أزمة الكهرباء: الكواسر تجذب والزواحف تفتت/ج4

4 أيام 5 ساعات ago

المهندس أبو أمير الزيدي

من هي اذن هذه  القوى الفاعلة المتنفذة  والمتالفة  حول  ادامة ازمة الكهرباء, اواطالة امدها على الاقل؟  باسلوب الايجاز الذي يتصدر عادة ورقة العمل (لان المدراء الذين تقدم لهم الاوراق عادة لا يقرأونها ), يمكن ايجاز ازمة الكهرباء  العراقية كالاتي:

********

تعاقدت "الدولة" في عام 2008 او ربما قبله بقليل على محطات توليد طوربينية غازية بطاقة لا يستهان بها , لا يراد لهذه المحطات ان تنصب وتغذي الشبكة لسببين رئيسيين :

  1. كواسر الشرق من  ايران لها خططها الخاصة لامتدادات غازية محلية واقليمية مع طموحات هيمنه امبراطورية, ولهذه الكواسر ضباعها ومتكسبوها وحملة اباريقها, وقد  تمتعت بحماية ورعاية امريكية من اول ظهورها

  2. زواحف وقوارض الغرب تمارس ابتزازات  لفرض نمط اقتصادي "نيولبرالي" لصوصي على العراق واعادة تكوينه على صورتها, ولها منظومة فطريات نتنة في فسادها انبتها ورعاها الغزو الامريكي مباشرة .

لا يوجد سور حاد وفاصل بين الكواسر والزواحف ,انما تداخلات  وامتدادات وتناغم عام لحد الان, واحيانا تحاول الكواسر القيام بدور هو اصلا من مهام  الزواحف  كما في منح تراخيص   لمنتجي الطاقة المستقلين IPP  الذين تحرص الوزارة على تزويدهم بغاز ايراني باهظ الثمن.

**********

عودة الى موضوع الطوربينات الغازية لنرى من يعلم ومن لا يبالي ومن يكذب علنا, وهل هو الفساد الذي منعها من النصب؟

  • قدمت وكالة الطاقة الدولية IEA تقريرا  طويلا ومفصلا عن امور الطاقة في العراق وذلك في تشرين الاول 2012  خصص اكثر من 30 صفحة لامور الكهرباء . التقرير يوضح في متنه استراتيجية بديهية تتمحور كذلك حول الطوربينات الغازية ,وهي ان يتم تشغيلها باي وقود متوفر- نفط ثقيل , ديزل خفيف,غازاويل - لحين توفير انابيب الغاز الى المحطة . وتضع الدراسة ملاحظة توضيحية بلغة مبسطة جدا تقول بالنص " هناك تمييز بين تكنولوجيا توليد الكهرباء والوقود الذي تستهلكه والذي ممكن  تغييره بمرور الزمن , الطوربينات الغازية يمكنها حرق الغاز او الوقود السائل مثل النفط الخام والنفط الثقيل"

قد يقول البعض ربما لم يطلع المسؤولون على الدراسة, ونقول بثقة  ويقين جازم, لا بل اطلعوا عليها . ففي اول صفحاتها  ترد قائمة طويلة من الاسماء التي تثني على الدراسة بكثير من الشكر والعرفان , ومن ضمنهم كبير مستشاري المالكي وعدد من مستشاريه ونائبه لشؤون الطاقة وسفراء واخرون, كلهم مذكورون بأسمائهم  ومناصبهم.

-  قدمت شركة جنرال اليكتريك  محاضرة لجمهور من الناس في تشرين الاول عام 2009 لشرح وتوضيح تفاصيل العقد ,ومن ضمن ما ورد في المحاضرة تحديد 14 مهمة لمقاول النصب  اولها " تحميل الوقود سواءا الغاز او النفط الثقيل او الديزل الخفيف "  قدم المحاضرة  احد مدراء الشركة ويدعى ياهان باركي.

- قدم المدير العام لقسم التخطيط والدراسات في وزارة الكهرباء الدكتور قصي عبدالستار  محاضرة لمؤتمر الطاقة في العراق عقد في اسطنبول في ايلول 2012, يقول الدكتور في محاضرته العامة  " في المرحلة الثانية (من البرنامج) سيتم تحويل كل محطات الطاقة التي تعمل على النفط الخام او الثقيل الى الدورة المشتركة  Combined Cycle- عندما تشغل بالغاز الطبيعي " (لابد من ذكر طرفة هنا:  الدكتور سمى عقود الطوربينات عقود المسار السريع  Fast Track ونحن الان في السنة الثامنة من المسار السريع)

- نكرر ما ورد في الحلقة الماضية ان شركة جنرال اليكتريك نفسها  تقول عن الطوربينات انها تعمل بانواع وقود مختلفة  Multi Fuel

اذن الكل يعلم ان ما قيل عن سبب تعطيل  نصب الطوربينات هو هراء بل هو كذب محض.ولماذا الكذب ان لم  يكن هناك ما يستوجب اخفاءه؟  تعمل الكواسر برؤية استراتيجية معلومة تتضح خيوطها  كلما امعنا النظر , حجر الرحى او العمود الفقري الذي ترتكز عليه هذه الاستراتيجية هو وضع اليد على الغاز العراقي واختطافه في الواقع وجعله خارج دائرة النفوذ العراقي  بواسطة عقد  شركة شل, ومع هذا يقف المرء مذهولا لشراسة وهمجية  الكواسر هذه ,استهتار بحياة ملايين الاسر العراقية التي تتلظى بالحر اللاهب من اجل فرض الامتدادات الامبراطورية فرضا لكي تصبح "عروضهم لاتقبل الرفض" بتعبير المافيا الايطالية.

قبل ان نترك موضوع الكواسر نود ان نعرج على ما اوردته محطة البي بي سي الانكليزية  في 12 نيسان 2013  بعنوان " العراق يكافح من اجل حل ازمة الكهرباء" المأساة واضحة في التقرير والكذب على التكنولوجيا اكثر وضوحا. يقول التقرير عندما يتناول مقابلته  لمصعب المدرس المتحدث باسم وزارة الكهرباء :

" لكن اكثر تعليقاته مرارة خص بها وزارة النفط التي تعتمد عليها اكثر محطات العراق, ندرك الضغوط عليهم حيث تعتمد اكثر موارد البلد على تصدير النفط, ولكننا  كذلك بحاجة الى الوقود لمحطاتنا , نستورد 4 مليون لتر يوميا من ايران لان وزارة النفط لا تعطينا ما نحتاجه" وهو يتحدث عن الوقود الثقيل , ويقول احد المهندسين في محطة جتوب بغداد – انه يسبب تلوث هائل ويؤثر على الطوربينات الغازية ,يلزمنا اطفاء الطوربينات مرة في الاسبوع لغسل اسنان الطوربينات- والاسوء ان استخدام الوقود الثقيل  يتطلب كلف اضافية حيث يتوجب اضافة مواد كيمياوية لجعله صالحا للاستعمال في الطوربينات الغازية".. انتهى حديث البي بي سي.

اذن طوربينات غازية تشتغل على الوقود الثقيل , ووزارة نفط لا تمد المحطة بالوقود, واجبار المحطة ان تستورد وقودها من ايران ,(الوقود الثقيل هو النفط الاسود  ويستعمل في صناعة الاسفلت  عادة وهو من مخلفات تصفية النفط ,حتى هذا يأتي من ايران!!)

لحد الان لم نعرج على امور الزواحف والقوارض فما هي حكايتهم؟ للزواحف لغة خاصة  يجب فك شفرتها فنهب العراق يصبح اعادة اعمار العراق ,اطلاق يد الشركات يصبح لبرلة الاقتصاد. تنطلي لغتهم احيانا على البسطاء ,لنحاول تفكيك مسارات الزواحف فيما يخص الكهرباء.

  1. تحرير, اي السطو على,  سوق الكهرباء العراقي بمسميات اكثرها شيوعا الان " منتجو الطاقة المستقلون " – IPP

  2. السطو على ملكيات عراقية عامة مثل المحطات الطوربينية الغازية الانفة الذكر.

  3. حرية في فرض الاسعار للوحدة الكهربائية – كيلووات ساعة - بحجة مواكبة اسعار السوق العالمية, (هذا يعني تقريبا ضرب السعر الحالي للوحدة في 8 اي  ثمانية اضعاف)

  4. تهميش واذلال القوة العاملة الوطنية واستبعادها او اجتثاثها كليا لصالح الشركات الاجنبية. هذا يفسر غياب اي جهد عراقي وطني في بناء المحطات مع وجود اسراب الشركات الاجنبية. هذا العنصر على غاية من الاهمية فهنالك مئة الف منتسب لوزارة الكهرباء وبحكم تعاملها مع تكنولوجيا حديثة تكون قطاعا متقدما في الوعي العام والتعامل مع الحداثة. يراد اذن تجهيل هذه القوة وانزالها الى مرتبة عمال سخرة للشركات الاجنبية في البناء.

  5. تكوين طبقة موغلة في الفساد تكون ركيزة وضمانة لهيمنة  اللبرالية الجديدة ولها ماّرب اخرى

العناصر اعلاه يجري تضمينها في قانون جديد باسم قانون وزارة الكهرباء بتسميات اخرى طبعا وبايحاء واشراف شركات استشارية  اهمها على صلة وثيقة بوزارة الخارجية الامريكية مثل شركة بووز الين الاستشارية وهي ربما الراعي الخفي لجولة التراخيص (الكهربائية) سيئة الصيت

اذن لا يقل دور الزواحف خباثة عن دور الكواسر في تعطيل بناء القدرة الكهربائية العراقية. هذا التاخير او بالاحرى الاستهتار واللامبالاة  في بناء ما تم التعاقد عليه اذهل حتى هيئة الطاقة الدولية فقد كتبت في تقريرها عام 2012: "ان فترة اعداد الدعوة لعروض البناء والتشييد فاقت حتى فترة تشييد المحطة نفسها" .

ويعترف الدكتور قصي عبدالستار في محاضرته في اسطنبول "تاخر نصب المحطات الى عام 2010 بسبب الحاجة لمشاورات حول صياغة التعاقدات وتخصيصات الميزانية"  (طبعا هذا يشبه مساره السريع, التاريخ المذكور ليس خطأ مطبعيا انما وردت هكذا 2010) ما هي القصة الحقيقية اذن؟ اغلب الظن انها الصراعات لفرض النمط النيولبرالي والسطو على الطوربينات وكذلك لصوصية لا يصح تسميتها رشاوي. وسننظر هنا بشي من التفصيل الى حالة محددة لانها تسلط الضوء على الكثير  مما ورد من حكايات عن الزواحف والقوارض:

"" محطة شط البصرة الغازية بطاقة 1250 ميغاوات: من الموقع الرسمي للوزارة في يوم 6 نيسان 2011 : جرت في وزارة الكهرباء صباح يوم الثلاثاء الموافق الخامس من نيسان 2011، مراسيم فتح العروض التجارية للشركات الفائزة لجولة التراخيص الاولى للاستثمار في قطاع الكهرباء لمشروع محطة كهرباء شط البصرة بطاقة (1250) ميكاواط.... الشركة الفائزة ستقوم بنصب الوحدات التوليدية المجهزة من قبل شركة جنرال الكتريك، ومن ثم تشغيلها، وبيع الطاقة الكهربائية المنتجة الى وزارة الكهرباء للمدة التي ستثبت في عقد الاستثمار ، وان الكلفة التخمينية للمشروع ستكون ما بين 900 مليون الى مليار دولار""

هذه اللصوصية والسطو على المال العام ( الطوربينات ) تسمى استثمارا ,واللص يسمى منتج طاقة مستقلا يبيع  منتوجه للضحية المسطو عليه !! وقاحة وافساد في الارض, ربما لم يخطر حتى في بال  ماركس  ان مقولته عن رأس المال الخاص "ما هو الا مال عام مسروق" ستظهر هكذا محسوسة ومصورة , اذن يا دكتور قصي هذا ما أخر نصب المحطات والمشاورات التي تتحدث عنها هي في كيفية  تمرير هذه اللصوصية . (العملية برمتها تسمى تحرير الاقتصاد) . كفتنا الوزارة نفسها مشقة تقدير الفساد هنا بسبب تعاقب ثلاثة وزراء كهرباء تلك السنة . ففي 5 تشرين الاول من نفس السنة تم منح الشركة اليونانية ميتكا عقدا بقيمة 348 مليون دولار لنصب وتشييد  نفس المحطة, وبدون بيع كهرباء للدولة. هل توجد حاجة لتقدير الفساد هنا؟ فنحن ازاء عملية حسابية بسيطة .

لا نزكي هنا عقد الشركة اليونانية,لابد انه كذلك يحتوي على حصته من الفساد ,لكننا نورده لايضاح حقيقة الصراعات  التي منعت نصب المحطات  وطبعا الفرق الهائل في الكلفة –قرابة الثلاثة اضعاف-  وكذلك الملكية. نرى هنا شراسة وجشع النيولبرالية  وزواحفها التي تلتهم كل ما يمكن التهامه . اقرب حالة الى هذا الجشع والمنهبة هو السطو على الملكية العامة في روسيا بعد انهيار النظام القديم.

محاولات ما يسمى تحرير سوق الكهرباء ما زالت مستمرة,ففي شباط 2014 تم منح رخصتين لمستثمرين لانشاء محطتين بطاقة كبيرة, يبدو ان الاستثمار هنا ليس على شاكلة الاستثمار السابق اي السطو على مال عام  لكن الهدف الاساس هنا هو تسويق الغاز الايراني ودفع قيمته من الحكومة العراقية والسعر المضمون للوحدة الكهربائية الذي يدفعه العراق للمستثمر ,وخلاصته مع كلفة الغاز  هي حوالي 11 سنتا للكيلووات ساعة  اي11 ضعف سعر الوزارة الحالي للجمهور, اي ان الوزارة ستدعم من اموالها  بيع الغاز الايراني او ان المستهلك العادي سيدعمه اذا قررت الوزارة وقف الدعم عن تسعيرة الوحدة الكهربائية . هنا  تلد النيولبرالية  جنينها مسخا من اول ايامه.