البحتة في مجال النصب والتشييد الكهربائي وحتى بعض الابداعات الهندسية في احلك ظروف  العزلة التامة عن العالم.

يقول خبير النفط العراقي الدكتور فالح الخياط على هامش ندوة للطاقة  انعقدت في  تركيا  مؤخرا:

 " انه لامر مأساوي  ان يتم الاعتماد الكامل في فترة الاحتلال وبعده على المتعاقدين الاجانب  فقط وسماسرتهم من العراقيين , متناسين ان العراقيين في شركات الدولة  كانوا هم من اعاد بناء المحطات وبقية القطاعات بعد حملة القصف والتدمير عام 1991, لو استثمرت حكومات بعد 2003 مبلغ 200 مليون دولار لشراء معدات البناء مثل الرافعات والشفلات  والخلاطات ومكائن اللحيم ..الخ لتعويض ما تم سرقته الى كردستان وايران, ولو وضعوا الكفاءات المختصة في مواقع المسؤؤلية مع رعاية لليد العاملة الوطنية  ,لتمكنت شركات وزارة الكهرباء نفسها  من نصب وتشييد المحطات , ربما مع حد ادنى من اشراف  الشركات المصنعة, كما حصل بعد 1991 عندما اعادو بناء كل المحطات المدمرة "

كلام خبير افنى عمره في الصناعة النفطية العراقية , ونضيف  ملاحظتين  على كلام الكتور فالح :

  1. العراق هو البلد الوحيد في المشرق العربي  الذي يمتلك صناعة كهربائية متواضعة مثل المحولات وبعض انواع المحطات الفرعية والموتورات وانواع من المولدات. ومن  يتوفرعلى امكانيات تصنيعية  كهربائية  كهذه  هل يعقل انه يعجز عن نصب  محطة كهرباء؟

  2. في الفترة التي يتحدث عنها الدكتور فالح ( 1991) لم يكن هناك انترنيت  وما يوفره من كم هائل من المعلومات  الهندسية والتطبيقية. اي ان  اعادة بناء المحطات تم بكفاءات عراقية خالصة وبدون الاستعانة حتى بمعلومة من خارجها.

اذن توجد قوى فاعلة ومتنفذة تتصارع احيانا لكنها تلتقي في مصلحة استبعاد حل الازمة , لا بل تعمل لاطالة امد الازمة لاجل يطول او يقصر لريثما تحقق الازمة اغراضها .

سنحاول في الجزء الرابع من هذه  السلسلة ان نؤشر نحو هذه القوى ودهاليزها