سبع ليال في طوارئ مدينة الطب: قُل وداعاً للحياة/ تحقيق مصور

شهر واحد 3 أسابيع ago

مشاهدات حية لواقع الصحة المزري في العراق

بغداد - حيدر نجم            
يتواصل تدهور القطاع الصحي في العراق وينحدر مؤشر أدائه البياني بانسيابية سريعة نحو القاع، رغم المليارات المرصودة سنويا، والمساعدات الدولية المتوالية منذ 2003 ولغاية الآن، وفي زمن جائحة "كورونا" يتضح هذا التدهور جليا، من خلال غياب العناية الطبية الملائمة في المراكز الصحية المتهالكة والمستشفيات المتواضعة المنتشرة في عموم البلاد، الى جانب النقص المتواصل في الأدوية والعلاجات اللازمة لأصحاب الأمراض المزمنة.  

صدارة عراقية بامتياز!

ومُنذ أيام والعراق يتصدر قائمة الدول العربية الأكثر تسجيلا للإصابات بفيروس "كورونا" بمعدل فاق الـ(2500) ووصل إلى حدود (3000) إصابة في اليوم الواحد وبعدد وفيات قارب المائة حالة- طبقا لإحصاءات رسمية- ناهيك عن الحالات غير المُسجلة. حتى انه تجاوز في بعض المرات جارته إيران التي كانت تُعتبر بؤرة تفشي الوباء في المنطقة.

هذه الصدارة السلبية، أن دّلت على شيء فإنها تدّل على إن هذا البلد الشرق-أوسطي المضطرب سياسيا وأمنيا، يرزح تحت وطأة واقع صحي مزر؛ في ظل تهالك بُناه التحتية وضعف وقلة الكادر الطبي والتمريضي الذي يشكو هو الآخر من اعتداءات وإساءات تطاله باستمرار.

الارتفاع المخيف بعدد الإصابات، دفع السلطات المعنية إلى اتخاذ جملة من القرارات في مقدمتها، فرض حظر شامل للتجوال في عموم البلاد للفترة من (30) تموز\يوليو الجاري ولغاية التاسع من آب\أغسطس المقبل. وهو إجراء سبق أن اتخذته "اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية" - الجهة الحكومية المسئولة عن متابعة تداعيات الجائحة التاجية - خلال الأشهر الفائتة دون تحقيق المبتغى المطلوب منه.

ويمكن أن تلمس هشاشة النظام الصحي في العراق، على أرض الواقع عبّر مرافقة احد مرضى طوارئ مستشفى "بغداد التعليمي" في مدينة الطب منتصف الشهر الجاري، بعد الاشتباه بإصابته بـ". "COVID-19

حُراس عابسون.. وعوائق كونكريتية

القصة تبدأ من لحظة دخول الحدود الإدارية لـ"مدينة الطب" وهي عبارة عن مجمع مستشفيات ومؤسسات صحية، يُعد أكبر الدوائر الحكومية على المستوى الطبي في بغداد والبلاد عموما. أنشئ في ستينات القرن الماضي، ويتلقى فيه العلاج مرضى من سكان العاصمة ومحيطها، إضافة إلى آخرين يأتون من محافظات قريبة وبعيدة طلبا للخدمة الطبية التي لا تتوفر في مصحات مُدنهم.

إذ يصادفك حراس أمنيون بوجوه عابسة لا يحسنون التعامل الإنساني مع مرتادي هذا المجمع الطبي من المعتلين والزائرين، ودائما ما تحصل مناوشات كلامية وشجار بين هؤلاء الحراس ومرافقي المرضى تنتهي بتدخل الخيرين، طبقا لشهود عيان.

عند الوصول إلى بوابة طوارئ الباطنية في مستشفى بغداد التعليمي، ستجد حواجز كونكريتية تعيق إيصال مريضك إلى باب صالة "الترياق" وهي غرفة مفتوحة يُستقبل فيها المرضى على اختلاف إصاباتهم وعللّهم، كما لن تجد من يستقبلك من الممرضين أو الأطباء أو عاملي الخدمة مثلما هو معروف عن خدمات الطوارئ في مشافي دول العالم، تضطر بعدها للبحث عن شيء تحمل به مريضك الفاقد للوعي أو المصاب إصابة بليغة، لا تجد سوى كرسي متحرك تستأجره بـ(2000) دينار من احد الموظفين وتضع تأمينات كهاتفك المحمول غالبا لضمان إعادته.

كادر قليل وضعيف..

وبعد دخول غرفة المعاينة الأولية ستُصدمك الفوضى ومناظر الدماء المتناثرة وبقايا العلاجات وعدد المرضى الكبير على اختلاف أوضاعهم الصحية التي لا تجد الفريق الطبي والتمريضي الكافي لمعالجتها، وان وجد الكادر فانه يعاني من الضعف المهني وانعدام الخبرة في التعامل مع جميع الحالات. وهي انتقادات وردت على لسان كثيرين، بينهم وزير الصحة السابق جعفر علاوي الذي وجه في نيسان\ابريل الماضي انتقادات لاذعة للأطباء الجدد.

الوزير المذكور وهو طبيب اختصاصي واستشاري، حاصل على شهادات عليا وشهادة عمل وزمالة من بريطانيا وأمريكا، انتقد في حينها المستوى العلمي للمتخرجين حديثا من كليات الطب في العراق.

وقال علاوي بهذا الصدد: "(المتخرج) لا يساوي مستوى طبيب، بل لا يساوي مستوى ممرض.."، موضحا بأن النظام الصحي في البلاد "يفتقر إلى نظام التأهيل المتواصل للأطباء مثلما يحدث في أوروبا والغرب وبقية دول العالم".

ومن خلال المشاهدات الحية لـ(كاتب المقال) طيلة فترة مرافقته لقريبه المريض الذي رقد في طوارئ باطنية مدينة الطب لثمانية أيام متتالية، فان أغلب الأطباء المتواجدين في ردهة الطوارئ وصالتي "العزل" و"الترياق" هم من حديثي التخرج، ونادراً ما يتواجد معهم طبيب استشاري أقدم.

صراخ وعويل ومتسولين.. في صالة الطوارئ!

في صالة الطوارئ الرئيسية التي تحتوي على (22) سريرا تفصل بينها حواجز زجاجية غير مرئية، لا مكان لمرضى جُدد. وذلك لان الأسرة مشغولة بالكامل وعلى طول الوقت، وستجد المرضى العاديين بجوار أولئك المصابين أو المشتبه إصابتهم بفيروس "كورونا"!.

كما تنعدم خصوصية المريض والهدوء الذي يحتاجه بسبب الضوضاء الناجمة عن تزايد المراجعين واكتظاظ المرضى، حتى أن متسولين ومشردين يجدون ضالتهم في هذه الصالة بعد اقتحامهم للغُرف الزجاجية صباحا ومساء!، ودائما ما يُسمع صراخ وعويل وبكاء أهالي المرضى المتوفين، داخل الصالة الرئيسية وهو ما يؤثر سلبا على نفسية باقي الراقدين في الطوارئ.

ومن المآخذ المسجلة أيضا على إدارة مستشفى بغداد التعليمي بهذا الخصوص، هو أن أجهزة المفراس والسونار والأشعة لا تعمل بكامل طاقاتها، بل أن بعضها يخرج عن الخدمة باستمرار بسبب عطلات تقنية تتطلب أحيانا تدخل الشركات الأجنبية المصنعة لهذه الأجهزة أو وكلائها. فيما لا تتوفر جميع التحليلات المرضية في مختبر الطوارئ أو غيره من مختبرات مستشفيات مدينة الطب، ما يضطر أهالي المرضى لإجرائها في مختبرات خارجية خاصة.

أطباء صغار خائفون!!..

 في أحاديث جانبية مع بعض أطباء وطبيبات الطوارئ- غالبيتهم شباب في نهاية العشرينات وبداية الثلاثينات- خلال مناوبتهم التي تمتد لست ساعات متواصلة، فان أول شيء يرد على ألسنتهم الشكاوى من ظروف العمل والإجهاد الذي يتعرضون له نتيجة كثرة المرضى.

وأعرب عدد منهم عن خشيته من عدوى فيروس "كورونا" بعد إصابة زملائهم ووفاة آخرين بهذا الوباء اللعين، إضافة إلى التعرض المستمر للتجاوزات اللفظية والاعتداءات من قبل ذوي المرضى مع غياب الحماية والرادع الحكومي لهذه الإساءات المتكررة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي، أقارب بعض المرضى وهم يعتدون على الكوادر الصحية ويحطمون الأجهزة والمعدات الطبية بعد أن يتم إخبارهم بوفاة قريبهم. كما تُظهر مقاطع أخرى تهديدات واعتداءات يتعرض لها العاملون بالمجال الطبي الذين يقومون بجولات ميدانية للكشف عن المصابين بفيروس "كورونا".

وفيما بدا أنه تعليق على هذا الخطر المُحدق بالأطباء والممرضين، تقول الصحافية المتمرسة سؤدد الصالحي التي تغطي الشأن العراقي العام وتكتب قصص صحافية مؤثرة لصالح وسائل إعلام أجنبية: "الأمر مؤخرا تعدى مرحلة الخطر من تفشي الإصابات، واستحال خطرا امنيا يُهدد حياة الكوادر الطبية".

الصحافية الحاصلة على شهادة بكالوريوس علوم - مايكروبايولوجي ودبلوم صحة مجتمع - تشير أيضا إلى أن: "غالبية الناس الذين يرفضون التصديق أن نسبة الخطأ التي ترافق نتائج المسحات - تحليل (PCR) - في العراق مرتفعة جدا.. باتوا يحملون الأطباء مسؤولية موت أحبائهم أو معاناتهم طيلة فترة العلاج".

ملائكة الرحمة.. بلا رحمة!

ورغم التعاطف والإشادة الرسمية والشعبية التي يتلقاها أعضاء "الجيش الأبيض" – وهي تسمية أُطلقت على كوادر القطاع الصحي- إلا أن انتقادات التقصير والتهرب من الواجب والمسؤولية طالت عدد من أطباء وممرضي مستشفى بغداد وغيره من المستشفيات الحكومية المخصصة للتعامل مع المصابين بـفيروس "كورونا".

من بين الانتقادات التي طالت أطباء طوارئ المستشفى المذكور، هو أنهم لا يجرون الكشوفات السريرية والمعاينة اللازمة للمرضى وبالخصوص أولئك المصابين بفيروس "كورونا" خشية انتقال العدوى اليهم. ويكتفون بإعطاء العلاجات الدورية وهم جالسين على كراسيهم في استعلامات الطوارئ بناءا على أوراق المريض التي يجلبها لهم مرافقه.

وفي إحدى الليالي السبعة، صرخ أبن احد المريضات في صالة الطوارئ الرئيسية بوجه ممرضة وزميلتها تقاعسن عن إعطاء العلاج لوالدته، مخاطبا إياهن: "يسمونكن ملائكة رحمة! بينما في الواقع لا تمتلكن ذرة رحمة..". لتتوفى والدته بعد يومين من هذه الحادثة.

ويأتي هذا التدهور الصحي المتفاقم في العراق، تزامنا مع القلق الذي يسود العالم أجمع من موجة "كورونا" ثانية خلال الأيام المقبلة، في ظل التزايد المستمر لعدد المصابين وضحايا الفيروس التاجي الذي يضرب المعمورة منذ أشهر دون هوادة.   

*حيدر نجم: صحافي وكاتب مهتم بتغطية الشؤون العامة في العراق، وكذلك القضايا الإقليمية والدولية. عمل مراسلا لعدد من الصحف العربية من بينها جريدتا "الشرق الأوسط" السعودية و"الراي" الكويتية، ومحررا في دورية "نقاش" الألمانية. والآن يكتب مقالات وتحليلات وقصص صحافية بشكل مستقل.  

العالم الجديد... رابط للاطلاع على التحقيق المصور

https://al-aalem.com/news/57126-%D8%B3%D8%A8%D8%B9-%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%A6-%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A8-%D9%82%D9%8F%D9%84-%D9%88%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%A7